صورة لنموذج لنوستراداموس
صورة لنموذج لنوستراداموس

كوليت بهنا/

تحظى برامج معظم المحطات اللبنانية بنسبة عالية من المشاهدة في كل من لبنان وسوريا وبعض دول الخليج، وفي عدد من دول أميركا اللاتينية وإفريقيا وكندا حيث تتواجد نسبة عالية من المهاجرين اللبنانيين. أسباب كثيرة خلف هذه النسب المرتفعة، في مقدمها التوجهات الطائفية لكل منها، وبسبب التوجهات ذات الطبيعة التجارية و"التسليعية" التي تنتهجها في رسم سياسة برامجها، ونجاحها في خلق الأسباب الجاذبة للجماهير المستهدُفة من تعبئة أو حشد أو تسلية و"فرفشة" على الأصعدة العقائدية والسياسية والاجتماعية والفنية كافة.

من بين هذه البرامج ذات الاستقطاب الواسع للجماهير، برامج التنجيم التي تختص بها معظم المحطات اللبنانية في موسم رأس السنة الميلادية من نهاية كل عام. ينتشر المنجمون والمنجمات والعرّافون والعرّافات والمتنبئون والمتنبئات، وكأن لبنان بات مساحة مفتوحة للغيبيات أو بلورة تنجيم، يتكاثر فيها مع كل عام جديد، عدد من مدعيّ القدرات ـ فوق العادية. مع العلم أن كل الجهود والقدرات العادية وغير العادية فشلت بتأليف الحكومة اللبنانية الجديدة. ومع غياب أفق الإصلاحات الجدية والقدرة على الحد من الغلاء الفاحش وجميع أشكال التنمية والخدمات، وترك البلاد لمصيرها المجهول، يتناقل الناس توقعات فناني الشعوذة الجديدة أو دجل "البزنس" التنجيمي الجديد.

اقرأ للكاتبة أيضا: أحباب السودان

من المعروف أن علم النجوم، وله مرادفات أخرى منها النجامة والتبريج والتفلك، ويعرف عند الغربيين باسم "الأسطرولوجيا" ويصنف كنوع من العلوم الزائفة، علم مغرق في قدمه لدى شعوب كثيرة منها العرب والإغريق والرومان واليونان والهنود والفرس وقدماء المصريين في عهد الفراعنة ومن قبلهم الكهنة عند البابليين والسومريين وشعوب الأزتيك والمايا، ويعتمد على حسابات دقيقة في حركة الكون ورصد حركة النجوم وتبدل مواقعها وغيرها من الملاحظات شديدة الدقة التي تنعكس على حركة الأرض والتغيرات المناخية أو الجيولوجية التي تحدث فيها.

وهو علم اعتمدت بعض مرجعياته التاريخية في العصر الحديث عبر تدعيمه بالعلوم والتكنولوجيا الحديثة وأبحاث الفضاء، لكن ربط هذا العلم وتفرعاته بالأبراج الخاصة بمواليد كل شهر من السنة، والحديث عن أن كوكب جوبيتير سوف يقلب حياة كل الأبراج، أو أن كوكب أورانوس سيحمل طالع السعد لأصحاب هذا البرج أو غيره، لا يعدو أن يكون محض كلام بغرض التسلية واستلاب العقول وتضييعا لجهود البشرية في الدفع نحو البحث العلمي والتخطيط العقلاني، وبخاصة حين تكشف العديد من الدراسات عن حجم الإيمان المطلق لعدد هائل من الناس بتوقعات الأبراج وتصديقهم لها واعتمادهم عليها في تحركاتهم اليومية أو تخطيطهم لعام كامل تبعا لهذه التوقعات، إضافة إلى ارتباطها الوثيق بعلاقاتهم الشخصية، فيحبون أو يكرهون تبعا لأبراجهم الشخصية وأبراج الآخرين.

