معرض الكتاب في الرياض (أرشيف)
معرض الكتاب في الرياض (أرشيف)

محمد المحمود/

قبل أكثر من ثمانين عاما، في أواخر ثلاثينيات القرن العشرين، هتف رائد التنوير الأكبر في تاريخنا العربي الحديث/ طه حسيين قائلا: "في حياتنا العقلية تقصير معيب يصيبنا منه كثير من الخزي، كما يصيبنا كثير من الجهل، وما يستتبعه الجهل من شر، ولا بد من إصلاحه إن كنا نريد أن ننصح لأنفسنا ونعيش عيشة الأمم الراقية، وإن كنا نريد أن ننصح للعلم نفسه ونشارك في ترقيته وتنميته، وإن كنا نريد أن ننصح للشعب فنخرجه من الجهل إلى المعرفة، ومن الخمول والجمود إلى النشاط والإنتاج، ومظهر هذا التقصير المخزي إهمالنا الشنيع للترجمة والنقل عن اللغات الأوروبية الحية، فما أكثر الآثار العلمية والفنية والأدبية التي تنعم بها الإنسانية الراقية وما أشد جهلنا بهذه الآثار وغفلتنا عنها!" (مستقبل الثقافة في مصر، طه حسين، طبعة هنداوي، ص 291).

اليوم، وبعد أكثر من ثمانين عاما، يبدو أن صرخة الأعمى البصير/ طه حسين كانت صرخة في العراء، أو ـ على الأقل ـ صرخة سمعها أيتام الثقافة فحسب؛ ولم يسمعها أصحاب القرارات العمومية، أولئك الذين بأيديهم توجيه دفة التعليم والإعلام والثقافة في عالمنا العربي.

فالمحصول العلمي والثقافي اليوم ـ بعد كل هذه السنوات، وبعد كل تلك "الجعجعات القومية الصاخبة" في الندوات والمؤتمرات والتصريحات والبيانات التي يملأ ضجيجها الآفاق ـ مجرد نزر يسير لا يفي بأدنى الحد من المطلوب لأية أمّة اختارت الخمول، فكيف بأمة تدعي أنها تريد استعادة أمجاد الريادة الحضارية على مستوى العالم!

اقرأ للكاتب أيضا: الترجمة والانفتاح الثقافي

إن الإحصائيات المتاحة ـ على ندرتها، وعلى وجود بعض التضارب في أكثر المتوفر منها ـ تحكي في مجملها واقعا مؤلما لا يبعث على الأمر؛ إن استمر الحال على ما هو عليه الآن.

فالكتاب المترجم في العالم العربي ـ كما يؤكد شوقي جلال ـ لا يصل إلى أكثر من 5% من إجمالي المنشور من الكتب على المستوى العربي. وإنتاج العالم العربي من الترجمة يعادل 1/10 إنتاج البرازيل، مع أن عدد سكان البرازيل نصف تعداد السكان العرب.

ويبلغ إنتاج البلدان العربية مجتمعة نصف إنتاج إسرائيل في مجال الترجمة. وأيضا، يُترجم كتاب واحد تقريبا (أو 1,2) لكل مليون نسمة في العالم العربي، مقابل 100 كتاب تقريبا لكل مليون نسمة في إسرائيل، و250 كتاب تقريبا لكل مليون نسمة في إسبانيا.

وقد بلغ ما ترجمته 16 دولة عربية في مدة عشر سنوات (من عام 1970 إلى عام 1980): 2840 أي بمعدل 284 عنوانا مترجما في السنة (الترجمة في الوطن العربي، مركز دراسات الوحدة، ص101/102 عن بحث للمترجم/ شوقي جلال بعنوان: "تقرير المسح الميداني لوضع الترجمة الراهن في الوطن العربي").

أيضا، تشير بعض الإحصائيات إلى أن العالم العربي بأكمله يترجم خُمس ما تترجمه دولة أوروبية صغيرة: اليونان، وأن عدد الكتب المترجمة على مدى خمس سنوات النصف الأول من ثمانينيات القرن العشرين بلغ 4,4 كتاب لكل مليون مواطن (أقل من كتاب لكل مليون عربي في السنة)، بينما في هنغاريا كان الرقم 519 كتابا لكل مليون، وفي إسبانيا 920 كتابا لكل مليون (عن مقال بعنوان: "قراءة في أحوال الترجمة والمترجمين" سناء صليحة، الأهرام 5/1/2016). وقد بلغت نسبة الكتاب المترجم من مجمل الكتاب المنشور في إيطاليا لعام 1989 حوالي 25,4 في المئة (اختفاء المترجم، لورانس فينوتي، ص29).

