ناشطون مغاربة في تحرك في العام 2016 تضامنا مع حقوق مثليي الجنس
ناشطون مغاربة في تحرك في العام 2016 تضامنا مع حقوق مثليي الجنس

سناء العاجي/

في المغرب، تم إلقاء القبض على ضابط صف في الجيش المغربي متهم بالمثلية؛ وانتشرت صوره عبر مختلف وسائل التواصل.

المشكلة الأولى التي تطرحها هذه القضية أن المواقع الاجتماعية عجت بصوره، بما فيها صوره داخل مخفر الشرطة (بمعنى أن الأمر يتعلق بصور تملكها عناصر الأمن بشكل حصري) وصورة بطاقة تعريفه الوطنية (وهي تحمل اسم الأم واسم الأب وعنوان السكن) إضافة إلى بطاقة الجيش.

بغض النظر عن موقفنا من المثلية، فالأساسي هنا هو سؤال الخصوصية وحماية المعطيات الشخصية.

يعاقب القانون المغربي المثلية (وهذه نقطة سنناقشها في الفقرات اللاحقة)؛ كما أن العديد من مكونات المجتمع ترفضها. لكن، هل يعطينا هذا الحق في نشر صور "المتهم بالمثلية" وعنوانه واسم والديه؟ أليس في ذلك دعوة للعنف ضده وضد أسرته؟

ثم، على فرض أن بيننا من يعتبر أنه مذنب، ألا نفكر في أسرة لا ذنب لها ستتحمل العواقب، في مجتمع لا يفرق بين "المذنب" وأقاربه في وصمة العار؟

اقرأ للكاتبة أيضا: رأس السنة حرام... القتل حلال

لعل الدولة، وبدون أن تدري، تشجع على التطرف والإقصاء والعنف. ما معنى أن نلقي القبض على متهم في قضية جنسية، وأن نسرب صوره الخاصة وصور إلقاء القبض عليه وصوره داخل مخفر الشرطة وصور بطاقات تعريفه ومعطياته الشخصية؟ أليس في ذلك تحريض على العنف ضده وضد أفراد أسرته وضد كل مثلي جنسي غيره؟

بالفعل، فقد أمر المدير العام للأمن ببدء تحقيق في تسريب الصور، لكن هذه الواقعة ليست يتيمة للأسف. حدث في السابق أن تم إلقاء القبض على مثليين جنسيين ونقلت قناة تلفزيونية عمومية صورهما (حتى قبل صدور الحكم). كما سبق لوزير حقوق الإنسان الحالي، مصطفى الرميد، حين كان وزيرا للعدل، أن حرض على العنف ضد مفطري رمضان، وهذه أمثلة من نماذج كثيرة تصبح فيها مؤسسات الدولة وسيلة تحريض ضد مواطنين، كل ذنبهم أن لهم خيارات عقائدية أو جنسية مختلفة عن التوجه العام.

في نفس الوقت، فإن مجرد تجريم ممارسات شخصية، هو في حد ذاته تحريض على العنف والتطرف.

كيف تتبنى الدولة خطاب التسامح، بينما تعاقب قانونيا بعض الممارسات الشخصية كالإفطار العلني في رمضان أو المثلية الجنسية أو العلاقات الجنسية الرضائية بين شخصين راشدين؟

في حالة المثلية الجنسية مثلا، لماذا علينا أن نهتم بتفصيل حميمي لشخص آخر، تفصيل يفترض أنه لا يعنينا، لمجرد أننا نعرف أنه مثلي؟ هل تتصور الدولة ومؤسساتها وهل يتصور المواطنون أن الحرية الجنسية وخروج المثليين للعلن سيؤثر على غير المثليين في حياتهم الجنسية؟ هل مثلا سيستيقظ شخص غيري غداة إلغاء التجريم ليقرر أنه أصبح مثليا؟ هل سيفرض المثلي على غيره أن يصبح مثليا؟ ثم، وهذا الأهم، هل يلغي التجريم وجود هذا الاختيار الشخصي بيننا؟

المثلية ليست جريمة ولا جنحة ولا مرضا. المثلية توجه جنسي حر لا تصنفه المنظمة العالمية للصحة كمرض. بل وحتى على فرض أنه مرض، وكما يقول كاتب مقال "المثلية الجنسية كموضوع للتفكير: مرض أو جريمة!؟"، هل نعاقب الشخص الذي نعتبره مريضا؟ هل ندخله السجن؟

اقرأ للكاتبة أيضا: دفاع غير أخلاقي... عن الفضيلة والأخلاق

الاختيارات الدينية والجنسية للأفراد، طالما لا تعتدي على اختيارات الآخرين، لا يمكن منطقيا وحقوقيا وإنسانيا أن تكون موضوع تجريم قانوني.

