أكراد يتظاهرون في مدينة القامشلي ضد التهديدات التركية
أكراد يتظاهرون في مدينة القامشلي ضد التهديدات التركية

عمران سلمان/

من المؤكد أن قرار الولايات المتحدة سحب قواتها من سوريا قد أثار مشاعر متضاربة لدى الكثيرين. فهناك من جهة من يرون بأن الوجود الأميركي يعتبر عامل ردع لكل من إيران وتركيا وربما روسيا من تنفيذ مخططاتها بصورة كاملة في سوريا وبما يخلق واقعا جديدا يتجاوز ما تم حتى الآن.

وهناك من جهة أخرى من يرون بأن الدور الأميركي لم يكن منذ البداية حاسما في الأزمة السورية، وبالتالي فإن خطوة سحب القوات لا تعدو أن تكون تتويجا لسياسة النأي عن التدخل التي اتبعتها إدارتا أوباما وترامب.

ثمة جهة ثالثة تعتبر أن خروج الولايات المتحدة من المشهد السوري سيصب لصالح تسوية الأزمة بصورة تخدم دمشق وإن كان ذلك على حساب أطراف محلية، أبرزها الأكراد وربما يعزز بصورة مؤقتة من الطموحات التركية في السيطرة على مناطق في الشمال السوري.

ما هو الهدف من البقاء في سوريا؟

وبعيدا عن المؤيدين أو المعارضين تبدو الخطوة الأميركية منطقية بالنظر إلى أن الوجود العسكري الأميركي في سوريا لم يكن له أي مستقبل ولم يكن يخدم أية أهداف باستثناء تلك المتعلقة بمحاربة تنظيم "داعش".

وحتى هذه الأهداف لم تكن واضحة بما يكفي. فهي تارة تعتمد على الأكراد للقيام بالمهمة وتارة تستند إلى التحالف الدولي الذي لم يعد أحد يتذكر ما الذي يقوم به بالفعل منذ أن انتهت الحملة ضد التنظيم في العراق بنجاح.

اقرأ للكاتب أيضا: الحكومات لا تتعظ حتى يأتيها النبأ السيء!

بمعنى آخر فإن هذا التحالف لم يضع لنفسه أهدافا تتجاوز العمل العسكري المباشر، ولم تكن هناك يوما ما أية استراتيجية تختص بما بعد تنظيم "داعش".

حتى القوات الكردية التي كانت تأمل بأن تشكل مساهمتها في تحرير الأراضي من مسلحي "داعش"، عاملا في دفع طموحاتها في السيطرة وإدارة المناطق التي تم تحريرها، قد خفضت من سقف هذه الطموحات بعد أن بدا لها عدم وجود التزام أميركي طويل الأمد بالمنطقة، وبعدما رأته من خذلان لطموحات أكراد العراق في الاستقلال.

والحقيقة أن خسارة الأكراد، ليست وليدة اليوم، ولكنها كانت واضحة منذ البداية بعد أن بنوا استراتيجيتهم كلها على أن القضاء على "داعش"، يمكن استثماره ضمن معادلات الداخل السوري، بعيدا عن الحسابات الإقليمية والدولية.

فقد كان السؤال الملح هو ماذا بعد "داعش"؟ وأين سيكون موقع الأكراد سواء انتصرت دمشق أو أنقرة؟ ففي الحالتين لم يكن ثمة أفق لضمان قيام إدارة كردية دائمة في شمال سورية. والتحالف الدولي أو الدول الغربية لم تكن مستعدة للدفاع عن هذه الإدارة في ظل عدم وجود مشروع سياسي لهذه الدول، مثلما كان الأمر مع الأكراد في شمال العراق بعد حرب الخليج.

طبعا من باب الإنصاف القول بأن القوات الكردية حاربت مسلحي "داعش" في عدة مناطق دفاعا عن النفس، وفي كثير من الأحيان لم يكن لديها خيارا آخر.

وفي السنوات الماضية استشعرت قيادتها السياسية خطر ربط مشروعها بالوجود الأميركي، فسارعت إلى فتح قنوات اتصال مع دمشق وغيرها من العواصم، تحسبا لهذا اليوم. مع فارق أنها حاليا سوف تضطر للتفاوض من موقع أضعف.