إن كل هذه الإحصائيات، وغيرها مما يندرج في سياقها، تشي ـ في منطقها الإجمالي ـ بالمستوى المتدني للحراك الثقافي والعلمي في العالم العربي، على اعتبار أن الترجمة ليست إلا جزءا أصيلا من هذا الحراك.

فهذا العالم الذي لا يزال يفتقر لكل المقومات العلمية والثقافية، يبدو وكأنه مكتفٍ بنفسه في لغته، أو كـأن كل العلوم في العالم المتقدم إنما تصدر بلغته، فأن يكون المترجم لا يتجاوز 5 في المئة من إنتاجه المطبوع، يعني أنه يعيد تدوير ثقافته الخاصة بأكثر من 95 في المئة من مجمل ما ينشره بوصفه علما وثقافة يراد لهما أن يصنعا حاضره ومستقبله.

وتتضح قتامة الصورة بشكل أكبر عندما نقارن نسبة 5 في المئة في عالمنا العربي بنسبة 25,4 في إيطاليا؛ من حيث هي بلد أوروبي يحاول منذ عقود اللحاق بالركب الغربي المتقدم، معترفا بتراجعه، ومقدرا دور الترجمة في تحقيق أمله في تجاوز أزماته التي تأخرت به عن أقرانه الكبار في الاتحاد الأوروبي.

إن تضاؤل نسبة المترجم مقارنة بالمنتج الأصيل؛ يعكس حقيقة الاكتفاء أو وَهْم الاكتفاء. وبلا شك، هذا الاكتفاء يصبح مجرد وهم مدمر؛ عندما يصدر عن مجتمعات متخلفة/ نامية، مجتمعات لا تزال في أدنى درجات السلم الحضاري.

قد يكون لدى اللغات الكبرى التي ينتج أصحابها أهم ما يستجد في العلوم والثقافة والفنون نوعا من عذر؛ إذا ما كانت نسبة المترجم إلى المنتج الأصلي قليلة. لكن لا يوجد أي عذر لـ"تدنّي نسبة المترجم" في عالم عربي واسع، يمتد على مساحة 21 دولة، ويزخر بأكثر من 430 مليون نسمة، وليس لديه منتج علمي أو ثقافي أو فني يضاهي بعض ما لدى العالم المتحضر في الغرب، أو حتى في الشرق.

وإذا كان معظم العرب كثيرا ما يستشهدون بالنهوض/ التقدم الياباني (تجنبا للغرب الذي تُعيد نَمْذَجَتُه فتحَ الجرح النرجسي للذات)، من حيث هو نهوض/ تقدّم أصيل، حافظ معه اليابانيون على أصالتهم الثقافية، فإنهم ـ أي العرب المستشهدون بهذا ـ يجهلون أو يتجاهلون حقيقة أن "اليابان أكبر بلد مترجم في العالم" (هاشم صالح، مقدمة ترجمة كتاب أركون: "أين هو الفكر الإسلامي المعاصر؟"، ص2). وهذا ما يؤكده محمود إسماعيل صالح بقوله: "لا شك أن اليابان من أنشط، إن لم تكن فعلا أنشط دولة في مجال الترجمة العلمية والتقنية على الإطلاق"، ثم يشير في هذا السياق إلى أن اليابان كانت تترجم أواخر الثمانينيات ما لا يقل عن 30 مليون صفحة سنويا (الترجمة في الوطن العربي، مركز دراسات الوحدة، عن بحث بعنوان: "الاتجاهات المعاصرة في حركة الترجمة في العالم" ص139).

