مصورون مصريون خلال اعتصام بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة
مصورون مصريون خلال اعتصام بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة

رياض عصمت/

الاستغناء عن وزارة الإعلام في بلدان العالم ليست فكرة جديدة، بل ربما يستغرب معظم الناس في العالم الغربي مجرد وجود وزارة تحمل هذا الاسم، لأن الإعلام في دول العالم المتقدم يتمتع بالاستقلالية، ويقوم بمهامه بحرية.

يعتبر الإعلام "السلطة الرابعة" بعد السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، بحيث بإمكانه أن يزلزل الأرض تحت أقدام كبار الساسة، ويسلط الضوء على قضايا الفساد، ويحرض الشعب على محاسبة كبار المسؤولين إزاء أي تجاوز أو هفوة. كثيرا ما نقرأ في بعض بلدان العالم عن فضيحة جنسية أو مالية أودت بأحد السياسيين بسبب تحرش أو رشوة أو اختلاس أو جني فائدة لأحد أفراد أسرته.

الغريب أنه قبل حوالي عقد من الزمان، سألني مسؤول سوري رفيع المستوى بسرية عن رأيي في فكرة إلغاء وزارة الإعلام ودمجها بوزارة الثقافة، خاصة بعد أن سبقت إلى تلك التجربة بنجاح كل من الأردن وقطر والإمارات.

أجبته: "الفكرة جيدة وسليمة من حيث الجوهر، لكنها غير قابلة للتحقيق في سوريا في الوقت الراهن".

استفسر مني لماذا، فقلت: "لأن الإعلام والثقافة لن ينسجما ولن يكملا بعضهما، بل سيصطدما ببعضهما لا محالة".

علق مندهشا إن الفكرة نبعت من رغبة عامة بدمج الوزارات المتقاربة في مهماتها، مثل الزراعة والري، والاقتصاد والتجارة، وسواها.

اقرأ للكاتب أيضا: هل يمكن الصفح في عيد الميلاد؟

أيدت ذلك التوجه، منوها إلى أنني لاحظت حين زرت الدنمارك أن عدد وزارات الحكومة الدنماركية لا يتجاوز 12 وزارة، بينما يرتفع العدد في سوريا إلى 30، ويزيد في بعض البلدان العربية الأخرى أكثر من ذلك؛ ففي السودان مثلا يعين وزيران لكل وزارة، واحد مهمته سياسية، والآخر مهمته تنفيذية.

أردف المسؤول متسائلا: "إذن، برأيك ما الذي يمكن أن يُضم إلى الثقافة؟" أجبت: "ربما كان الممكن والأجدر العمل على ضم السياحة إلى الثقافة، لأن السياح يأتون عادة لزيارة الآثار، والآثار جزء من التراث الثقافي الملحق عادة بوزارة الثقافة". وأضفت: "إنه من الضروري بذل أقصى المستطاع لدعم دور الثقافة في حماية الآثار وتطوير المتاحف".

في الواقع، هناك أمثلة عدة عن تكليف الوزير نفسه بإدارة شؤون الثقافة والسياحة معا، كما في تركيا وبلدان أخرى مشابهة، مكررا تأكيدي على أولوية الثقافة على السياحة في أبرز ثلاث دول اشتهرت باستقطاب ملايين السياح لمواقعها الأثرية، وهي إيطاليا واليونان ومصر. أما الإعلام، فأصررت على أن له شأن آخر، وأن إلغاءه مسألة لا علاقة لها بفكرة الضم غير الموفقة إلى الثقافة.

أتذكر ندوة حوارية تلفزيونية جمعتني قبل 15 سنة في الكويت مع زميل إعلامي من لبنان مقيم في باريس. طرح زميلي وقتها فكرة إلغاء وزارتي الإعلام والثقافة معا في البلدان العربية. مازحته قائلا على الهواء: "هل تريد أن تقطع رزقنا؟" ثم حاولت بجدية إقناعه بالبون الشاسع بين مهمتي وزارة الإعلام ووزارة الثقافة، متفقا معه على ضرورة تفعيل استقلالية المؤسسات الإعلامية من صحف ومجلات ومحطات فضائية تلفزيونية وإذاعية ومواقع إنترنت.

