الرئيسان كينيدي وآيزنهاور قبل قسم كينيدي اليمين عام 1961
الرئيسان كينيدي وآيزنهاور قبل قسم كينيدي اليمين عام 1961

حسن منيمنة/

في خطاب الوداع مطلع العام 1961 قبيل تسليم المنصب للرئيس الجديد جون كينيدي، أورد الرئيس الأميركي الأسبق دوايت آيزنهاور تحذيرا هاما ما زالت أصداؤه تسمع إلى اليوم في الخطاب السياسي العربي، كما في معظم الطروحات التي تعتبر أنه ثمة فساد جوهري في الولايات المتحدة. آيزنهاور، العماد السابق والذي تولى الإعداد والتنفيذ والقيادة للخطة العسكرية التي قضت على الرايخ الثالث في الحرب العالمية الثانية، والرئيس الرصين الذي واكب الحرب الباردة في أشد مراحلها حرارة، نبّه إلى خطر آخر في خطابه هذا، حين شدّد على وجوب ضبط "المجمع العسكري الصناعي" كي لا يصيب الخلل المصلحة الوطنية في الولايات المتحدة.

واليوم، بعد مضي أكثر من نصف قرن على كلمة آيزنهاور، تتكرر في الفضاء الفكري العربي الإشارات الصريحة والضمنية إلى هذا "المجمع العسكري الصناعي" بصيغة مختلفة عن التي تحدّث عنها آيزنهاور، كحقيقة قائمة وبديهية، لا ينكرها إلا ضال أو مضلّ. والمحلل الفطن هنا هو من يدرك أنه لا ضير ولا أثر أن يكون الرئيس في واشنطن دونالد ترامب، باستعراضياته وشطحاته وانعدام اطلاعه، أو باراك أوباما، بمزاعمه الخطابية وإسرافه بالبلاغة. إذ لا هذا ولا ذاك من يمسك حبال الحكم الفعلية، بل "المجمع العسكري الصناعي" والذي يفرض إرادته على رؤساء لا حول لهم ولا قوة.

والفكر الذي ينتهج هذا التوجّه محصّن، فالاعتراض عليه، كما يراه، جزء من محاولة تعمية لن تمرّ. والواقع أن هذه الإحاطة الفوقية الواهمة ليست مجرد تبديد فكري بل هي كذلك تضييع لفرص التنبه إلى المخاطر الحقيقية.

فبالعودة إلى كلمة الرئيس آيزنهاور، وبغضّ النظر عن تلقف الروايات والأفلام لها كمدخل إلى إبداعات فنية تتغذی من عالم المؤامرة الواسع، بما يثير مخيلات القراء والمشاهدين، فإن إساءة فهم المقصود منها قد هدر الدرس الهام الذي حاول آيزنهاور تقديمه للجمهور، وهو التمييز بين المصلحة الآنية ذات الأفق المحدود موضوعيا وزمنيا، والمصلحة الوطنية البعيدة المدى.

اقرأ للكاتب أيضا: قرائن 'المؤامرة' في الخطاب السياسي العربي (1): 'خارطة برنارد لويس'

فكلمة آيزنهاور لم تذهب إلى تصوير المجمع العسكري الصناعي ككيان قائم بذاته، بل كمقابل افتراضي للشريحة السياسية المسؤولة في البلاد. فالمقارنة التي أوردها آيزنهاور هي بين الطبيعة الذاتية لكل من المؤسسة العسكرية، والمولجة بتنفيذ المهام المحددة، صغرت أم كبرت، دون اعتبار للأبعاد البعيدة المدى، والقطاع الصناعي، والمعني بديهيا بتحقيق الربح من خلال العقود والتلزيمات، في مقابل المسؤولية الشاملة للطبقة السياسية والتي يقع على عاتقها رسم الرؤية الكفيلة بتحقيق الصالح العام.

