الرئيس اللبناني ميشال عون في الأمم المتحدة
الرئيس اللبناني ميشال عون في الأمم المتحدة

فارس خشّان/

أنهى رئيس الجمهورية السابق العماد ميشال سليمان ولايته الرئاسية باستنتاج معبّر: "حزب الله" في لبنان يعمل ضد بناء الدولة.

هذا الاستنتاج الذي رافق سليمان، في النصف الثاني من عهده كبّده، ولا يزال، الكثير، إذ وضعه في مرمى الحزب وحلفائه وأتباعه، بهدف تهميشه بتهشيمه.

ثمة في لبنان من يترقب تكرار السيناريو نفسه، في العلاقة بين رئيس الجمهورية العماد ميشال عون من جهة وبين "حزب الله" من جهة أخرى، وذلك على خلفية الافتراق الحاصل حاليا بين الطرفين في النظرة إلى التوازنات الواجب إقامتها في الحكومة التي يتعثّر تشكيلها كلما وصل "التفاؤل" إلى ذروته.

ويعتقد هؤلاء أن عون أقدر على المواجهة من سليمان، فالرئيس السابق، خلافا للرئيس الحالي، كان يفتقد إلى وسائل إعلام داعمة وإلى كتلة نيابية فاعلة وإلى ماكينة حزبية ناشطة. كما أن الخلاف بينه وبين الحزب لم يخرج إلى العلن إلا في الأشهر الستة التي كانت تفصله عن نهاية ولايته، حيث كانت أولوية الاهتمام لا تنصب على بناء الدولة ومنع انهيارها المالي والاقتصادي، بل على معالجة الفراغ الرئاسي الذي كان يلوح في الأفق بكل تداعياته السلطوية والمؤسساتية والأمنية، في ظل الحرائق المشتعلة في المحيط عموما وعلى الحدود خصوصا.

اقرأ للكاتب أيضا: فساد 'مكافحي الفساد' في لبنان

ولكن هل إن ما حصل مع سليمان يمكن أن يرى النور مع عون؟

المواد الأوّلية لخلاف منهجي كبير متوافرة، فعون يرى أن "حزب الله" يتصدّى لمشروعه في قيادة لبنان؛ وهو، أي "حزب الله" لا يكتفي بالتأثير على السياسة الخارجية التي تُبقي لبنان في دائرة الخطر فحسب، بل يضع يده، أيضا، على السياسة الداخلية التي سبق لعون أن تعهّد بأن تكون "إصلاحية وتغييرية". كما أن لبنان الذي يحتاج الى إنقاذ يستحيل توافره بلا دعم من المجتمع الدولي ـ وعموده في هذه الحال الخليج العربي ـ لا بد من أن يعمد الى إحداث فصل بين الحزب المصنّف إرهابيا من جهة وبين الدولة المستضعفة من جهة أخرى، بدل الغرق في هذا الدمج الانصهاري.

ولكن الأسبقيات تأخذ القراءة في اتجاه آخر، فـ"حزب الله" وعون أثبتا على مدى سنوات التحالف الذي أعلنا عنه في شباط/ فبراير 2006، أنهما قادران على إدارة الخلاف الذي ينشب بينهما، على خلفيات توزيع "مغانم السلطة". فطموح عون، وفق التجربة، يختصر على تعزيز مكاسبه في الداخل اللبناني بعيدا من الطموحات الوطنية، في حين أن "حزب الله" يضع في حسابه مسبقا ضرورة تراجعه خطوة كلّما تقدّم خطوتين في اتجاه بسط هيمنته على لبنان، قرارا ومؤسسات.

وبهذا المعنى، فإن "الاشتباك الكلامي" الحاصل بين ماكينتي عون و"حزب الله" لم يخرج بمضمونه عن تلك التي كانت متوافرة في الاشتباكات السابقة، إذ إن عون يُذكّر الحزب بوقوفه معه في المفاصل المكلفة وطنيا وشعبيا، في حين يستعيد الحزب التنويه بقائمة كاملة عما وفّره لعون من مكاسب في معادلة النفوذ اللبناني؛ أي أن عون وفّر غطاء وطنيا لـ"حزب الله" الذي كان قد أمّن لعون مكاسب في المجلس النيابي والحكومات والإدارات وصولا إلى رئاسة الجمهورية.

وعلى قاعدة الأسبقيات، فإن الخلاف القائم حاليا بين عون من جهة و"حزب الله" من جهة أخرى، لا يختلف، في جوهره، عن طبيعة الخلافات السابقة التي انتهت دائما رضائيا.

وإذا ما جرى الركون إلى ما يتم تداوله في كواليس السياسة اللبنانية، فإن عون يريد من "حزب الله" أن يساعده في تكريس مفهومه للرئيس القوي الذي له كلمة حاسمة في الحكومة والإدارة والقضاء والأمن، و"حزب الله" لن يتردد في الموافقة مع عون، ما إن يضمن أنّ رئيس الجمهورية سيمتنع عن خطوتين:

الأولى، أن يقدم عون على صرف هذه القوة في صفقة مع رئيس الحكومة المكلّف سعد الحريري، في ما يشبه إعادة الاعتبار للقواعد السابقة التي قام عليها الميثاق الذي تكرهه الشيعية السياسية عموما و"حزب الله" خصوصا.

والثانية، أن يضع عون هذه القوة المتوخاة في يد صهره الوزير جبران باسيل، حتى يفرض نفسه، على "حزب الله" مرشحا وحيدا لرئاسة الجمهورية، وفق السيناريو الذي سبق أن أوصل عون إلى بعبدا.

وهذا يفيد بأنّ "حزب الله" قد يتراجع خطوة إلى الوراء بمجرد أن يكرّس الخطوة الثانية "في الأمام"، فهو يمكن أن يُعطي رئيس الجمهورية، بمجرد أن يضمن أن عون لن يكون قادرا على إفادة أي طرف آخر ممّا يحصل عليه؛ فقوة عون، في الحالة هذه، تكون إذا أخذها من حساب الآخرين الذين يريدهم "حزب الله"، إما ضعفاء وإما في موقع العاجز عن الفرض.

اقرأ للكاتب أيضا: 'حزب الله' القوي في لبنان الضعيف

ويستنتج من ذلك أن الأسباب التي دفعت الرئيس السابق ميشال سليمان إلى رفع الصوت في وجه "حزب الله" تختلف جوهريا عن الأسباب التي تدفع قواعد عون إلى رفع صوتها حاليا. فسليمان لم يكن يطلب قوة لنفسه، بل مناعة للدولة من خلال اعتقاده بأن مصلحتها العليا تكمن في "إعلان بعبدا" الذي ينأى بالدولة عن الصراعات المحورية في المنطقة؛ في حين أن عون يطلب، حتى إثبات العكس، القوة لنفسه انطلاقا من اعتقاده بأن مصلحة الدولة العليا تكمن في مصلحته هو، على أساس الشعار الذي استعاره من الملك لويس الرابع عشر، يوم كان هو رئيسا للحكومة العسكرية في بعبدا (1989 ـ 1990): أنا الدولة والدولة أنا.

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.