تآكل السياسية الأميركية التقليدية

ينبغي القول إن السياسة الأميركية التقليدية في المنطقة قد أصابها التآكل الشديد خلال السنوات العشر الماضية. هذه السياسة التي كان محركها منذ وقت طويل تأمين النفط وحماية إسرائيل، لم يعد لها من أهداف حقيقية.

فالولايات المتحدة لم تعد تستورد النفط من الشرق الأوسط، بل إنها اليوم أحد أكبر مصدّريه. ونفط منطقة الخليج يذهب بمعظمه إلى آسيا وتحديدا الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية.

أما إسرائيل فلم تعد بحاجة إلى الحماية من جيرانها العرب بعد أن زالت إمكانية شن حروب كبيرة في المنطقة.

يبقى التهديد الإيراني لإسرائيل. وهو تهديد لن يتمخض عنه شن حرب بين الدولتين، ولكنه يندرج في إطار التنافس على النفوذ الإقليمي. بمعنى أن إسرائيل لا تريد لأية دولة في المنطقة سواء إيران أو تركيا أو غيرها أن تنافسها على منصب القوة الإقليمية الأولى. والولايات المتحدة تدعمها في هذا الاتجاه.

هذا يعني أنه لم تعد هناك أهداف استراتيجية أميركية كبرى في المنطقة ولكن هناك مصالح صغرى يتعين الحفاظ عليها.

الانعزالية الأميركية الجديدة

هذا التغير الجيوسياسي هو وراء تشكل السياسة الخارجية الأميركية الجديدة في الشرق الأوسط والقائمة على النأي عن التدخل المباشر أو الانعزالية الجديدة.

وهذه السياسة تقوم على عنصرين رئيسيين. الأول أن الولايات المتحدة ليست لديها الرغبة (وربما القدرة أيضا) على دفع تكاليف أية تسوية للأزمات وبالتالي ترك مشاكل المنطقة لسكانها للتعامل معها؛ والعنصر الثاني أن الولايات المتحدة سوف تتعامل مع الطرف الرابح أيا كان.

هذا التغير في الاستراتيجية الأميركية سوف تكون له تداعيات كبيرة في المنطقة. إما أننا سوف نرى مزيدا من النزاعات وسفك الدماء، وهذا احتمال قائم، أو أن الغياب الأميركي سوف يدفع الدول الأضعف إلى التسليم للأقوى والقبول بتسويات آنية أو بعيدة المدى للمشاكل القائمة.

اقرأ للكاتب أيضا: في العنف والحروب وأسبابها

وثمة شواهد في كلا الاتجاهين. فهناك من جهة إغراء لتورط تركي أكبر في سوريا عبر التصادم مع الأكراد، وهو تورط قد يتحول إلى مستنقع لأنقرة. وهناك إمكانية لإعادة بعث تنظيم "داعش" وخلط الأوراق مجددا في الساحة السورية.

وهناك أيضا احتمالات استمرار أشكال مختلفة من الصدام بين إيران والسعودية وإسرائيل في سوريا والعراق واليمن وربما حتى في الخليج.

لكن بالمقابل هناك أيضا مؤشرات على تسويات محتملة وقبول بالأمر الواقع في عدد من هذه الملفات، وخاصة في الملفين السوري واليمني، إضافة إلى ملف النزاع الفلسطيني ـ الإسرائيلي.

أيا يكن الحال فإن القرار الأميركي بعدم التدخل المباشر في تقرير شؤون المنطقة من شأنه أن يدفع كافة الأطراف إلى إعادة حساباتها من جديد.

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

صورة من كتاب "Tom Waits by Matt Mahurin" Copyright: Matt Mahurin

"ما هذا الهراء!؟"

السؤال الاعتراضي الذي باغتني به أحد أساتذتي في جامعة الفنون في برلين، أثناء تواجده الأسبوعي في استديو العمل الخاص بي والمشترك مع أربع طلاب آخرين. للوهلة الأولى اعتقدت أنّه يتحدّث عن لوحتي المعلقة على الحائط.