فتحذير آيزنهاور هو أن أي تقصير من جانب الطبقة السياسية في متابعة المطلوب منها لضمان المصالح العليا للبلاد يفتح المجال أمام المصالح الدنيا لتفرض نفسها، سواء الزخم المعتاد للوحدات العسكرية بأن تعزز جهوزيتها وعتادها، أو المسعى المتوقع لشركات التصنيع بالحصول على المزيد من العقود، لأغراض البحث والتطوير أو الإنتاج. ليس أن هذه المساعي مذمومة بذاتها، فالطبيعة التنافسية واللامركزية لكل من قطاعي الدفاع والتصنيع هي جزء من الكل الذي يضمن الفعالية القصوى للولايات المتحدة. ولكن، كما نبّه آيزنهاور عموم الجمهور، فإن فعالية هذا الزخم مشروطة بإمكانية ضبطه وإبقائه ضمن دائرة الإفادة الوطنية ومنعه من أن يقتصر على الموضعية، ومهمة هذا الضبط والمتابعة هي صلب العمل السياسي.

كلام آيزنهاور جاء في أجواء كان الاعتراض فيها أن العمل السياسي أصبح أكثر اهتماما بالشكل منه بالمضمون، مع الأدوار الجديدة حينها للصحافة المرئية والمطبوعة. هذا فيما ازدادت الأجهزة الأمنية المستحدثة آنذاك، مكتب التحقيقات الاتحادي (الـ "أف بي آي") كما وكالة الاستخبارات المركزية (الـ "سي آي إيه")، استقلالية ضمنية عن الرقابة السياسية، لغياب التأطير التشريعي الواضح.

فتحذير آيزنهاور، وإن لم يتطرق بجلاء إلى هذه الأجهزة، كان يشملها بصورة غير مباشرة من حيث دعوته صون النظام السياسي للولايات المتحدة، والقائم على سيادة المواطن من خلال ممثليه المنتخبين.

وعلى أي حال، فإن السلطة التشريعية الاتحادية المتمثلة بالكونغرس بمجلسيه قد سارت بالفعل في الأعوام التالية باتجاه التحقيق المسهب بما أقدمت عليه هذه الأجهزة، وصولا إلى التقارير التفصيلية في منتصف السبعينيات والتشريعات التأطيرية التي تضمن عدم تكرار الانزلاق إلى العمل الأمني، في الداخل كما في الخارج، غير الخاضع لرقابة السلطة المنتخبة وموافقتها.

التنبيه الذي قدّمه آيزنهاور ينطلق من قناعة هذا الرئيس بفعالية النظام السياسي في الولايات المتحدة مع إدراكه لمواطن ضعفه في حال لم تتحمل الطبقة السياسية، ومعها عموم الناخبين، المسؤولية في المحافظة عليه. فالمجمّع العسكري الصناعي هو هنا جانب من الجسم الإداري والذي من شأنه خدمة البلاد في حال جرت إدارته كما هو مطلوب من السلطة السياسية، أو من شأنه استنزاف مواردها في مصاريف تخدم الأجزاء دون اعتبار للكل.

أما في الإيحاءات المتداولة في الخطاب السياسي العربي، فـ"المجمع العسكري الصناعي" يمسي عصابة سرية من القادة العسكريين وكبار رجال الأعمال، يتحكمون بالقرار السياسي خدمة لمصالحهم، فيشعلون الحروب لكي ينتجوا المزيد من الأسلحة ويكسبوا المزيد من الأموال.

الصعوبة فائقة في محاولة استشفاف المعطيات هنا، فالمسألة مقرّرة سلفا ولا بأس بالتناقضات. إذ كيف يطلق آيزنهاور هذا التنبيه المهيل ولا يلحقه بملاحقات للمتورطين؟ أو كيف يسمح هؤلاء، إن كانوا فعلا بموقع النفوذ القاضي للرئيس بأن يكشف الستار عن دورهم دون ثمن؟

