طلاب في نيكاراغوا في مسير من أجل الحوار والسلام
طلاب في نيكاراغوا في مسير من أجل الحوار والسلام

عمران سلمان/

ينشغل كثير من المثقفين والناشطين بالتاريخ لإثبات صحة آرائهم أو الحجج التي يطرحونها. فيحلو لبعض هؤلاء حين يريد إثبات حالة اضطهاد سياسي أو ديني مثلا أن يشير إلى زمن أو حادثة بعينها، كي يثبت أن المسلمين اضطهدوا المسيحيين أو المسيحيين اضطهدوا اليهود أو العكس.

الحقيقة هي أن التاريخ يحمل في جنباته أحداثا ومواقف كثيرة في كل الاتجاهات، وبالتالي هي لا تصلح لإثبات شيء. لأنه دائما سوف يكون هناك موقف آخر قبله وبعده وهكذا. طبعا هذا إذا افترضنا أصلا أن ما بين أيدينا هو تاريخ موضوعي. والحال أن التاريخ يكتبه المنتصرون أو الأقوياء دائما. لذلك فإن الرواية السائدة هي رواية المنتصر، وليست بالضرورة الرواية الحقيقية.

ضع نفسك مكان الآخر

وحتى في حالة العثور على حادثة تاريخية تؤكد فكرة ما، فما الفائدة منها وقد أصبحت جزءا من الماضي، وجميع من شاركوا فيها باتوا تحت التراب. يمكن الاستفادة منها في عدم تكرار نفس الحادثة في الحاضر، ولكن هذا لن يكون عبر الاستمرار في التركيز والحديث عن الماضي. فلا يمكن النظر إلى الحاضر عبر تأبيد الماضي.

إن الهدف لا يجب أن يكون إقناع الآخر بأن وجهة نظره خطأ، وإنما الأجدى من ذلك هو مساعدة الآخر على الانتقال إلى مستوى جديد في النقاش، لا يكون فيه غالب ومغلوب، وإنما رؤية جديدة للمشهد ومن زاوية تهم الاثنين. ويكون الهدف هو بناء شراكة في النظر إلى الأحداث بطريقة يمكن البناء عليها من أجل مصلحة الحاضر.

اقرأ للكاتب أيضا: الإدارة الأميركية تدير ظهرها لمشاكل المنطقة

هذا السلوك ينقل العلاقة إلى مستوى جديد، ويمنع تكرار أخطاء الماضي.

ولكي يحدث ذلك يحتاج الإنسان من حين إلى آخر إلى أن يتدرب على وضع نفسه في موقع الآخر، كي يرى ما لم يكن قادرا على رؤيته من قبل. هنا يكون مجال الرؤية قد اتسع لديه لأنه أصبح تحت تصرفه أكثر من رؤية، رؤيته ورؤية الآخر.

هذا يجعله أيضا يتفهم الآخرين والدافع وراء مواقفهم، وماذا يشعرون به، بدلا من الوقوف عند رأيه وموقفه فقط.

استثمر في الإنسان وليس في أفكاره

يجب أن يفرق الإنسان بين الفكرة وصاحبها. فلا يستثمر في الفكرة وإنما في الإنسان. بمعنى أن تركيزنا يجب أن ينصب على نبذ الرأي الذي نعتبره خاطئا وليس إدانة صاحبه. إن إدانة المخالف تجعل أفكاره أقوى لديه، لأن صاحبها سوف يتمسك بها ويرى فيها امتدادا له. بينما التمييز بين الاثنين يساعد الإنسان على رؤية أن مخالفة رأيه ليس مخالفة له. وأن الآراء تذهب وتأتي، تتغير وتتبدل مع الوقت بحسب المعلومات المتوافرة لدى كل إنسان في فترة معينة.

المؤسف أن أغلبنا يهمه فقط أن يخرج منتصرا في النقاش، وأن يثبت خطأ الآخرين. وهو يتصور أن الانتصار الوهمي الذي حققه سوف يجلب له الفائدة. إنه بهذا التصرف يهزم الهدف الذي من أجله جرى النقاش، وهو عدم تكرار الأخطاء الماضية. فهو يجعل الآخرين يتمسكون بمواقفهم ويبحثون عن أدلة جديدة في التاريخ تدعم وجهة نظرهم، ولن يعدموا العثور عليها كما أسلفت أعلاه. وبالتالي يكون قد فوت الفرصة على نفسه وعلى الآخرين، للخروج من الحلقة المفرغة القائمة على التهم والتهم المضادة.

عش الحاضر بدلا من تأبيد الماضي

هذا لا يعني أنني أدعوا إلى إنكار المظالم والاضطهاد الذي تعرض له أتباع مختلف الأديان والطوائف والجماعات عبر تاريخنا العربي أو التقليل من شأنه. على العكس من ذلك، فإن من أبسط حقوق الإنسان أن يحصل على اعتراف واعتذار أيضا عما لحق به أو بإسلافه. ولكن المقصود هنا هو أن الوقوف عند تلك الحوادث ومحاولة إجراء محاكمات بأثر رجعي، وإدانة البشر الحاليين (أو دينهم أو طائفتهم أو عرقهم) عما ارتكب في أزمان ماضية ليس مفيدا.

لأن من شأن ذلك أن ينقل الماضي إلى الحاضر ويفسده ويجعل تلك الحوادث تتكرر وإن بأشكال مختلفة.

المفيد والمطلوب هو أن يساعد كل طرف الآخر على تجاوز الماضي، والتخلص من عقدته، والاستثمار في الحاضر، وأول خطوة في هذا الاتجاه هي أن يهتم كل منا بنفسه، ويبحث في زواياها عن أفكار سلبية أو انتقامية من الآخر، ويضعها على الطاولة بغية تشريحها.

اقرأ للكاتب أيضا: الحكومات لا تتعظ حتى يأتيها النبأ السيء!

أولا؛ سوف يكتشف أن تلك الأفكار في الأعم ليست أفكاره هو وإنما استعارها من آخرين، سواء سمعها أو قرأها أو شاهدها، ولاقت هوى لديه، ثم قام عقله خلسة بتخزينها، وقام هو باستحضارها وترديدها، معتقدا أنها أفكاره.

وثانيا؛ سوف يكتشف أنها من حيث جوهرها تنتمي إلى الماضي، بمعنى أنها تكونت في الغالب عن أحداث ماضية ولا تعكس بمجملها ما يدور في الواقع الحالي. لذلك هي تواصل العيش في عقل الإنسان، حيث لا يمكن تحديها، لأن الماضي قد انتهى وما بقي منه مجرد روايات وتفسيرات ذاتية.

ثالثا؛ وأخيرا، سوف يكتشف أنه لا يمكن تحقيق شيء حقيقي وذو قيمة، إلا بالتعاون مع الآخر وليس معاداته أو نفيه، وإن أقصر الطرق لذلك هو الانطلاق من الحاضر، بنية صادقة وقناعة أكيدة وشعور بأن الجميع يمكن أن يخرجوا منتصرين.

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.