فيضانات وسيول في أحد مخيمات النازحين في إدلب
فيضانات وسيول في أحد مخيمات النازحين في إدلب

نضال منصور/

تذكرت مصطلح "الهرولة" وأنا أقرأ وأسمع التصريحات العربية المتكاثرة والمتناثرة هذه الأيام عن أهمية عودة النظام السوري إلى "الحضن العربي".

تذكرت هذه الهرولة التي شهدت مثلها حين قرر الزعماء العرب العودة مسرعين إلى نظام السادات المصري بعد مقاطعته وعزله إثر زيارته إلى إسرائيل وتوقيعه لاحقا لمعاهدة "كامب ديفيد".

خلد الشاعر نزار قباني مفهوم ومصطلح "الهرولة" حين قال في قصيدته المشهورة "المهرولون".

♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦

ما كان صعبا ومستحيلا قبل أعوام في ظل ما سمي بـ"الربيع العربي" أصبح اليوم مطلبا، فدولة الإمارات تعيد فتح سفارتها في دمشق وسفيرها يباشر عمله، ودول المغرب العربي تبدو متحمسة أكثر من أي وقت مضى لإنهاء القطيعة مع سوريا، وشخصيات أكاديمية وبحثية وإعلامية سعودية تعلن أن "جميع الأطراف ترحب بعودة سوريا".

إذن الأبواب الموصدة أصبحت مفتوحة الآن، ولم يتبق على سيناريو عودة النظام السوري سوى بعض الرتوش الجاري إنجازها وتهيئتها في الكواليس.

اقرأ للكاتب أيضا: التنمر الإلكتروني: إطلاق رصاص على الإعلاميين في العالم الافتراضي

ماذا حدث وتغير حتى تحدث الهرولة للترحيب بالنظام السوري الذي كان العديد من الأنظمة العربية يصفه حتى وقت قريب بـ"الملطخة يداه بدماء شعبه"؟ هل تغير نظام الرئيس بشار الأسد أم تغيرت الأنظمة العربية؟ أم تغير المشهد الإقليمي والدولي؟

♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦

الشيء المؤكد أن النظام السوري لم يتغير، والأسد المتهم بجرائم حرب يستعيد السيطرة على الأراضي السورية التي خسرها في معاركه طوال أكثر من سبعسنوات، وبالوقت ذاته فإنه مستمر في تحالفاته الاستراتيجية مع روسيا وإيران التي ثبت تفوقها ونجاعتها، فروسيا تملك اليد الطولى وقواعدها العسكرية ثابتة، في حين يقرر الرئيس الأميركي دونالد ترامب سحب قواته والرحيل، وطهران تعلن على لسان وزير الطرق وبناء المدن محمد إسلامي عن الاستعداد لتعاون اقتصادي استراتيجي مع دمشق.

والشيء المؤكد أيضا أن "دول الضد" التي كانت تقود القطيعة والعزل للنظام السوري لم تبدل مواقفها ورؤيتها للنظام السوري وإن شهدت "تصدعات" سياسية في وحدة موقفها، وربما كانت الأزمة الخليجية والخلاف السعودي الإماراتي مع قطر بداية "إعادة الحسابات والافتراق في المواقف"، فقطر أصبح لها حساباتها الخاصة البعيدة عن "العباءة السعودية" التي طغت سياساتها على المواقف الخليجية.

لم تقم قطر بإعادة علاقاتها مع النظام السوري، وما زالت قناة الجزيرة تناصبه العداء، لكن الدوحة لم تعد بوارد توسيع معاركها، وفتح معارك مع إيران التي تدفقت بضائعها إلى الدوحة بعد الحصار، وما ينطبق على قطر قد ينسحب على دولة مثل الكويت التي تفضل مزيدا من الاستقلالية عن السياسات السعودية، وتفضل أن تمضي مع الاجماع العربي.

إذن "شيفرة" الهرولة نحو عودة سوريا قد تكون قراءة للتحول في الموقف السعودي ذاته حتى وإن ظل الخطاب الرسمي ثابتا دون تغيير ملحوظ.

الحقيقة الثابتة أن السعودية بعد مقتل الصحافي جمال خاشقجي تتغير وتتحول، وتسعى لإطفاء الكثير من الحرائق التي أشعلتها أو التي تشتعل حولها وتشكل خطرا، وتسعى لأن تكون أكثر تصالحا وتطوي ملفات كثيرة مفتوحة ومقلقة وتشكل تهديدا لها، فهي تريد أن تتفرغ لإعادة تلميع صورتها، وإعادة إنتاج صورة جديدة لولي العهد السعودي محمد بن سلمان المتهم بأنه خلف مقتل خاشقجي، وربما يكون سيناريو إغلاق الملف السوري وإعادة ترتيب البيت العربي أحد بوابات الخروج السعودي من الأزمة الإقليمية والدولية التي تلاحقها.

المؤشرات لهذا التحول السعودي ظهرت في قرار الإمارات إعادة افتتاح سفارتها في دمشق، والغزل البحريني بأهمية العلاقات مع سوريا، وهذا ما كان ممكنا أن يتم دون رضى الرياض، وقد تكون كل هذه التحركات مقدمات لخطوات سعودية في القريب، أو ربما تكون البدايات لكسر التابوهات من القاهرة وتحديدا من الجامعة العربية بطرح موضوع إنهاء تعليق عضوية سوريا بالجامعة العربية.

♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦

في آذار/مارس المقبل سيعقد مؤتمر القمة العربية في تونس، ولا أعرف لماذا يراودني مشهد هبوط طائرة الرئيس بشار الأسد في مطار قرطاج واستقبال الرئيس التونسي الباجي السبسي له، وعودته إلى القمة ليصافح خصومه من الزعماء العرب، ويجلس أمام العلم السوري... هذا المشهد يلحّ على مخيلتي ولا أدري إن كانت نبوءته ستتحقق قريبا جدا؟

واقع الأمر أن تونس استقبلت أول طائرة ورحلة مباشرة من دمشق، وحزب (نداء تونس) الذي يقود البلاد يضغط على الرئيس السبسي لإعادة العلاقات مع دمشق ودعوة الرئيس الأسد لحضور القمة، ورغم أن الأمين العام المساعد للجامعة العربية حسام زكي يقول في تصريحات له "لم يطرأ تغيير على موقف الجامعة من عودة سوريا"، فإن الأمين العام الأسبق للجامعة العربية عمرو موسى يدعو لمناقشة عودة سوريا، والواضح أن المياه تجري بسرعة أكثر مما يسجل من تصريحات.

مقدمات العلاقة مع سوريا ستظهر بشكل أكثر جلاء مع انعقاد القمة الاقتصادية في بيروت يومي 19 و20 كانون الثاني/يناير الجاري، والمعلومات تفيد بأن يوم 18 من هذا الشهر سيشهد اجتماعا لوزراء الخارجية العرب في بيروت تحضيرا للقمة الاقتصادية، وسُيطرح بقوة إنهاء تعليق سوريا بالجامعة العربية، والمبادرة إلى دعوة دمشق لحضور قمة بيروت الاقتصادية.

بيروت قد تكون المحطة الأمثل لولوج دمشق إلى البيت العربي من جديد، فالنظام اللبناني منقسم حول هذا الموضوع، فإن كان رئيس الجمهورية ميشال عون، و"حزب الله" مؤيدين لهذا التوجه ومنخرطين به، فإن رئيس الوزراء المكلف سعد الحريري وأنصاره لن يخرجوا عن "المظلة السعودية" وتوجهاتها، وعلى هذا فإن القرار يبدو معلقا ومرهونا بتفاهم عربي بات وشيكا جدا تقوده السعودية حتى ولو من خلف ستار.

وبعيدا عن الهرولة العربية التي تظهر للعلن، فإن المراقبين للمشهد يعتقدون أن كل هذه التحركات لا يمكن أن تنتج ثمارا ومصالحات ما لم تتحقق صفقة إقليمية اللاعب الرئيسي فيها أميركا ومن خلفها روسيا، وتجد مقاربات مقبولة "للدور الإيراني" المسموح به، وعند فك هذه "العقدة" الأساسية فإن الانفراج لكل الملفات يكون ممكنا ومطروحا بما فيها العودة السورية للمسرح العربي.

♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦

سوابق المقاطعة العربية ليست مبشرة، ففي قمة بغداد اتخذ الزعماء العرب قرارهم بمقاطعة النظام المصري إثر توقيع معاهدة "كامب ديفيد"، وفي شهر آذار/مارس 1979 أصبح قرار المقاطعة نافذا ونُقلت الجامعة العربية إلى تونس، استمر هذا الحال حتى عام 1990 حين قرر العرب في مؤتمر قمة الدار البيضاء الطارئ العودة عن قرار المقاطعة وعودة الجامعة لمقرها الأصيل في القاهرة.

اقرأ للكاتب أيضا: ماذا نريد من الحراك في الأردن؟

المهم أن إنهاء المقاطعة لمصر تبعه انهيار المعسكر العربي الرافض لتطبيع العلاقات مع إسرائيل، فكانت اتفاقية "أوسلو" بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل، وتبعتها اتفاقية "وادي عربة" بين الأردن وإسرائيل، وأصبحت العلاقة مع إسرائيل ليست جرما محرما في القاموس العربي.

بين مقاطعة مصر لتطبيعها العلاقات مع إسرائيل ومقاطعة سوريا بعد ما سمي "الربيع العربي" لا تبدو المقاربة متشابهة ومنسجمة، لكن الحقيقة تشي بأن النظام العربي متسامح ويغفر كل الخطايا مهما كانت مثلما غفر للسادات مصافحته لبيغن وإدخال إسرائيل للبيت العربي من أوسع الأبواب، فإن النظام العربي سيفتح للنظام السوري بقيادة الرئيس بشار الأسد أبوابه مرة أخرى، وسيشطب من ذاكرته وخطاباته أنه المسؤول عن حرب أهلية ذهب ضحيتها الآلاف من السوريين، وشُرد بسببها الملايين، وإعمار هذا البلد سيحتاج إلى المليارات وعشرات السنين.

الهرولة العربية تختصر الكثير من المسافات وتقفز عن الكثير من المحرمات ولا تعرف المستحيل!

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.