لا يمكن أن نفرض الإيمان على شخص، ولا يمكن أن نفرض عليه اختيارات جنسية معينة لا تناسب انتماءه الجنس الحقيقي، كما لا يمكن أن نعاقب أشخاصا راشدين (مثليين كانوا أم لا) على ممارساتهم واختياراتهم الجنسية (ما لم يتعلق الأمر باستغلال جنسي وعنف وابتزاز أو استغلال للأطفال).

في نفس الوقت، علينا أن ننتبه كثيرا لبعض الممارسات الإعلامية التي ترافق التطورات المجتمعية والتكنولوجية، والتي تضع جانبا كل البعد الأخلاقي للمهنة، لتقتات من الفضائح ومن خصوصيات الأفراد.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

(FILES) In this file photo taken on February 4, 2020, Iraqi students hold hands and chant as they march in an anti-government…
تظاهرة طلابية في العراق في فبراير الماضي

قد تُقدِّم الأزمة الاقتصادية التي تحيط بالعراق بسبب تراجع أسعار النفط، وبالتالي انكشاف هشاشة القطاعات الاقتصادية وتبلّد حلولها، لمحة عن المشكلة العراقية، لكنها ليست جوهر المشكلة على أية حال. فسعر النفط سوف يرتفع لا محالة، ويمكن حينها تعويض القطوعات في المرتبات، والمضي قدما نحو ضخ الآلاف من الشباب إلى مكاتب البطالة المقنعة بلا إنتاج، أو لتعظيم أعداد القوات الأمنية والعسكرية المليونية، أو حتى لاستئناف حفلات التقاسم الحزبي التقليدية لصفقات الوزارات وقوت الناس وإهدار المزيد من فرصهم.

الفشل الحكومي الممتد للسنوات السابقة كان قد أوفى نذوره بوضع الحكومة الحالية أمام امتحان سداد مرتبات الملايين من الموظفين والمتقاعدين الذين يعتمدون في حياتهم على رواتب الدولة، وذلك ليس خبرا مفزعا إذا ما كان بداية لولادة رؤية اقتصادية قائمة على تنويع مصادر الدخل، واستثمار طاقات الشباب في الإنتاج الزراعي والصناعي وسط رعاية حكومية. والحقيقة أن هذا التحدي ـ على فداحته ـ لم يكن السبب الذي دفع البيئة الحزبية العراقية إلى إنتاج حكومة من خارج سياقها وأمومتها الكاملة.

الصراع الأميركي ـ الإيراني، على ما اكتنف من خطورة، ليس بدوره أساس المشكلة العراقية، فقواعد الاشتباك تتغير إقليميا ودوليا باستمرار، ومن يتهم الحكومة الحالية اليوم بأنها أميركية، قد يتهمها غدا بأنها إيرانية، لأنه ينطلق، في نهاية المطاف، من رؤية كانت على الدوام تحلل الحدث العراقي بمعزل عن صيرورته الذاتية، متجنبة طرح المسائل الكبرى التي تدفع ببلد تاريخي مثل العراق إلى أن يكون مجرد قضية إقليمية ودولية.

لم يكن ثمة حكم طوال القرن العشرين إلا وكان نتاجا لعدم نجاح الدولة في كسب ثقة كلّ شعبِها بها أو في الأقل معظمهم

يمكن المجادلة طويلا مع "الخبراء" الذين جمعوا أذيال السياسة والإعلام والاقتصاد والاجتماع وعلم النفس في وسائل التواصل الاجتماعي، لتقديم الدروس والعبر والنصائح منذ اليوم الأول لتشكيل حكومة مصطفى الكاظمي، كما يمكن القبول باستشراء القفز الحر إلى الاستنتاجات استنادا إلى الأمنيات حينا وإلى التخندق أحيانا أخرى، لكن لا يمكن أبدا القبول بانطباع مُشوَّش يفترض أن مجرد تشكيل حكومة الكاظمي قد جعل الأزمة العراقية المركبة وراء ظهر العراقيين وليس أمامهم.

يمكن القول إن تظاهرات تشرين، قد أوضحت بدورها عن بعض مكامن اللحظة العراقية الحرجة التي يمكن اختصارها بعبارة: "انعدام الثقة بين المجتمع والدولة".

ليس الأمر وكأنه نحتٌ لعبارات مكررة، بل هو حفرٌ في حقيقة المسكوت عنه طوال عقود في العلاقة غير المكتملة بين الدولة العراقية وشعبها.

على الدوام كان انعدام الثقة دافعا لتكريس مواقف سياسية ومن ثم اجتماعية، عرقلت اكتمال مفهوم الدولة في العراق، ولم يكن ثمة حكم طوال القرن العشرين إلا وكان نتاجا لعدم نجاح الدولة في كسب ثقة كلّ شعبِها بها أو في الأقل معظمهم.