في تلك اللحظة، كان الوصف ليكون أكثر تقبّلاً من قبلي على أن يكون تجاه الموسيقى التي تدور في فضاء الاستديو. مشيراً بإصرار مع ابتسامة فوقيّة تجاه هذا النوع من الموسيقى على أنّها تمثّل الهبوط والقاع في أحسن أحوالها. دون أن يستفيض لماذا، وعلى ماذا استند يقينه بأن ما يُسمع في تلك اللحظات من موسيقى تصدح من مكبّر الصوت هو "هراء"!

لماذا يتفق الجميع على أشياء تبدو عاديّة دون أي ذبذبات مثيرة للاهتمام من قبلها، لكن الإجماع على علوّ قيمتها بصريّاً أو سمعيّاً يحوّلها أتوماتيكيّاً إلى موضوع جيّد متفق عليه؟ غريب! وأي اعتراض عليها يحمّل صاحبها بصفة "الذائقة السيئة"، أو توجيه تهمة "الرغبة في التميّز عن السائد لمجرّد الاختلاف" التمييز بمعناه المفرغ من محتواه.

مثلاً قول أشياء من قبيل: "لا أحب موسيقى بيتهوفن" أو "صوت فيروز يدفعني للوقوف على جرف جبل ورمي نفسي عند لحظة تأوهها بكلمات الحب والوله للحبيب المجهول!" التفوّه بهذه الأشياء يشبه المساس بالمقدّسات، يحتاج إلى القليل من المخاطرة في الإفصاح عنه. لا أعني المخاطرة بما تحمل الكلمة من مفاهيم أسطوريّة، أعني الدخول في سجالات لا جدوى منها.

"أوكي، نزيف في الأذنين في أسوأ الأحوال!" أجبته ورفعت صوت الموسيقى أكثر وأكملت الرسم الأوّلي لـ باطن قدمي الأيمن بقلم الفحم العريض، بخطوط سريعة عشوائيّة يُكمِل سرعتها صوت "توم وايتس" مردّداً عبارات متتالية مع انقطاع ملحوظ في الشهيق والزفير "الله غائب، الله غائب، الله غائب في عمل" (God's Away On Business)

 الكتاب المصوّر "وايتس/كوربيجن 77-11"

كانت الصورة الأولى الملتقطة من قبل المصوّر والمخرج السينمائي الهولندي أنطون كوربيجين لتوم وايتس، والتي تعود لعام 1977 في هولندا نقطة البداية التي ساهمت فيما بعد بتعاون فنّي دام سنوات طويلة.

التعاون الذي بدأ بالتقاط صورة باللون الأحادي، الطابع الذي تم اعتماده فيما بعد ليكوّن أغلبية المشاهد المتدرّجة بتكثيف لوني بين مختلف درجات السواد والرمادي والبياض الخارج عن نقائه المعتاد. التدرّج الذي كان له دور في خدمة سياق المشاهد وعبثية تشكيلها. جُمعت المشاهد في أرشيف موثّق ليتم إطلاق مجموعة مصوّرة بكتاب واحد تحت عنوان:  "وايتس/كوربيجن77-11" الكتاب الصوري المصنوع غلافه من الكتّان.

يضم الكتاب أكثر من 275 صفحة لمشاهد تمّ التقاطها على مدار ما يقارب 35 سنة. توثيق لحياة وايتس بين عمر الـ 27 لـ 61 تقريباً. المفارقة أن تسلسل المشاهد يختلف زمانياً ويبدو الأمر جليّاً في ملامحه، التجاعيد، بعض الانحناءات والاكتناز في بعض مناطق جسده، ثقل الحركات البلهوانيّة التي أصبحت أكثر انضباطاً من مشهد لمشهد، لكن اللعب واللهو والسحر في حركاته لم يخفت نهائيّاً، إن قلّ ارتفاعه وجنونه في المشاهد المصوّرة في عمرٍ أصغر. يتسلّق أغصان الأشجار، يعتدي على البرك المائيّة الراكدة بقدمين حافيتين، وعلى وجهه تعابير تسخيف طفوليّة لكل ما هو موجود، وكأنما جسده يؤدي دور المقاوم أمام التقدّم في العمر. مقاومة جسديّة ساخرة أمام تدفّق الزمن المتسارع الجدي. التحرّر من سلطة الوقت والنضج بروح الدعابة المحارب أحياناً في عدد من المنصات الثقافيّة والفنيّة على أنها تقليل من قيمة ومعنى كل من يتورّط في هذه المجالات.