جادلني الزميل مصرا على رفض "وصاية" وزارة الثقافة على إبداع الأدباء والفنانين. أوضحت له أنه حتى الدول الأوربية المقدمة، كفرنسا وإيطاليا مثلا، لم تلغ وزارة الثقافة، بل ألغت وزارة الإعلام، ثم أضفت أنه ليس من مهمات وزارة الثقافة أصلا الوصاية، بل الرعاية، لأننا ما زلنا نعيش في مجتمعات نامية، يخشى فيها ـ إذا غابت الرعاية ـ أن تتحول الفنون والآداب إلى سلع تجارية في السوق، يروج بينها الرخيص، ويكسد الغالي.

أعود إلى حواري مع المسؤول السوري، فقد حاولت ضمن حدود اللباقة والدبلوماسية أن أوضح له أن صحة الفكرة شيء، وإمكانية تطبيقها على أرض الواقع شيء آخر. لذا، فمثل هذه الخطوة الإصلاحية السليمة في هدفها وغايتها غير قابلة للتنفيذ العملي إلا بتغيير أشمل بكثير للبنية السياسية. ألمحت إلى أنه لا يمكن في ظل هيمنة حزب واحد على ائتلاف أحزاب، وفي ظل خطاب يغلب عليه طابع التوجيه المعنوي والنظرة الأحادية إلغاء وزارة الإعلام، بل إن تلك الوزارة ستظل واحدة من الوزارات السيادية المعدودة على أصابع اليد الواحدة ما لم تتغير الرؤيا الأساسية بأسرها.

تكمن مشكلة وجود وزارة الإعلام في تدخلها السافر في عمل المؤسسات الإعلامية لتكون أداة كبح وتعطيل لتناولها الناقد للشؤون العامة. سأسوق ثلاثة أمثلة مختلفة. قبل زمن بعيد، عثر معد ومقدم برنامج يهتم بالشأن العام على ذبابة في زجاجة مشروبات غازية، وصور تقريرا إعلاميا لعرض هذا الإهمال في النظافة على شاشة التلفزيون. يومها، قامت القيامة ولم تقعد للتستر على الأمر وحجب بث التقرير، وتدخلت في ذلك أكثر من جهة سواء بعرض الرشوة أو بالتهديد والضغط.

المثال الآخر جرى بعد سنوات عديدة، إذ عاتبني وزير الصحة في عهد مضى على السماح ببث إحدى محطات التلفزيون الحكومية تقريرا عن "الحجامة". أوضحت له أن التقرير يعرض وجهات نظر مختلفة حول هذه الوسيلة العلاجية التي بدأت تلقى رواجا شعبيا عند عامة الناس، وأن مهمة الإعلام أن يتحرى موضوعيا الإيجابيات والسلبيات. رفض الوزير هذا الموقف كليا، ودعا إلى عدم بث مثل هذه البرامج، فأكدت أن حرية الإعلام تقتضي تسليط الضوء على كل قضية تثار في المجتمع، وتحليلها بموضوعية لتمييز خيرها من شرها.

المثال الثالث، انتشر في عام 2003 الخوف من "انفلونزا الطيور" في العالم بأسره، فبث التلفزيون السوري تحقيقا صحافيا عن إجراءات الوقاية المتبعة مطار دمشق، مستضيفا معاون وزير الصحة. سرعان ما جاء هاتف من مسؤول عالي المستوى بأن تناول هذا الأمر يثير هلع المواطنين ويضعف الإقبال على السياحة، وحظر أي ذكر لأنفلونزا الطيور على شاشة التلفزيون، ويبدو أن ذلك جاء نتيجة شكوى من وزير الصحة آنذاك. بعد أسبوع واحد، قدم إلى سورية طبيب له حظوة معينة لإلقاء محاضرة عامة عن أنفلونزا الطيور، والطريف أن المسؤول نفسه اتصل طالبا رفع الحظر وتغطية المحاضرة بشكل لائق، ولم يعترض وزير الصحة طبعا.