ثم الأمس واليوم، من هم هؤلاء بالتحديد؟ ما هي أسماؤهم ومناصبهم؟ لا بد لانتظام الزعم بألا يكونوا القادة الظاهرين، لما يلحق هؤلاء من الإقالات والاستقالات والإحالات إلى التقاعد. فالطبيعة (الحقيقية) للنظام السياسي في الولايات المتحدة، إذ تضع الأجهزة الأمنية والعسكرية رهن السلطة المدنية المنتخبة، تتيح المجال للتبديل الواسع للمسؤولين الأمنيين والعسكريين، وفق إرادة السلطة التنفيذية، وتحديدا حسب رغبة الرئيس. فخلافا للزعم الواهم والذي يفترض بأن الرئيس الأميركي واجهة وحسب، فإن الرؤساء، ترامب وقبله أوباما وبوش وأسلافهم، قد أقالوا وأعفوا وطردوا وفق المقتضى من تباعد عنهم من المسؤولين الأمنيين والعسكريين، وعيّنوا من اختاروهم كبدائل.

هل يكون القائمون عن "المجمع العسكري الصناعي" بالتالي من المتمولين؟ المعضلة في هذا البحث هي أن كبار رجال الأعمال والمتمولين هم أيضا باستمرار تحت المجهر الإعلامي، بل أكثرهم عرضة للإقالة والملاحقة، كما للتأييد والمكافأة، من عموم المستثمرين في الشركات المساهمة.

فالواقع أن الحديث عن المجمع العسكري الصناعي، ككيان فاعل، لا ينتظم إلا بالغوص العميق في منطق المؤامرة المعتل، حيث القرائن الواهية تتوالى وتتداعم دائريا، كل منها، دون اعتبار لصدقيتها، تجد التأييد في غيرها، على ضعفها وفسادها. فهذا ما تفعله قلّة لا يستهان بها عند الهامش الثقافي في الولايات المتحدة، مع اختراقات متتالية باتجاه عموم الثقافة للأسف، وهذا ما تفعله شريحة واسعة في المحيط العربي، بناء على قناعات مسبقة، لا تحتاج إلى الدليل بل تكتفي بالإشارة كقرينة، ولا تحاسب على فشل تحليلها.

فيوم دخل دونالد ترامب البيت الأبيض رئيسا، أحاط نفسه بجمع من العسكريين المتقاعدين لحسابات سياسية خاصة به، بما في ذلك ما يحققه له ذلك من كسب لدى الجمهور الواسع الذي يكن للمؤسسة العسكرية فائق الاحترام.

اقرأ للكاتب أيضا: 'إعادة الإعمار' في سوريا: متابعة الحرب بوسائل أخرى

القراءة المتكررة في أوساط أصحاب قناعة "المجمع العسكري الصناعي" في الوسط الفكري السياسي العربي كانت أن الأمر بمطلق الوضوح من حيث استيلاء القادة العسكريين على صياغة القرار مع الإبقاء على ترامب كشخصية صورية. هي الحكومة الباطنية بالتالي، والتي تجد التأييد والتأكيد من عبارة "المجمع العسكري الصناعي" بـ"اعتراف" الرئيس الأسبق دوايت آيزنهاور.

أما اليوم، فبعد أن تمّ ترحيل كافة هؤلاء العسكريين السابقين من حكومة ترامب، كما غيرهم، فلا يحتاج من كان بالأمس يتحدث بكل ثقة عن استتباب حكم العسكر، إلى تفسير فساد مقولته، بل ينتقل إلى صيغة جديدة من الأهوائية.

آيزنهاور لم يحذّر من "المؤامرة". بل ما قدّمه للجمهور في بلاده وللعالم هو درس خطير حول أهمية المثابرة في المحافظة على النظام التمثيلي الصادق من خلال طبقة سياسية واعية وملتزمة بالصالح العام، تجنيبا لتآكل سيادة المواطن. تسفيه هذا التحذير لتسخيره في منطق المؤامرة والإثارة يفقد الدرس جدواه ويسيء في نهاية المطاف لا إلى آيزنهاور بل إلى الجمهور الذي تشتت هذه المقولات متابعته لمصالحه، في المحيط العربي كما في الولايات المتحدة.

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.