مغربيون يتظاهرون دعما لحرية الصحافة
مغربيون يتظاهرون دعما لحرية الصحافة

عريب الرنتاوي/

اهتدت أنظمة الفساد والاستبداد في عدد من الدول العربية إلى الوسيلة الأقل كلفة لـ"تحييد المثقفين" وإخراجهم من حلبة الصراع الاجتماعي، أو بالأحرى، إعادة إدخالهم إليه من بوابات قصورها وبلاطاتها...

الأساليب الخشنة في التعامل مع المثقفين، بدت في مرحلة من المراحل شديدة الكلفة على صورة هذه الأنظمة ومكانتها في المجتمع الدولي، لا سيما بعد تصاعد أدوار المجتمع المدني العالمي، واندلاع موجة ديمقراطية جديدة إثر سقوط الاتحاد السوفياتي والمعسكر الاشتراكي.

"الاحتواء الناعم"، كان وسيلة هذه الأنظمة ومنهجها الرئيس في التعامل مع هذه الشريحة من مجتمعاتها. وهي وسيلة مهما بلغت كلفها المالية، تبقى أقل بكثير من كلف "الاحتواء الخشن" وتداعياته، وسيترتب عنها ترك حركات الشارع الاحتجاجية، جسدا من دون رأس، وحراكا من دون قيادة، و"فوضى مطالب" من دون تأطير أو تنظير، وأهدافا قصيرة الأمد من دون رؤية على المديين المتوسط والبعيد.

تقريب المثقفين من دوائر صنع القرار، وإغراقهم بالأعطيات والعطايا، وإسباغ الكثير من الألقاب البرّاقة عليهم، وتكليفهم بمناصب ومهام ثانوية في مضمونها، و"مفخمة" في شكلها، كانت من بين وسائل وأدوات سياسة "الاحتواء الناعم" للمثقفين، التي ازدهرت وراجت منذ تسعينيات القرن الفائت على وجه التحديد. أنشئت من أجل هذه السياسة عشرات المؤسسات والمراكز الإعلامية والصحافية والبحثية.

اقرأ للكاتب أيضا: القرار الأغرب في التوقيت الأسوأ

ومع استتباب خضوع المنطقة العربية، لما بات يعرف بـ"الحقبة الخليجية"، تجاوزت سياسة "الاحتواء الناعم" الحدود الوطنية/ القطرية للدولة العربية الحديثة، إلى النطاق الإقليمي الأعم والأوسع، وساعد دخول كل من العراق وليبيا في حقب ممتدة من الحصار وأنظمة العقوبات، على استفراد ثلاث دول خليجية على نحو خاص (السعودية، والإمارات وقطر)، بسوق الصحافة والإعلام والكتاب والنشر والأبحاث والدراما في العالم العربي، وأصبحت هذه العواصم قادرة على التحكم بحراك المثقفين وتقرير طبيعة نتاجاتهم، وتوظيف قدراتهم على نحو غير مسبوق، لم يألفه العالم العربي في تاريخه الحديث والقديم.

وأظهرت الدول الثلاث، وعيا مبكرا لأهمية احتواء هذه النخبة من المثقفين العرب، في البدء لتفادي انتقاداتها لأنظمة الحكم فيها (شراء صمتها)، ومن ثم لتسخيرها في معاركها وحروبها مع خصومها على الساحتين العربية والإقليمية، مرورا بمحاولة استمطار "قصائد الثناء والمديح" بمنجزات هذه الأنظمة على الصعيدين الداخلي والخارجي (شراء صوتها).

لقد أتاحت حالة الفوضى التي عمت مناطق عربية واسعة في سياق ما بات يعرف بالربيع العربي، فرصة نادرة لهذه الدول لمد نفوذها إلى النخب الحزبية والسياسية في عدد من البلدان العربية. فوجدنا تيارات سياسية بأكملها، ومن مختلف المدارس، تدين بالولاء لمصادر التمويل، وقد تجلت أبرز إنجازات هذه الدول في أوساط المثقفين السوريين والعراقيين واللبنانيين والليبيين على نحو خاص.

وامتد تأثير هذه الدول إلى حركات الإسلام السياسي التي لعبت دورا متعاظما في حراكات الشوارع العربية، فرأينا "علماء مسلمين" يتحدون تحت راية هذه الدولة ويتمتعون بملاءتها المالية، ورأينا في المقابل، "علماء ومفكرون مسلمون"، يتلحفون و"بلا حدود"، برايات دول منافسة أخرى، تتوفر بدورها على ملاءات مالية لا تقل وزنا أو أهمية.

وإذ رغبت هذه الدول في توسيع دوائر نفوذها، وتحشيد جيوش من "المثقفين العرب" من حولها، فقد تنبهت وإن متأخرة بعض الشيء، إلى حقيقة أن معظم المثقفين والمبدعين العرب، إنما يتحدرون من مدارس فكرية يسارية وقومية وليبرالية، علمانية بامتياز، فالإسلام السياسي العربي، أنتج أجيالا من الوعاظ والشيوخ، ولم يفلح في إنتاج مثقفين وفنانين وإعلاميين وصحفيين وازنين.