من الطبيعي أن يحرج وزير الإعلام فيضطر لمحاباة زملائه المسؤولين الآخرين عن قطاعات مختلفة. بالتالي، إن نشرت صحيفة رسمية تحقيقا عن تقصير في استيراد سلعة، عاتبه وزير الاقتصاد والتجارة، وإذا انتقدت إذاعة الوضع في محافظة نائية، عاتبه وزير الإدارة المحلية. أما رئاسة مجلس الوزراء، فمن ذا الذي يجرؤ على المساس بأي من قراراتها المقدسة، أو مجرد طرحها للنقاش، مثلها في ذلك مجلس الشعب، وكأن الحصانة تشمل كل شيء فيه.

منذ زمن طويل، فإن الرقابة على المطبوعات في سورية، سواء كانت كتبا مستوردة أو صحفا ومجلات، تجري من قبل وزارة الإعلام، وليس وزارة الثقافة. وزارة الإعلام هي التي تسمح أو تمنع، وبشكل يتناقض أحيانا مع رأي وزارة الثقافة. أما الكتب المطروحة للطبع محليا، فالغريب أن رقابتها أوكلت من خلال وزارة الإعلام إلى "اتحاد الكتاب العرب". رغم غرابة الأمر، فإن هذا الوضع أفضل نسبيا من إسناد دور الرقابة على الإبداع إلى مخافر الشرطة، كما هو الحال في بلدان نامية أخرى.

من الطبيعي في مرحلة مستقبلية قادمة التفكير جديا بإلغاء وزارة الإعلام من الدول التي بقي لها وجود فيها. المطلوب هو أن يجري الانتقال تدريجيا إلى مرحلة القبول بالرأي الآخر، مهما كانت جرأته ودرجة اختلافه، طالما هو نابع من حس وطني، ومن حرية مسؤولة.

اقرأ للكاتب أيضا: كومونة باريس.. مصائب العالم تأتي تباعا

في الوقت نفسه، أضحى تحرر المؤسسات الإعلامية من سلطة إدارية عليا مكبلة لها، وممارسة دورها كسلطة رابعة، مسألة تتطلب بالفعل منح استقلالية تامة لمحطات الإذاعة والتلفزة والصحف والمجلات، بل السماح بإطلاق المشاريع الإعلامية الخاصة بعيدا عن تمويل وهيمنة الدولة.

ترى، هل من الممكن مع هبوب رياح ما يسمى "الربيع العربي" استمرار التفكير بإلغاء وزارات الإعلام؟ رغم الصعوبات والعراقيل التي ازدادت ولم تنقص، أعتقد أن الإقدام على خطوات إصلاحية ملموسة على المستوى السياسي تتجلى في إعطاء هامش أوسع لحرية التعبير، والسماح بالنقد البناء والثورة داخل الثورة، هي مواقف تمهد لإلغاء وزارة الإعلام من التركيبة الحكومية، بحيث تترك مؤسساتها حرة طليقة من سلطة الحكومة، لتقوم بممارسة دورها الطبيعي كما في دول العالم المتقدم.

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

صورة من كتاب "Tom Waits by Matt Mahurin" Copyright: Matt Mahurin

"ما هذا الهراء!؟"

السؤال الاعتراضي الذي باغتني به أحد أساتذتي في جامعة الفنون في برلين، أثناء تواجده الأسبوعي في استديو العمل الخاص بي والمشترك مع أربع طلاب آخرين. للوهلة الأولى اعتقدت أنّه يتحدّث عن لوحتي المعلقة على الحائط.

