عباس خلال قداس الميلاد في بيت لحم
عباس خلال قداس الميلاد في بيت لحم

داود كتّاب/

بعد سنوات من التردد، اتخذت القيادة الفلسطينية الأسبوع الماضي قرارا حاسما، متمسكة بتوصية المحكمة الدستورية، فأعلن الرئيس محمود عباس حلّ المجلس التشريعي الفلسطيني وإجراء انتخابات برلمانية عامة خلال ستة أشهر.

لم يشمل القرار أي ذكر لموضوع الانتخابات الرئاسية رغم أن المجلس التشريعي والرئاسة تجاوزا منذ سنين مددهم القانونية.

انتخب محمود عباس ليخلف الراحل ياسر عرفات، في 9 كانون الثاني/يناير 2005 لفترة أربع سنوات انتهت في أوائل 2009. كما تم انتخاب المجلس التشريعي، المكون من 132 عضوا، بعد حوالي سنة في 25 كانون الثاني/يناير 2006 لدورة مدتها أربع سنوات انتهت قبل حوالي 8 سنوات.

اقرأ للكاتب أيضا: قيامة المسيح عيد وطني فلسطيني

يعود غياب الانتخابات في مواعيدها إلى أحداث حزيران/يونيو 2007 في قطاع غزة.

ورغم إدارة حكومة اسماعيل هنية التابعة لـ"حماس" زمام الحكم في الضفة والقطاع، إلا أن ما حدث في حزيران/يونيو رأته الرئاسة الفلسطينية انقلابا عليها تسبب في قتل وخروج أو اعتقال قوات الأمن الوطنية التابعة للرئاسة.

ومنذ ذلك الوقت، حلّ الانقسام بين غزة والضفة الغربية، ونتج عن ذلك تشكيل حكومتين وإدارتين لكل منهما مرجعيته، مع بقاء المجلس التشريعي معطلا طيلة تلك الفترة رغم الاستمرار بدفع رواتب النواب والإبقاء على مسماهم القانوني كنواب منتخبين.

رفضت جهات وشخصيات عدة قرار حلّ المجلس التشريعي وإجراء الانتخابات، لكن الرفض الأكثر حدة جاء من قطاع غزة، إذ صرح نائب رئيس المجلس التشريعي أحمد بحر أن القرار مناف للوحدة الوطنية. وأعلن أن النواب المقيمين في غزة سيستمرون في الانعقاد رغم قرار المحكمة الدستورية، التي اعتبر أنها تشكلت بقرار أحادي الجانب.

وعلى مستوى أقل حدة، جاء موقف أحد أقرب المقربين للرئيس عباس، أي صائب عريقات، أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، الذي طالب بإجراء انتخابات رئاسية بالتزامن مع الانتخابات التشريعية المنوي إجراءها خلال ستة أشهر، استنادا إلى قرار المحكمة الدستورية.

لكن الانتقادات السياسية رافقتها انتقادات لما اعتبره البعض عملية تطويع السلطة القضائية لرغبات السياسيين، وخاصة الرئاسة؛ إذ عبر الخبير القانوني المعروف أنيس القاسم بالقول إن ما يجري في فلسطين هو "الحكم بالقانون بدل من حكم القانون".

من ناحية أخرى، استغرب بعض المقربين من عباس من التناقض في مواقف المعترضين.

فأشار عباس زكي، عضو اللجنة المركزية لحركة فتح، إلى أن العديد من المطالبين بعدم الاحتكام لاتفاقيات أوسلو وكل ما ترتب عنها، يعارضون حلّ المجلس التشريعي، وهو من أهم المؤسسات التي شكلت استنادا إلى اتفاقيات أوسلو.

من المعروف أن منظمة التحرير الفلسطيني هي الجهة الرسمية التي وقعت إعلان المبادئ مع إسرائيل، الذي شكل أساس المؤسسات المسماة بالسلطة الوطنية الفلسطينية.

فالرئيس الراحل ياسر عرفات ومحمود عباس وقعا الاتفاقيات مع إسرائيل بإشراف دولي بصفتهما كرئيس وأمين سر منظمة التحرير الفلسطينية. وفي كافة الأدبيات والوثائق الفلسطينية يتم وضع اسم المنظمة فوق اسم السلطة الفلسطينية.

حركة "حماس" ليست عضوا في المنظمة، رغم استعدادها للانضمام في حال إجراء تعديلات وإعادة هيكلة للمنظمة حسب مداولات ونصوص اتفاقيات المصالحة المختلفة.

