مقاتلون سوريون مدعومون من تركيا في شمال سوريا
مقاتلون سوريون مدعومون من تركيا في شمال سوريا

نيرڤانا محمود​/

مع نهاية العام 2018 شهدت العلاقات العربية ـ السورية بداية جديدة، إذ أعلنت دولة الإمارات عودة العمل بسفارتها في دمشق، وأعلنت البحرين "استمرار عمل سفارتها في سوريا".

كما تتوقع مصادر مختلفة أن دولا خليجية أخرى، كالكويت، ستعيد قريبا فتح سفاراتها في دمشق.

مصر من جانبها، استقبلت رئيس مكتب الأمن الوطني السوري اللواء علي المملوك، كما نقلت بعض المصادر أنباء عن وساطة مصرية بين القوات الكردية في مدينة منبج والنظام السوري.

قد يختلف المراقبون على مدى شرعية وجواز التطبيع مع النظام السوري، ولكنه في النهاية اعتراف بواقع سوريا الحالي بعد أن احترقت بنيران إيران وحلفائها من جهة وإسلاموية "الدواعش" و"القاعدة" و"العثمانيون" من جهة أخرى، واستطاع النظام أن ينتصر ولو على أشلاء معارضيه.

وصف الدكتور أنور قرقاش، وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية، قرار بلاده بأنه يأتي بعد "قراءة متأنية للتطورات، ووليد قناعة أن المرحلة القادمة تتطلب الحضور والتواصل العربي مع الملف السوري".

اقرأ للكاتبة أيضا: شيخ الأزهر بين السنة النبوية ومذبحة الروضة

كما كتب في تغريدة أن الدور العربي في سوريا أصبح أكثر ضرورة تجاه التغوّل الإقليمي الإيراني والتركي.

ولكن كيف ذلك؟ كيف سيتواصل العرب مع الملف السوري؟ هل سيستطيع العرب إيقاف التوغل الإيراني والتركي؟ وكيف سيوظفون حضورهم في سوريا لخدمة المصالح العربية؟

كتبت من قبل عن "نكبه العرب" في سوريا، وكيف أن العرب أخطأوا في حساباتهم الاستراتيجية في تعاملهم مع الأزمة السورية منذ اندلاع الثورة في العام 2011، وحددت أسباب عدة من أهمها اثنان:

الأول؛ هو عدم تقدير قوة المحور الإيراني ومدى سيطرته على القيادة السورية.

أما الثاني؛ فهو غضّ النظر ـ على الأقل في بداية الثورة السورية ـ عن دخول الإسلاميين إلى المسرح السوري، مما أدى إلى تغلغل الجهاديين وسيطرتهم الواسعة على المعارضة السورية.

الآن وبعد سنوات من الدمار، يواجه العرب تحديات جمة في سوريا. فمبدئيا لا توجد رؤية عربية موحدة للتعامل مع الملف السوري، كما أن توغل الدول غير العربية، وخصوصا إيران وتركيا، في سوريا أصبح عميقا، وشائكا، ولا يمكن اقتلاعه بسهولة.

لكي ينجح العرب في سوريا الآن عليهم انتهاج سياسة متعددة الأبعاد.

البعد التركي

على المدى القصير، يجب أن يركز العرب على مواجهة الأطماع التركية في سوريا، وذلك بالعمل على فك الارتباط بين ثلاثي أستانة (روسيا ـ إيران ـ تركيا).

فكل تفاهمات أستانة تعكس غياب القوى العربية عن سوريا. آن الأوان لتفعيل الديبلوماسية العربية بالعمل مع الروس والنظام السوري، وأيضا الولايات المتحدة، على وقف الزحف التركي في الشمال السوري سواء باتجاه مدينة منبج، أو عين العرب ـ كوباني.

توعّد النظام التركي "بدفن الأكراد في خنادقهم" ولكن الجيش التركي لن يستطيع أن يتقدم بدون ضوء أخضر روسي وأميركي؛ وعلى العرب السعي لوقف صدور هذا الضوء.

أكراد سوريا والمتحالفون معهم من العرب والأقليات الأخرى هم رمانة الميزان في المعادلة السورية. فهم المجموعات الوحيدة التي تتطابق مصالحها ـ إلى حد كبير ـ مع المصالح العربية في سوريا. ولذلك وبغض النظر عن ضبابية الموقف الأميركي، يجب أن تقف القوى العربية بوضوح مع الأكراد. فأي انتصار للأتراك وأتباعهم من الإسلامويين العرب هو ببساطة خطر داهم على الأمن القومي العربي في المنطقة.