في تلك اللحظة، كان الوصف ليكون أكثر تقبّلاً من قبلي على أن يكون تجاه الموسيقى التي تدور في فضاء الاستديو. مشيراً بإصرار مع ابتسامة فوقيّة تجاه هذا النوع من الموسيقى على أنّها تمثّل الهبوط والقاع في أحسن أحوالها. دون أن يستفيض لماذا، وعلى ماذا استند يقينه بأن ما يُسمع في تلك اللحظات من موسيقى تصدح من مكبّر الصوت هو "هراء"!

لماذا يتفق الجميع على أشياء تبدو عاديّة دون أي ذبذبات مثيرة للاهتمام من قبلها، لكن الإجماع على علوّ قيمتها بصريّاً أو سمعيّاً يحوّلها أتوماتيكيّاً إلى موضوع جيّد متفق عليه؟ غريب! وأي اعتراض عليها يحمّل صاحبها بصفة "الذائقة السيئة"، أو توجيه تهمة "الرغبة في التميّز عن السائد لمجرّد الاختلاف" التمييز بمعناه المفرغ من محتواه.

مثلاً قول أشياء من قبيل: "لا أحب موسيقى بيتهوفن" أو "صوت فيروز يدفعني للوقوف على جرف جبل ورمي نفسي عند لحظة تأوهها بكلمات الحب والوله للحبيب المجهول!" التفوّه بهذه الأشياء يشبه المساس بالمقدّسات، يحتاج إلى القليل من المخاطرة في الإفصاح عنه. لا أعني المخاطرة بما تحمل الكلمة من مفاهيم أسطوريّة، أعني الدخول في سجالات لا جدوى منها.

"أوكي، نزيف في الأذنين في أسوأ الأحوال!" أجبته ورفعت صوت الموسيقى أكثر وأكملت الرسم الأوّلي لـ باطن قدمي الأيمن بقلم الفحم العريض، بخطوط سريعة عشوائيّة يُكمِل سرعتها صوت "توم وايتس" مردّداً عبارات متتالية مع انقطاع ملحوظ في الشهيق والزفير "الله غائب، الله غائب، الله غائب في عمل" (God's Away On Business)

 الكتاب المصوّر "وايتس/كوربيجن 77-11"

كانت الصورة الأولى الملتقطة من قبل المصوّر والمخرج السينمائي الهولندي أنطون كوربيجين لتوم وايتس، والتي تعود لعام 1977 في هولندا نقطة البداية التي ساهمت فيما بعد بتعاون فنّي دام سنوات طويلة.

التعاون الذي بدأ بالتقاط صورة باللون الأحادي، الطابع الذي تم اعتماده فيما بعد ليكوّن أغلبية المشاهد المتدرّجة بتكثيف لوني بين مختلف درجات السواد والرمادي والبياض الخارج عن نقائه المعتاد. التدرّج الذي كان له دور في خدمة سياق المشاهد وعبثية تشكيلها. جُمعت المشاهد في أرشيف موثّق ليتم إطلاق مجموعة مصوّرة بكتاب واحد تحت عنوان:  "وايتس/كوربيجن77-11" الكتاب الصوري المصنوع غلافه من الكتّان.

يضم الكتاب أكثر من 275 صفحة لمشاهد تمّ التقاطها على مدار ما يقارب 35 سنة. توثيق لحياة وايتس بين عمر الـ 27 لـ 61 تقريباً. المفارقة أن تسلسل المشاهد يختلف زمانياً ويبدو الأمر جليّاً في ملامحه، التجاعيد، بعض الانحناءات والاكتناز في بعض مناطق جسده، ثقل الحركات البلهوانيّة التي أصبحت أكثر انضباطاً من مشهد لمشهد، لكن اللعب واللهو والسحر في حركاته لم يخفت نهائيّاً، إن قلّ ارتفاعه وجنونه في المشاهد المصوّرة في عمرٍ أصغر. يتسلّق أغصان الأشجار، يعتدي على البرك المائيّة الراكدة بقدمين حافيتين، وعلى وجهه تعابير تسخيف طفوليّة لكل ما هو موجود، وكأنما جسده يؤدي دور المقاوم أمام التقدّم في العمر. مقاومة جسديّة ساخرة أمام تدفّق الزمن المتسارع الجدي. التحرّر من سلطة الوقت والنضج بروح الدعابة المحارب أحياناً في عدد من المنصات الثقافيّة والفنيّة على أنها تقليل من قيمة ومعنى كل من يتورّط في هذه المجالات.