لكن لغاية انضمامها، فإن أعضاء "حماس" متمسكون بالمجلس التشريعي لأنه يعطيهم شرعية انتخابية، في حين أن حل المجلس التشريعي يفقد الحركة أهم مرجع لشرعنة حكمها وسيطرتها على قطاع غزة.

ومن التعقيدات التي تواجه قرار إجراء الانتخابات خلال ستة أشهر، صعوبة إجرائها في كافة المناطق الفلسطينية دون اتفاق سياسي خاصة مع "حماس".

فهل ستتم الانتخابات بدون اتفاق وبدون مشاركة سكان غزة حيث لا تزال "حماس" مسيطرة ومن المستحيل السماح بمشاركة أحد في غزة بدون اتفاق معها؟

الأمر الصعب أيضا، في مجال الانتخابات، هو موضوع المقدسيين، إذ سيؤدي إجراء أي انتخابات بدون القدس إلى التشكيك بنتائجها، واعتبارها تنفيذا لما يصطلح على تسميته بـ"صفقة العصر".

في الانتخابات الرئاسية والتشريعية السابقة، شارك المقدسيون في الترشح والانتخاب، وذلك من خلال التصويت في مراكز انتخاب خارج حدود القدس أو عبر البريد. فهل ستوافق حكومة نتنياهو، أو أي حكومة يمينية على ما وافقت عليه حكومتا رابين وبيريز الوسطيتين؟

من نتائج الانتخابات التشريعية السابقة فوز ثلاثة مندوبين من القدس من مؤيدي حركة حماس، ومنذ ذلك الوقت تعرض هؤلاء النواب (بالإضافة إلى خالد أبو عرفه الذي تم تعيينه وزيرا للقدس في حكومة اسماعيل هنية) لمضايقات واعتقالات وإبعاد عن القدس من قبل الحكومات الإسرائيلية المتتالية.

وسبق أن أصدر البرلمان الإسرائيلي قانونا يشرع إبعاد أي شخص "لا يقدم الولاء لدولة إسرائيل"، وهو ما يشكل عقبة كبيرة أمام قدرة المقدسيين على المشاركة في أي انتخابات مستقبلية.

من ناحية أخرى، هناك خبراء ومتابعون فلسطينيون يشككون في إمكانية وجود رغبة جدية بإجراء انتخابات عامة.

الخبير القانوني ماجد العاروري يعتبر أن قرارات المحكمة الدستورية سياسية بامتياز وأن هدفها الرئيسي هو إعادة تفعيل دور منظمة التحرير الفلسطينية وتجاوز أي معوقات قد تكون موجودة لعملية انتقال سلس في موقع الرئاسة، خصوصا أن عمر عباس تجاوز 83 عاما.

فحسب القانون الأساسي الفلسطيني، إذا تعذر قيام الرئيس بمهامه، فإنه يتم تعيين رئيس المجلس التشريعي بصفة قائم بأعمال الرئيس لفترة ستين يوما، تجري خلالها انتخابات رئاسية.

المشكلة، بحسب مؤيدي عباس، هي أن آخر رئيس للمجلس التشريعي هو الدكتور عزيز دويك وهو من مؤيدي حركة "حماس" المعارضة للرئاسة والحزب الحاكم.

اقرأ للكاتب أيضا: حقوق النساء غير قابلة للاستثناء

يعتقد الخبير القانوني عاروري أن هدف قرار المحكمة الدستورية ليس قانونيا ولا علاقة له بالانتخابات، بل هو إلغاء قدرة الدويك على المطلبة بتسلم السلطة ولو لفترة قصيرة في حال تنحي أو وفاة الرئيس عباس.

مهما كانت الدوافع لحلّ المجلس التشريعي الفلسطيني، فمن الواضح أن فريق محمود عباس يسير وبثبات نحو خلق نظام سياسي جديد في فلسطين قد لا يكون لحركة "حماس" أي دور فيه إلا إذا قررت الخنوع وقبول العمل تحت نظام جديد يتم ترتيبه في رام الله.

وهذا، لا ينعكس بشكل جيد على إمكانية تحقيق الوحدة الفلسطينية، التي يعتبرها غالبية الفلسطينية صمام أمان والمدخل العملي الضروري لأي عمل حقيقي يؤدي إلى الاستقلال والحرية.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة
متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة

ثمة تبادلاً رهيباً للحمايات والحصانات تمارسها الطبقتان السياسية والمصرفية في لبنان، تصدر الأولى قرارات تتولى منع مقاضاة مصرفيين، فيما تسوق الثانية لـ"نجاح السلطة" في إدارة الكارثة التي لحقت باللبنانيين جراء فساد الطبقتين، وتغولهما على الأموال العامة والخاصة.