تتنوّع المشاهد بين عناصر مختلفة من نسور وأشجار عارية مائلة متدليّة نحو ظلّها، تكاد تبدو ميّتة.

غربان وشوارع فارغة وحصان ثابت كأنه دمية أو زينة موضوعة كتجهيز فنّي إلى جانب سيارة مركونة، تستدعي للتساؤل عما إذا كانت مصادفة أم عن قصد وجود عنصرين يشكلان مفارقة زمانيّة وتاريخيّة.

بقع متفشية مجهولة التكوين. ظلال بشريّة والكثير من العناصر المجتزأة من سياقها. ولكن المشترك بين هذه الأشياء؛ ثباتها ضمن فضاء يحتضن عنصرا أساسيا مفعما بالحركة، جسد توم وايتس المتسم بالخفّة، المتحرّر من كادر الصورة. وجهه وحركاته البهلوانيّة الهائمة في الهواء. إن لم يكن جسده فظلّه. إن لم يكن ظلّه، تتفاجأ بأن الصورة ملتقطة عن طريقه متعدّياً على صديقه المصوّر لكي يضعه خارجاً، مبعداً إياه عن أي صلة بالنتيجة البصريّة المحتملة أو النهائيّة.

تتضّمن بعض الصور اقتباسات من بعض أغاني وايتس، سطور نثريّة أو عناوين طويلة تبدو كأنها نصوص قصيرة جدّاً لوصف الصورة أو لإكمال كادرها لغويّاً. غالبية الصورة غير مجهزة، لكن حتى المشاهد المجهزة تبدو ساحرة غير مفتعلة أو بالغة في التركيب كالمشهد المصوّر في أحد شواطئ أوروبا معلّقاً كرسيّا خشبيّا حول رقبته، وممسكاً بآلة موسيقية نفخيّة أقرب إلى رأسه موازية لكتفه في يد، وآلة الكمان في اليد الأخرى الأقرب إلى القسم الأسفل من جسده باتجاه الأرض.

أكثر من 50 صفحة موزعة تضم صور التقطها وايتس بنفسه، تكمن الدهشة في هذه الصور بأنها ليست احترافيّة، مشاهد أكثر استرخاء، خارجة عن نطاق قواعد الصورة، أنصاف كوارد، مائلة قليلاً. تماماً كما يبدو وايتس في مقابلاته ومقاطع الفيديو المرافقة لموسيقاه المغناة.

جسد منتشٍ، مترنّح من تأثير الكحول. مسترخٍ على كرسي في مقابلة تلفزيونيّة، غير مهتم لقواعد المقابلات المعتادة بأن يكون ثابتا، لمّاحا، حاضر للإجابة. لا على الإطلاق، لا يهتم بالفضاء المحيط به وأنه محط أنظار، يبحث عن عود ثقاب ليشعل سيجارته بينما المقدّم والجمهور الحاضر ينتظر إجابته.

يأتي الكتاب مكمّلاً وليس منفصلاً عن موسيقى وايتس، تلك الموسيقى التي تستدعي وجود وقت يجري بانسيابيّة وتدفّق، دون معرفة زمانه المحدّد. موسيقى مختلطة يقطعها صوت صارم كمنشار منمّق، صعوداً وهبوطاً كأنه منبّه للابتعاد عن نمطيات الموسيقى المعتادة مع صوت المؤدّي الذي يكون عادةّ مدروسا ومضبوطا مع قواعد الموسيقى.