تتنوّع المشاهد بين عناصر مختلفة من نسور وأشجار عارية مائلة متدليّة نحو ظلّها، تكاد تبدو ميّتة.

غربان وشوارع فارغة وحصان ثابت كأنه دمية أو زينة موضوعة كتجهيز فنّي إلى جانب سيارة مركونة، تستدعي للتساؤل عما إذا كانت مصادفة أم عن قصد وجود عنصرين يشكلان مفارقة زمانيّة وتاريخيّة.

بقع متفشية مجهولة التكوين. ظلال بشريّة والكثير من العناصر المجتزأة من سياقها. ولكن المشترك بين هذه الأشياء؛ ثباتها ضمن فضاء يحتضن عنصرا أساسيا مفعما بالحركة، جسد توم وايتس المتسم بالخفّة، المتحرّر من كادر الصورة. وجهه وحركاته البهلوانيّة الهائمة في الهواء. إن لم يكن جسده فظلّه. إن لم يكن ظلّه، تتفاجأ بأن الصورة ملتقطة عن طريقه متعدّياً على صديقه المصوّر لكي يضعه خارجاً، مبعداً إياه عن أي صلة بالنتيجة البصريّة المحتملة أو النهائيّة.

تتضّمن بعض الصور اقتباسات من بعض أغاني وايتس، سطور نثريّة أو عناوين طويلة تبدو كأنها نصوص قصيرة جدّاً لوصف الصورة أو لإكمال كادرها لغويّاً. غالبية الصورة غير مجهزة، لكن حتى المشاهد المجهزة تبدو ساحرة غير مفتعلة أو بالغة في التركيب كالمشهد المصوّر في أحد شواطئ أوروبا معلّقاً كرسيّا خشبيّا حول رقبته، وممسكاً بآلة موسيقية نفخيّة أقرب إلى رأسه موازية لكتفه في يد، وآلة الكمان في اليد الأخرى الأقرب إلى القسم الأسفل من جسده باتجاه الأرض.

أكثر من 50 صفحة موزعة تضم صور التقطها وايتس بنفسه، تكمن الدهشة في هذه الصور بأنها ليست احترافيّة، مشاهد أكثر استرخاء، خارجة عن نطاق قواعد الصورة، أنصاف كوارد، مائلة قليلاً. تماماً كما يبدو وايتس في مقابلاته ومقاطع الفيديو المرافقة لموسيقاه المغناة.

جسد منتشٍ، مترنّح من تأثير الكحول. مسترخٍ على كرسي في مقابلة تلفزيونيّة، غير مهتم لقواعد المقابلات المعتادة بأن يكون ثابتا، لمّاحا، حاضر للإجابة. لا على الإطلاق، لا يهتم بالفضاء المحيط به وأنه محط أنظار، يبحث عن عود ثقاب ليشعل سيجارته بينما المقدّم والجمهور الحاضر ينتظر إجابته.

يأتي الكتاب مكمّلاً وليس منفصلاً عن موسيقى وايتس، تلك الموسيقى التي تستدعي وجود وقت يجري بانسيابيّة وتدفّق، دون معرفة زمانه المحدّد. موسيقى مختلطة يقطعها صوت صارم كمنشار منمّق، صعوداً وهبوطاً كأنه منبّه للابتعاد عن نمطيات الموسيقى المعتادة مع صوت المؤدّي الذي يكون عادةّ مدروسا ومضبوطا مع قواعد الموسيقى.

