أردنوين يتظاهرون رفضا لاستيراد الغاز من إسرائيل
أردنوين يتظاهرون رفضا لاستيراد الغاز من إسرائيل

مالك العثامنة/

لعبة حرق الأعلام، ثم تطويرها كرسومات على الأرضيات للدوس عليها، لعبة عبثية لا قيمة فيها إلا تعبئة الإعلام العربي بتقارير وأخبار وصور مدججة بالتعليقات العاطفية والإنشائية، وصالحة للتداول في بورصة فيسبوك وتويتر لتفريغ طاقات هائلة من شحنات الغضب التي لو تحولت إلى طاقة كهربائية لأضاءت العالم العربي كله، الذي يعاني جزء لا بأس من سكانه ساعات ظلمة طويلة.

قام نظام صدام حسين برسم صورة الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش على أرضية فندق الرشيد في بغداد ليدوس على صورته كل عابر فوق عتبة باب الفندق.

مخرجات تلك العملية "البطولية" الباهرة، كانت أن شيئا لم يتغير فعليا؛ بقي النظام العراقي كما هو لسنوات يتحدث عن الكرامة العربية والعراقية والماجدات والعلوج وكل مفردات خطابه الإنشائي الخشبي، بينما الجوع والفقر والحاجة تحكم قبضتها على الجميع، وأميركا بإدارة بوش وكل من جاء بعده انتبهت لمصالحها وبالنسبة للسيد بوب (وهو هنا 327 مليون أميركي) فإن حاجاته الأساسية لم تمس، وبقي مواطنا أميركيا له احترامه وكرامته أمام دولته التي توفر له أساسيات العيش.

اقرأ للكاتب أيضا: معجزة ليلة الميلاد البلجيكية

لم يكترث الأميركيون لأرضية باب فندق الرشيد، لكنهم أسقطوا رئيسهم جورج بوش (الأب) نفسه في انتخابات لاحقة، لأنه أخلّ بشعاره الانتخابي المتعلق بضرائبهم، فأسقطوه باحترام وانتخبوا غيره.

في المقابل...

سقط النظام العراقي ببؤس شديد، واحتلت أميركا العراق بمساعدة عراقيين في الداخل والخارج، واختفت الأرضية التي تحمل صورة بوش وما زال الخطاب الإنشائي يحكم العراق لتسهيل إدارة الفساد فيه، وبوب (الـ 327 مليون أميركي) لا يزال يعيش بكرامته ولا يكترث لكل تلك الخطابات الإنشائية العربية المهترئة.

وحين مات الرئيس جورج بوش الأب، قدم له الأميركيون وكثير من رموز العالم كل باقات الاحترام في جنازة مهيبة ونسي الجميع تلك الأرضية البائسة على باب فندق الرشيد.

كانت الأرضية التي يدوس عليها زوار فندق الرشيد أولوية لدى الجميع واحتفالية نصر واهم، نسي فيها المحتفلون جميعا أن يستعيدوا بأنفسهم دولتهم التي خطفها الاستبداد.

وتستمر الحكاية... بذات العبث.

♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦

في الأردن، ينشغل الجميع بحرب دون كيشوتية جديدة، تمثلت فيها طواحين الهواء بأرضية عليها علم إسرائيل مفروشة بحجم كبير يمنع أي عابر لباب مجمع النقابات من القفز فوقها أو تخطيها بدون الدوس عليها، فيصبح أي زائر لمجمع النقابات المهنية في العاصمة الأردنية بطلا بالضرورة وبحكم قوانين الجاذبية والفيزياء التي تمنعه من الطيران لو أراد أن يتخطى الأرضية.

في الصيف الماضي، مررت بجانب مجمع النقابات المهنية، ودخلته بدافع الفضول لأجد أصدقاء في قاعة من قاعاته يهيئون لاحتفالية طباعة كتاب ضد إسرائيل. وحين دخلت، عبرت فوق الأرضية وتأملت هذا العلم بخطيه الأزرقين، وابتسمت من سذاجة الفكرة!

خطر لي وقتها: مجمع النقابات المهنية الإسرائيلي في الطرف الآخر من النهر الفاصل بين الدولتين، بالتأكيد منشغل بمصالح النقابات ومنتسبيها أكثر من انشغاله برسم علم أردني على أرضية بابه!

لكن ماذا لو ارتكب الإسرائيليون حماقة مثل تلك؟ ماذا لو ترك النقابيون المهنيون دورهم الوظيفي بحماية مصالح منتسبيهم المهنية والنقابية وانشغلوا بالسياسة ورسموا علما أردنيا، بل مجموعة أعلام عربية على أرضية أبواب نقاباتهم واتحاداتهم المهنية للدوس عليها؟

تخيلت ذلك، وانتهيت إلى أنه لو انشغلت إسرائيل بهذه الحرب العبثية لانتهت هي الأخرى دولة فاشلة، تبحث عن انتصارات واهمة في الإنشاء وعلوم التعبير البلاغية والتشكيلية.

لكن إسرائيل (الدولة) منشغلة بتأمين مصالح مواطنيها، والنقابيون لن يضيعوا وقت عمالهم ومنتسبيهم لأن الغاز متوفر، والماء متوفر والكهرباء متوفرة، وكل حاجات المواطن الإسرائيلي متوفرة لا ينقصها عبث مضيعة الوقت في حروب الدونكشوتيين العرب.

♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦

الأجدى عمليا بالأردنيين، أن يعيدوا ترتيب الأدوار كما يجب أن تكون بدلا من مضيعة الوقت فيما لا قيمة له.

مجمع النقابات المهنية عليه أن يعود إلى دوره الوظيفي بتنظيم المهن لأصحاب المهن، هذا عمل يبني دولة ويرفد الاقتصاد لتلك الدولة. المهنيون والتقنيون، عبر نقاباتهم، هم الأولى بالبحث عن حلول للطاقة البديلة مثلا في الأردن العاجز عن توفير موارد طاقة، بدلا من الاحتجاجات العبثية على اتفاقيات استيراد الغاز من إسرائيل.

لا تريد الغاز من إسرائيل؟ هذا حقك.. تفضل واستثمر بمواردك الطبيعية ومارس عملك النقابي والمهني على الوجه الأمثل.

اقرأ للكاتب أيضا: الأردن: قراءة في المشهد السريالي

أما الدور السياسي فعلى الأردنيين استعادته عبر الأحزاب السياسية، التي يجب أن تتفعل وهي التي تقدم الخطاب السياسي وتعبر عن موقف سياسي يتجاوز عبثية الرسومات إلى مقترحات وبرامج سياسات ينتخب الأردنيون على أساسها طبقتهم الحاكمة.

سنشهد حربا دونكشوتية جديدة في الأيام المقبلة، وربما مطالبات بإسقاط الحكومة أو توزيع نياشين بطولة لأن أحدهم داس على بلاطات ملونة..

هذا كله لزوم ما لا يلزم في دولة تعاني من أزمة عجز اقتصادي، وإدارة عامة بائسة للموارد فيها، ومواطنوها غاضبون حد القهر.. بسبب الفقر.

ببساطة..

إبر المورفين لا تنقذ المريض المستلقي على سرير العمليات، بل تطيل غيبوبته (وتزيد من إدمانه على التخدير)، الجراحة الناجحة والعاجلة هي التي يمكن أن تنقذه فقط.

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.