ولهذا، كان بالإمكان دائما القول بأن الدولة العراقية لم تثق بكل شعبها في أيٍّ من مراحلها، ولهذا أيضا، كانت تلك الحماسة الطاغية لعقود حول عروض الدولة الوطنية لفئات ومكونات اجتماعية في مقابل معارضة طاغية ودامية لفئات أخرى. ولهذا، لم تنجح قوى الإسلام السياسي الشيعي باستيعاب سيطرتها الفعلية على الحكم في العراق بعد 2003 واستمرت تفترض أن وجود المنظمات المسلحة على هامش الدولة وليس ضمن مؤسساتها التقليدية هو ضامن للطائفة، كما أن القوى الكردية لم تصدّق يوما أن العراق هو دولة يمكن تبادل الثقة معها إلى درجة دمج القوى المسلحة الراعية للقومية في الجيش الوطني، ولهذا انقلبت القوى السنية من التبشير بنسختها الخاصة من مفهوم الوطنية العراقية المستند إلى إرث من محاولة إجبار الآخرين على قبولها بالقوة، إلى انتظار لحظة الانفكاك عن الوطن نفسه!

ليست لحظة العراق العصيبة خلف العراقيين، بل هي أمامهم. بإمكانهم اليوم مع تشكيل حكومة افترضت نفسها نتاج أزمة بنيوية اجتماعية واقتصادية وسياسية وثقافية، وليست صنيعة صيرورات ديمقراطية طبيعية، طرح الأسئلة بصوت مرتفع على الحكومة وعلى الأحزاب وعلى أنفسهم، حول ماهية الدولة، وكيف يمكنها أن تعيد ترميم الثقة المفقودة معهم، وصولا إلى تسليم السلطة إلى نتائج قوى منبثقة من انتخابات عادلة نزيهة.

ليست المرة الأولى التي تقف فيها دولة 2003 أمام امتحان الوجود، وليست المصيدة الأولى أمام الخريطة العراقية، فقد كان الفشل بإنتاج نظام عدالة انتقالية حقيقي كفيلا بتحويل القطيعة مع الماضي البعثي إلى نظام مصالح متجذر أكثر منه مشاعر حقيقية، وكان الفشل في تقويض التلاعب بالنزعات العاطفية المذهبية والقومية كفيلا في بناء منظومات سياسية ربطت مصيرها بهذا التلاعب، وتنازلت عن سلطة قرار العراق طوعا إلى الأجنبي، وكان الفشل في معالجة الاقتصاد الريعي، كفيلا ببناء منظومة فساد تسرطنت في الدولة حد المجازفة بقتلها.

أن تدرك حكومة الكاظمي أن المرحلة الأصعب ما زالت أمامها، يضعها مباشرة أمام مسؤولية التصدي لواجبها الأساسي بالعمل على إجراءات حقيقية تضمن استعادة ثقة الشعب بالدولة

العجز عن استعادة ثقة الشعب العراقي بالدولة، لم ينقذه حديث الفاعل الشيعي أمام جمهوره عن ضمان الحكم للشيعة، ولم يعالجه تبشير الفاعل الكردي أمام جمهوره بخريطة رسمت عام 2017 على ورقة استفتاء، ولم يغفر له تلويح الفاعل السني لجمهوره بإنشاء الإقليم.

الحقيقة أن إخفاق الدولة في اختبار الثقة لم يغفره العراقيون لكل ساستهم، وكانت انتفاضة تشرين لمحة فقط من ذلك الغضب الخطير الذي تكثف عبر السنوات وتحول إلى كَربٍ شعبي مزمن، يعبّر عن نفسه بلمحات مقلقة.

الوقت المستقطع الذي منح العراق فرصة تنفس مؤقتة، وضع ورقة اختبار النوايا لحكومة الكاظمي منذ يومها الأول على الطاولة، لكنه جاء في أسوأ ظروف ممكنة، بسبب أزمة كورونا، وما تبعها من انهيار اقتصادي عالمي. إنه وقت ثمين جدا، يجب دعمه بتنازلات حزبية جادة وحقيقية تصل إلى الاعتراف بطيّ صفحة بأكملها وفتح أخرى، في مقابل تفهم شعبي.

أن تدرك حكومة الكاظمي أن المرحلة الأصعب ما زالت أمامها، يضعها مباشرة أمام مسؤولية التصدي لواجبها الأساسي بالعمل على إجراءات حقيقية تضمن استعادة ثقة الشعب بالدولة، وذلك لن يكون من دون أن تبدأ الدولة أولا باستعادة الثقة بشعبها، كلِّ شعبها.