وفي تطور ملفت لبرامج الأبراج والتنجيم اللبنانية السنوية، بات إقحام حركة رجال السياسة بحركة النجوم مطلب ملحّ يستعد للاستفسار عنه عالم أو عالمة التنجيم ويقوم بالتجهيز له مسبقا، فتنصح النجوم ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ رئيس الوزراء سعد الحريري وهو من برج الحمل، أو الأمين العام لـ"حزب الله" حسن نصر الله وهو من برج العذراء، أو الوزير جبران باسيل وبرجه محيّر وملتبس بين برجي الجوزاء والسرطان، أن يتوخوا الحذر من خصم ما، أو يُنصحوا بعدم الإقدام على خطوة سياسية أو عدم التردد، وفي المحصلة سوف تلتصق هذه المعلومة بذاكرة المشاهد ممن يؤمنون بتوقعات الأبراج، ويربط فشل تشكيل الحكومة أو تفشيل الوزير جبران باسيل لها ويبررها له بسبب تأثيرات كوكب بلوتو عليه في هذه اللحظة التاريخية وعدم إنصاته لما نصحه به جوبيتير الجبّار.

فإن تقبل المرء ما تقدم من برامج الأبراج اللبنانية وتوقعات النجوم والتعامل معها ببعض الهزل، كيف يمكن تقبل انتظار المشاهدين السنوي لكوكبة من المتنبئين وما تحمله تنبؤاتهم التي لا تعتمد على علم الفلك أو على حركة النجوم، وإنما على ادعاءاتهم بالتنبؤ للمستقبل وعلم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله؟

المراقب لهؤلاء المتنبئين خلال السنوات الماضية، سوف يلاحظ أن تنبؤاتهم تزداد تطورا، وكأن الإلهام يهبط عليهم بالتقسيط، حيث ابتدأوا في بدايات ظهورهم ببعض التنبؤات الخاصة بعدد من الأحداث والكوارث التي قد تحدث في لبنان، ومن ثم توسعت تنبؤاتهم وباتت تشمل الدول المجاورة ودول العالم العربي وعدد من دول العالم.

كما تطورت تنبؤاتهم التي كانت شبه عامة في البدايات، وصارت تختص بعدد كبير من الشخصيات الشهيرة في عالم السياسة أو الفن وتحديدهم بالاسم، مع تحديد الشهر واليوم والساعة، وأحيانا المكان الذي سيحدث به التنبؤ المتوقع لهم؛ حتى أن المتابع لتجليات المتنبئ وقيامه بحركات الوجه المطلوبة بأنه "يرى" ما لا يراه البشر العاديون، يشعرك أحيانا بأن هذا الرجل قد خرج لتوه من حرم سفارة ما أو من فرع أمني محلي أو عربي، أو من بيت مسؤول كبير واتجه إلى استديو المحطة التي تستضيفه ليدلي بتنبؤاته الخاصة بشخصية سياسية ما ويوصل لها الرسالة المطلوبة تحت مسمى تنبؤات.

اقرأ للكاتبة أيضا: في مديح اللغة العربية

لا تكتفي بعض المحطات بالاستضافة السنوية لهؤلاء المتنبئين نهاية كل عام، بل تستعيد من أرشيفها الخاص ما سبق لهذا المتنبئ أن قاله قبل عام وما تحقق من نبوءاته، وتصدقه تصديقا كاملا أقرب للخشوع، وتحاول أن تشرك المشاهد في هذا اليقين الإيماني، وتذكرك مثلا بأن الكارثة الجوية التي حدثت في مطار بيروت هي ترجمة وتحقق لكلامه الذي قال فيه إنه يرى حزنا ودموعا في مطار بيروت، دون أن تترك للمشاهد فرصة للتفكير المنطقي بأن الحوادث أمر يتوقع حدوثه باستمرار في كل مطارات العالم، وبأن الحزن والدموع قد يكونان بسبب هجرة اللبنانيين المستمرة من بلدهم و"طفشهم" من حياتهم المعيشية الصعبة.

بات معتادا أن تكون صورة لبنان كبلد مدهش في جمالياته ومفاجئ في تناقضاته الايجابية والسلبية، لكن من المحزن بالتأكيد أن تكرس صورته كبلد مصدّر للزيف والتنبؤات التي تضعه مرة تحت رحمة جوبيتير وأعوانه، ومرة تحت رحمة الغيبيات ومروجوها.

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