فأنشأت لغرض استقطاب هذه الشريحة التي طالما بادلتها عداء بعداء، معاهد ومراكز ومؤسسات إعلامية ومواسم ثقافية ومهرجانات فنية وجوائز إعلامية ومسابقات في شتى المجالات، وكل ذلك، بهدف توسيع دائرة "المؤلّفة جيوبهم" في العواصم العربية المختلفة، وبناء نواة صلبة من هذه "القوة الناعمة" التي ثبت بالملموس أنها قادرة على القيام بأدوار مهمة في لعبة صراع المحاور والثورات المضادة التي شهدتها المنطقة في السنوات التسع الماضية.

لقد ترتب على تفشي ظاهرة "الاحتواء الناعم" إقليميا، إفقار الحركات الشعبية العربية، المطلبية والاحتجاجية، من عقلها المفكر ورأسها المدبر، واستحدثت القطيعة بين المثقفين والجماهير العريضة، وسقطت مقولة أنطونيو غرامشي عن "المثقف العضوي" على مذبح "البترودولار"، وتولى مثقفون عرب من دول غير نفطية، مهمة الرقص على حبال الود بين عواصم بلدانهم المتحالفة مع بعض عواصم الخليج، فصار الانحياز لهذه الدولة الخليجية أو تلك، هو شكل من أشكال الولاء للنظام القائم في بلدانهم، ونشأت في معظم العواصم العربية "لوبيات ضغط" من هؤلاء المثقفين والإعلاميين والفنانين، تتولى بدورها الترويج والمنافحة عن سياسات وممارسات "دولة المنبع ودولة المصب".

وترتب على تفشي هذه الظاهرة كذلك، إلحاق أفدح الضرر بصورة التيار العلماني، وإصابة التيار اليساري على نحو خاص، بإعاقة شبه مزمنة، إذ بات يُنظر إلى رموز هذا التيار وفرسانه، بوصفهم "شعراء القبائل" العربية المتناحرة، الذين انتقلوا من خنادق الشعب والمعارضة إلى بلاط السلاطين والأمراء. وهذا يفسر، من ضمن عوامل أخرى، فشل هذا التيار المتراكم طوال العقود الثلاثة الأخيرة.

وجاءت الأزمة الخليجية لتكشف عن عمق "الاختراقات" التي سجلتها سياسة "الاحتواء الناعم" في أوساط النخب الثقافية والفكرية والإعلامية في العديد من دول المنطقة. فمع تفاقم حدة الاستقطاب بين الدول المتصارعة، فضحت الفضائيات ومراكز البحث والمؤتمرات والجوائز، حجم الاستتباع الذي نجحت هذه الدول في تسجيله.

فمن "مهرج" على هذه الفضائية بلقب كاتب ورتبة وزير، إلى "مفكر" يكتفي بإطلالات متباعدة يرسم فيها "بوقار مفرط"، الخيط الفاصل بين الخطأ والصواب، إلى شيخ وداعية، لا يتورع عن زيادة عدد "الخلفاء الراشدين الأربعة"، ليصبحوا خمسة أو ستة أو سبعة إن اقتضت الضرورة... مرورا بمنافح عن حقوق الإنسان في بلاده، ومروّج للنهضة والتنوير والإصلاح في ممالك لم تتلمس بعد خطواتها الأولى على هذا المسار.

لقد ضاقت المساحات والفضاءات المتبقية للعقل العربي، النقدي والمستقل، فلكل فضائية أو مركز أو صحيفة "زبائنها"، ولكل عاصمة محظيوها الذين تعرف كيف تصنع منهم "نجوما"، وكيف تفبرك لهم الصفات والألقاب.

اقرأ للكاتب أيضا: خيارات الرياض في التعامل مع واشنطن

ومع تزايد الطلب على هؤلاء، وفي مناخات "تسليع" المثقف و"تصنيعه"، رأينا كيف تكاثر هؤلاء كالنبت الشيطاني، وكيف صاروا قدرا مفروضا على القارئ والمشاهد والمستمع العربي.

هي صورة قاتمة بعض الشيء، أو إلى حد كبير، بيد أن الخبر الجيد وسط هذا الزحام من الأخبار السيئة، أن الحقبة الخليجية ذاتها، في طريقها للتآكل كلما تناقصت عوائدها النفطية، وأن تأثير دولها ونفوذها الدوليين إلى تراجع وانحدار، لاسيما بعد "صدمة" اغتيال جمال خاشقجي ويقظة المجتمع الدولي المتأخرة على فصول المأساة اليمنية المنسية، واضمحلال الأدوار الإقليمية لهذه الدول في عدد من أزمات المنطقة المفتوحة (سوريا والعراق)، ومع سقوط الرهان على طي صفحة الربيع العربي، إثر انطلاق موجات جديدة من الاحتجاجات الشعبية الواسعة في كل من السودان وتونس والمغرب والأردن والعراق ولبنان، والتي تشي جميعها بأن قطار الربيع العربي توقف ولم يتعطل، وإنه بصدد استئناف رحلاته من محطة عربية إلى محطة أخرى.

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.