العلاقة مع النظام

هناك فرق كبير بين التعامل مع الواقع والقبول به. فعودة العلاقات الديبلوماسية مع نظام الأسد تعكس تعامل العرب مع واقع بقاء النظام السوري في السلطة بعد سنين من الحرب الأهلية الشرسة.

ولكن الهرولة لإعادة تأهيل نظام الأسد وإعادة سوريا إلى الجامعة العربية في الوقت الراهن ليست في صالح العرب.

التطبيع مع الأسد يجب أن يكون تدريجيا ومرتبطا بإجراءات إصلاحية من النظام تجاه شعبه ووقف سياسات التغيير الديموغرافي والتهجير القسري التي يتبعها النظام للتخلص من معارضيه.

فالدول العربية، وخصوصا تلك التي تبنت المعارضة السورية، لديها واجب أخلاقي تجاه المدنيين السوريين الذين صدقوا حلم الثورة، ثم دفعوا ثمنا باهظا لهذا الحلم. على هذه الدول أن تدافع عن مصالح السوريين قبل أن تصفق للأسد وتسمح له بالعودة إلى الجامعة العربية.

البعد الإيراني

يخطئ من يعتقد أن الأسد سيتخلى عن حلفائه الإيرانيين من أجل العرب.

لن يستطيع أي احتضان عربي اليوم أن يمسح سبع سنوات من تغلغل إيران و"حزب الله" في سوريا.

لم ينفق نظام الملالي الأموال ويدفع الدماء لكي ينسحب الآن من الساحة السورية. نعم، إيران منهكة اقتصاديا وسياسيا ولكن ما زالت تتحكم في العمود الفقري للنظام ولن تسمح له باللعب بعيدا عنها.

قد يطمع الأسد باللعب على الطرفين، ليكسب المال العربي والحليف الإيراني في ذات الوقت. ولكن على العرب ألا يقعوا في هذا الفخ.

الملف الإيراني في سوريا يجب أن يكون آخر ملف تتناوله القوى العربية. فمن الحكمة تجنب أي مواجهه أو تصعيد مع إيران بينما تستعر المواجهة مع الأتراك و"الدواعش".

أمام العرب فرصة حقيقية للمساهمة بدور فعال في سوريا ولكن لكي يكتب لهذا الدور النجاح يجب على العرب التعلم من دروس الماضي والتحلي بالكثير من الصبر والحنكة.

اقرأ للكاتبة أيضا: السعودية وتحديات مقتل خاشقجي

باختصار، العمل على عودة "سوريا الأسد" إلى الحاضنة العربية هو ضرب من العبث. ولكن بالمقابل يمكن بناء علاقات براغماتية متوازنة مع نظام الأسد تكون نواة لمستقبل أفضل للشعب السوري وتحدّ من الدور الإيراني والتركي في المنطقة العربية.

ولذلك، فمن المهم أن تتعامل الدول العربية مع معطيات الواقع الحالي وتبني سياسة واضحة المعالم تخلو من الغلو في الآمال والتوقعات؛ وعلى العرب إتباع سياسة النفس الطويل، وأن يتحلوا بالصبر والحنكة، وألا يثقوا بوعود النظام السوري، إذا أرادوا ​اجتثاث إيران من سوريا، أو تقويض الدور الإيراني ومنعه من التفرد في الساحة السورية.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

جندي أوكراني مصاب يسير قرب موقع مخصص لإحباء ذكرى جنود كييف المقتولين في الغزو الروسي
جندي أوكراني مصاب يسير قرب موقع مخصص لإحباء ذكرى جنود كييف المقتولين في الغزو الروسي

يصادف يوم الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسمّاها عملية عسكرية خاصة، كان إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها، كييف، ومدنها الكبرى وإسقاط حكومتها وتنصيب أخرى موالية لموسكو ونزع سلاح الجيش الأوكراني واعتقال المئات، وربما الآلاف، من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم.

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل، أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير.

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو وهما فنلندا والسويد والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا.

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية.

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعياتها.

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية "إن المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أمانا" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي سوف تظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة.

ولذلك لم تكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب.

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك بوتين أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى.

في حين قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول إن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي، وفي الوقت ذاته فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي سوف تنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.