وعن حمىّ التهام ثقافة وعلوم وتكنولوجيا الغرب يقول المترجم الشهير/ شوقي جلال: "وقرأ اليابانيون إنجازات أعلام الفكر والعلم في أوروبا. وعقدت اليابان اتفاقات مع كبرى دور النشر العالمية لإصدار طبعة باللغة اليابانية من إصدارات هذه الدور حال صدورها بلغتها الأصلية" (الترجمة في الوطن العربي، مركز دراسات الوحدة، ص74، عن بحث لشوقي جلال بعنوان: "تقرير المسح الميداني لوضع الترجمة الراهن في الوطن العربي").

إذن، لا مناص من أن يستوعب العرب اليوم حقيقة أن "النموذج الياباني" لم ينهض، ولم يزدهر بالاعتماد على الذات، بل نهض وازدهر باستيعاب منتج الآخر المتقدم، عندما بدأ رحلة تواصل تثاقفي طويل وعميق وشامل ـ عبر منافذ الترجمة ـ مع أفق الحضارة المعاصرة/ مع الغرب.

لن تزدهر أمة ما؛ ما لم تزدهر لغتها عن طريق إغنائها بكل المثمر والجديد من كل لغات العالم، خاصة من لغات العالم المتقدم/ الغرب. وإذا كان تعلم اللغات هو أحد هذه القنوات، فإنه ليس أكثر من حل فردي وخاص، وليس حلا لإشكالية عامة، لإشكالية أمة تريد لـ"وعيها العام" أن يستوعب تطورات العلم والثقافة والفنون.

فـ"الوعي العام" لا يمكن أن يتشكل إلا فيما هو متاح باللغة القومية التي يصبح ثراؤها شرط أساسيا لثراء العقل الجمعي؛ فضلا عن كونه شرطا لازدهار وتطور هذه اللغة، بل ولتحقيقها مستوى من الأهمية بحيث تصبح من لغات العالم الحية الجديرة بأن تجتذب إليها الآخرين من غير أبنائها.

ليس في الترجمة خطر على اللغة القومية/ اللغة العربية؛ كما قد يتوهم بعض المتعصبين المنغلقين، بل العكس هو الصحيح، حيث يقاس حجم ثراء اللغة بحجم المنتج العلمي والثقافي والفني الذي تحمله؛ إما بالإنتاج الأصيل (وهذا متعذر في الظرف العربي الراهن؛ من حيث الكم، ومن حيث الكيف)، وإما بالإنتاج المستورد من إبداع اللغات العالمية الغنية بالجديد من العلوم والثقافة والفنون.

إن كل كتاب وكل مقال يُترجم من أي لغة إلى العربية، يدخل كإضافة في رصيد العربية, ويسهم في تطورها، وتطور أبنائها، بل وغير أبنائها من المتحدثين بها كلغة ثانية. ولهذا يشكل ثراء اللغة بالمترجمات دافعا لمن يريد تعلمها، كما يشكل فقرها دافعا للزهد فيها.

اقرأ للكاتب أيضا: التحديث والإصلاح الديني

فمثلا، إذا كان الباكستاني والتركي والإيراني يمتلكون خيار تعلم لغة ثانية، فلن تكون اللغة العربية من ضمن خياراتهم في الغالب الأعم؛ رغم أنها تضمن لها الرجوع إلى نصوصهم الدينية، وإلى السرديات التاريخية لمفاصل من تاريخهم في لغتها الأصلية/ الأولى. إنهم سيختارون أية لغة حية من لغات العالم الكبرى التي تضمن لهم الاطلاع على المنتج العلمي والثقافي في أحدث وأجود وأرقى صوره، فإذا كان منهم من يتعلم الفرنسية مثلا، فسيجد آلاف المراجع التي تتناول أهم النظريات في علم الاجتماع؛ إذا ما كان متخصصا في علم الاجتماع، وكذلك الأمر في علم النفس وفي النقد الأدبي...إلخ، كلٌ حسب همومه وميوله وطبيعة تخصصه.

وفي المقابل لن يجد مَن يختار العربية ويتحمّل مشقة إتقانها ما يغنيه عن غيرها، لن يجد إلا القليل والقديم والرديء باللغة العربية التي يتكاسل أبناؤها عن ترجمة أهم الكتب والبحوث والوثائق إليها؛ إلا في القليل النادر نسبة وتناسبا، والقليل النادر يعجز عن التحوّل باللغات الكبرى من حال إلى حال.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.