مشاهد كوربيجن تتسم بأسلوب اللعب واللهو. تنمو تباعاً وفقاً لجاهزيّة جسد وايتس في تطويع العناصر المحيطة به. هنا يظهر أسلوب كوربيجن في قدرته  والمهمة الشاقة قليلاً في الرغبة على إظهار أسلوبه الخاص بالتوازي مع موضوع متحرّك غير قابل للسيطرة كوايتس، سواء سيطرة جسديّة أو على أفكاره التي من الواضح أنه يبتكر معظمها دون استشارة أو الرجوع لمن خلف عدسة الكاميرا.

يبني كوربيجن نظريته الخاصة في اختيار وايتس ليكون محورا لمشاهده على مدار ثلاثة عقود من عمريهما معاً، مبتعداً عن الجانب الشخصي الوثيق بينهما ليكون سببا هامشيا وليس أساسيا رغم التطوّر المرافق للسنوات التي تمت أرشفتها فيما بعد لتجمع بكتاب مصّور. آخذاً عدّة تشعبات وأبعاد متفاوتة الأشكال. العلاقة الثنائيّة الفنيّة المرتبطة بأداة ثالثة خارجيّة جامدة بينهما وهي آلة التصوير. إنّ تموضع وايتس أمام العدسة والتصرّف بتحرّر وكأنه لوحده وبذات الوقت قدرته على تطويع نفسه بما تحمل من مزاجيات مختلفة لـ للمصوّر وأداته أحد الأسباب، ولعله الجوهري، في استمرارية ديمومة عملهما معاً لسنوات متتالية.

"من الصعب التقاط أو توثيق حياة شخص من خلال الصور لمدة تتجاوز الثلاثين سنة، هو فعل موجود في الأوساط الفنيّة أو الثقافيّة، لكن ليس شائعاً. عملنا معاً تطوّر كما تتطور الأشياء بمسارها الطبيعي، أي المسار غير المثالي، وهذا الأمر الجميل بذاته، الشوائب والأخطاء وسوء التفاهم. كلٌ منّا كان جديّاً تجاه عمله، لكن عندما يأتي الأمر للعمل سويّا، يختلف الأمر قليلاً ونصبح كالأطفال، متحرّرين من القوانين التي تسود عالم الناضجين" (كوربيجن معلّقاً عن الكتاب.)

 

Photo from the illustrated book "Tom Waits by Matt Mahurin". Copyright: Matt Mahurin

 

يتركنا الكتاب بما يحتوي من مشاهد للتساؤل عن طبيعة الفعل الأدائي لوايتس بوجهة نظر بصريّة مختلفة. مصورون/ات، أو فنانون/ات آخرون. لتأتي صور ورسومات غرائبيّة متداخلة بعوالم مختلفة شكّلها خيال مات ماهورين. أنصاف بشريّة بأطراف آلية، شخصيّات تحرّرت من سلطة الشكل الاعتيادي للأجسام البشريّة التي من السهل توقع حركاتها ومعرفة فعلها وردة فعلها على السواء. مات ماهورين مصوّر، رسام ومخرج أفلام، وأغاني مصوّرة لفرق موسيقيّة كفرقة "ميتاليكا".

يبدو وايتس بأسلوب ماهورين مختلفاً تماماً عن أسلوب كوربيجن. وايتس بصوره جزء من كُل، هذا الكل يأتي في سياقات مختلفة لكن مكمّلة لبعضها في المشهد الواحد، بخاصيّة زمنيّة كأنها قصة تجري أحداثها أو مسرحيّة بشخوص تمارس أفعالها اليوميّة. سواء أكان رسماً أم تصويراً. حيث كل تفصيل له دلالة ورمزية ومبرّر دراميّ يفسّر تموضعه في اللوحة أو الصورة. بعكس الأجواء الموجودة في صور كوربيجن، التي تبدو كأنّها التقطت خصيصاً لإظهار وايتس وتوثيق حركات جسده ووجه كعنصر أساسي يَصعُب التخلّي عنه، أما بقيّة الكادر مهمّش، أقرب إلى الديكور من السهل اجتزاؤه، تبديله أو التخلّص منه على حساب وايتس.