مشاهد كوربيجن تتسم بأسلوب اللعب واللهو. تنمو تباعاً وفقاً لجاهزيّة جسد وايتس في تطويع العناصر المحيطة به. هنا يظهر أسلوب كوربيجن في قدرته  والمهمة الشاقة قليلاً في الرغبة على إظهار أسلوبه الخاص بالتوازي مع موضوع متحرّك غير قابل للسيطرة كوايتس، سواء سيطرة جسديّة أو على أفكاره التي من الواضح أنه يبتكر معظمها دون استشارة أو الرجوع لمن خلف عدسة الكاميرا.

يبني كوربيجن نظريته الخاصة في اختيار وايتس ليكون محورا لمشاهده على مدار ثلاثة عقود من عمريهما معاً، مبتعداً عن الجانب الشخصي الوثيق بينهما ليكون سببا هامشيا وليس أساسيا رغم التطوّر المرافق للسنوات التي تمت أرشفتها فيما بعد لتجمع بكتاب مصّور. آخذاً عدّة تشعبات وأبعاد متفاوتة الأشكال. العلاقة الثنائيّة الفنيّة المرتبطة بأداة ثالثة خارجيّة جامدة بينهما وهي آلة التصوير. إنّ تموضع وايتس أمام العدسة والتصرّف بتحرّر وكأنه لوحده وبذات الوقت قدرته على تطويع نفسه بما تحمل من مزاجيات مختلفة لـ للمصوّر وأداته أحد الأسباب، ولعله الجوهري، في استمرارية ديمومة عملهما معاً لسنوات متتالية.

"من الصعب التقاط أو توثيق حياة شخص من خلال الصور لمدة تتجاوز الثلاثين سنة، هو فعل موجود في الأوساط الفنيّة أو الثقافيّة، لكن ليس شائعاً. عملنا معاً تطوّر كما تتطور الأشياء بمسارها الطبيعي، أي المسار غير المثالي، وهذا الأمر الجميل بذاته، الشوائب والأخطاء وسوء التفاهم. كلٌ منّا كان جديّاً تجاه عمله، لكن عندما يأتي الأمر للعمل سويّا، يختلف الأمر قليلاً ونصبح كالأطفال، متحرّرين من القوانين التي تسود عالم الناضجين" (كوربيجن معلّقاً عن الكتاب.)

 

Photo from the illustrated book "Tom Waits by Matt Mahurin". Copyright: Matt Mahurin

 

يتركنا الكتاب بما يحتوي من مشاهد للتساؤل عن طبيعة الفعل الأدائي لوايتس بوجهة نظر بصريّة مختلفة. مصورون/ات، أو فنانون/ات آخرون. لتأتي صور ورسومات غرائبيّة متداخلة بعوالم مختلفة شكّلها خيال مات ماهورين. أنصاف بشريّة بأطراف آلية، شخصيّات تحرّرت من سلطة الشكل الاعتيادي للأجسام البشريّة التي من السهل توقع حركاتها ومعرفة فعلها وردة فعلها على السواء. مات ماهورين مصوّر، رسام ومخرج أفلام، وأغاني مصوّرة لفرق موسيقيّة كفرقة "ميتاليكا".

يبدو وايتس بأسلوب ماهورين مختلفاً تماماً عن أسلوب كوربيجن. وايتس بصوره جزء من كُل، هذا الكل يأتي في سياقات مختلفة لكن مكمّلة لبعضها في المشهد الواحد، بخاصيّة زمنيّة كأنها قصة تجري أحداثها أو مسرحيّة بشخوص تمارس أفعالها اليوميّة. سواء أكان رسماً أم تصويراً. حيث كل تفصيل له دلالة ورمزية ومبرّر دراميّ يفسّر تموضعه في اللوحة أو الصورة. بعكس الأجواء الموجودة في صور كوربيجن، التي تبدو كأنّها التقطت خصيصاً لإظهار وايتس وتوثيق حركات جسده ووجه كعنصر أساسي يَصعُب التخلّي عنه، أما بقيّة الكادر مهمّش، أقرب إلى الديكور من السهل اجتزاؤه، تبديله أو التخلّص منه على حساب وايتس.