شهدنا في هذا الأسبوع نموذجاً صارخاً ووقحاً عن هذه المعادلة، طرفاها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ورئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي. قال الأول في مقابلة تلفزيونية إن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في العام 2022 بلغ 4 في المئة! لا تكفي حيال هذا القول علامة تعجب واحدة لدرء الذهول.

لبنان البلد المفلس والذي فقدت العملة فيه أكثر من 90 في المئة من قيمتها، وأقدمت المصارف فيه على السطو على مدخرات المودعين عبر "كابيتال كونترول" غير قانوني، والناس على حدود الجوع والوضع الصحي مهدد بالأوبئة، هذا البلد حقق بحسب رياض سلامة نمواً اقتصادياً. إنها هدية رياض سلامة لنجيب ميقاتي، ذاك أن النمو الرهيب والغريب الذي أشار إليه الحاكم هو إنجاز ميقاتي، ولطالما باع الحاكم اللبنانيين الأوهام، ولعل ذروتها حين أبلغهم قبل الانهيار بأيام أن "الليرة بخير".

لكن سرعان ما كافأ ميقاتي الحاكم، وعمم الفائدة على كل المصارف، فأصدر مذكرة يطلب فيها عدم تنفيذ القوى الأمنية أي قرار يصدر عن مدعي عام جبل لبنان القاضية غادة عون، التي تتولى ملاحقة عدد من المصارف بتهم تبييض أموال، وهي سبق أن ادعت على سلامة وعلى شقيقه بتهم فساد.

لبنان بلد يطلب فيه رئيس الحكومة التمنع عن مؤازرة القوى الأمنية للقضاء! فيما لا يخجل حاكم المصرف المركزي من أن يبلغ اللبنانيين أن اقتصادهم حقق نمواً في وقت يعيشون فيه على شفير مجاعة. 

والحال أننا لم نعد حيال ما توقعه الفضيحة في نفوس من يعايشونها، ذاك أننا نواصل منذ سنوات استقبال الفضائح وهضمها، ثم استدخالها بوصفها شأناً طبيعياً علينا التعايش معه على رغم استحالة تصديقه. 

حزب الله يمنع إجراء التحقيق بانفجار مرفأ بيروت. هذا ما لا يحتاج إلى تقص لإثباته. لقد توجه مسؤول كبير فيه إلى قصر العدل وقال للقاضي أنه "سيقبعه من منصبه". جرى ذلك أمام أعيننا، ولم ينفه أحد. 
إذاً هذه واقعة مثبتة، ولا يبنى عليها سوى أن علينا التعايش معها، وهي تشبه ما قاله الحاكم لجهة أن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في عام المجاعة والإفلاس. نحن نعرف أن اقتصادنا لم يحقق نمواً وأن الحاكم لا يقول الحقيقة، لكن كيف يمكننا أن نصرف معرفتنا؟

وفي سياق هذا العجز عن صد الكذب، وعن طلب احترام الذكاء، تحول الشأن العام بأسره إلى عالم من الأكاذيب الركيكة التي لا تسعى لنيل تصديقنا، بل لنيل قبولنا بها بوصفها أكاذيب مرغمين على التعايش معها. "القاضي طارق البيطار عميل للسفارات"! أن نسأل عن دليلهم، فهذا تطاول على السيد حسن نصرالله، وطلب مقاضاة وليد جنبلاط الذي اعترف بإقدامه على تحويلات إلى الخارج، يرقى إلى حدود الكفر والفجور، فهل يعقل أن نحاسبه على فعلة اعترف بها؟

لا يعقل أن نواصل العيش في هذه المتاهة، لكن لا يبدو أن ثمة أفق للخروج منها، فمصدر الاستعصاء تكويني، والشر يتحصن ببنية صلبة تضرب جذورها في كل شيء في لبنان. من هنا يشعر رجل كرياض سلامة أن بإمكانه أن يقول ما قاله، مدركاً أن أحداً لن يصدقه، وأن يصفعنا نجيب ميقاتي بقرار يطلب فيه من القوى الأمنية عدم مؤازرة القضاء، وأن يقول حسن نصرالله أن طارق البيطار عميل للسفارات، وأن يحذرنا من مغبة الشك بما قاله.

على هذا النحو بنت دولتا البعث في سوريا والعراق سلطتاها، فليس المطلوب أن نصدق، إنما المطلوب أن نقبل، وليس أمامنا والحال هذه إلا أن نستعين بالسخرية لتصريف مأساتنا. لكن في مرحلة أخرى قد تتحول السخرية إلى سلاح مهدد، وعندها سنمنع من ممارستها.