نجود محمد خلال تحرك في العام 2010 يطالب بفرض سن 17 كحدّ أدنى للزواج في اليمن
نجود محمد خلال تحرك في العام 2010 يطالب بفرض سن 17 كحدّ أدنى للزواج في اليمن

د. عماد بوظو/

يعاقب القانون في دول العالم المتقدم على إقامة علاقة جنسية بين راشد وفتاة دون الثامنة عشرة من العمر. في فرنسا العقوبة هي السجن لثلاثة أعوام مع غرامة مالية كبيرة، وخلال عام 2018 شددت الحكومة والبرلمان الفرنسي العقوبة على من يمارس الجنس مع فتاة دون الخامسة عشر من العمر واعتبر اغتصابا حتى لو تم برضى الفتاة، وفي مثل هذه الحالة تصبح العقوبة في ألمانيا وإيطاليا والتشيك السجن لثماني سنوات، كما أن للقاضي أن يشدد العقوبة في العلاقة مع قاصر تبعا لخصوصية كل حالة مثل الفارق الكبير بين سن الجاني والضحية أو اتباع بعض أساليب الخداع والترغيب.

وفي الهند قضت المحكمة العليا عام 2017 بتجريم العلاقة الجنسية مع الزوجة إذا كانت دون الثامنة عشرة، على أن تتقدم الزوجة بالشكوى في غضون سنة من إجبارها على إقامة العلاقة الجنسية، واعتبرت الحكومة الهندية أن زواج الأطفال عقبة أمام التنمية، وأمام التعليم الإلزامي والمساواة بين الجنسين، وحماية حياة الأطفال وصحة المرأة.

كذلك قرر الكنيست الإسرائيلي قبل بضع سنوات رفع سن الزواج إلى 18 عاما بعد أن كان حسب الشريعة اليهودية 12 عاما، وكذلك فعلت الكنائس المسيحية في أغلب دول العالم متخلية عن الحد الأدنى السابق لسن زواج الفتاة وهو 14 عاما.

اقرأ للكاتب أيضا: لماذا يسكت المسلمون؟

تعديل القوانين عالميا حول سن الزواج أعاد النقاش حول تعريف البلوغ الجنسي؛ فمن الناحية الطبية البلوغ هو الانتقال من مرحلة الطفولة للمراهقة إلى اكتمال النضوج والدخول في مرحلة الشباب، وهي عملية تستمر لعدة سنوات، تبدأ عند الفتيات مع بداية ظهور الخصائص الجنسية الثانوية تعقبها فترة الحيض التي تحصل في المتوسط بين عمر 12.5 و13 سنة. ويكون الحيض عند 80 في المئة من الفتيات بدون إباضة في السنة الأولى، ويستمر بدون إباضة عند 50 في المئة منهن في السنة الثانية، ثم فيما بعد يتم استكمال الخصائص الجنسية والنمو الجسمي، وتستمر هذه العملية حتى سن الثامنة عشرة.

لذلك، في معظم دول العالم مثل الولايات المتحدة وبريطانيا والصين والهند فإن سن البلوغ القانوني هو 18 عاما، ويصل في بعض الحالات إلى 21 عاما، ولذلك، فإن الحيض من الناحية الطبية والقانونية لا يعتبر مؤشرا على النضوج الجنسي ولا دليلا على جاهزية الفتاة للعلاقة الجنسية، بل تعتبر العلاقة الجنسية معها في هذه المرحلة حسب القوانين الدولية انتهاكا للطفولة.

حسب منظمة الأمم المتحدة للطفولة "اليونيسيف" فإن زواج الأطفال يمثل الشكل الأكثر انتشارا من حالات الاعتداء والاستغلال الجنسي للفتيات، وقالت المنظمة إنه في الفترة بين 2011 و2020 ستتزوج 140 مليون فتاة حول العالم دون عمر 18 عاما، كما أشارت إحصائياتها أن 16 مليون مراهقة يلدن كل عام، 90 في المئة منهن متزوجات، ويموت منهن سنويا نتيجة مضاعفات الحمل والولادة 50 ألفا.

فالحمل والولادة هو أحد أكثر الأسباب شيوعا لوفاة الفتيات بين عمر 15 و19 عاما، كما أن الفتيات دون عمر 15 عاما أكثر عرضة للموت أثناء الولادة بسبعة أضعاف النسبة الطبيعية، وبالإضافة إلى ذلك فإن المراهقات أكثر عرضة لحدوث تمزقات الرحم وللناسور المهبلي المستقيمي أو المهبلي المثاني ولارتفاع الضغط الشرياني الحملي، كما أن الحمل في سن مبكرة يؤثر سلبا على نمو عظام الفتاة الحامل، وإلى ذلك ترتفع بأكثر من 50 في المئة نسبة ولادة أجنة ميتة ووفيات الأطفال حديثي الولادة عند المراهقات مقارنة مع الأمهات فوق سن العشرين.

وحسب دراسة للأمم المتحدة فإن الزواج المبكر يحرم الطفلة من متابعة تعليمها، وتكون عرضة بدرجة أكثر للعنف الزوجي والاغتصاب من قبل الزوج، خاصة إذا كان فارق السن بين الطفلة والزوج كبيرا.

وتقول كلوديا غارسيا مورينو من وخبيرة العنف ضد المرأة في منظمة الصحة العالمية، إن "زواج الأطفال يشكل في كثير من الأحيان بداية مفاجئة وعنيفة للعلاقات الجنسية (...) إن الفتيات الصغيرات عاجزات عن رفض ممارسة الجنس ويفتقرن للموارد والدعم القانوني أو الاجتماعي لمواجهة الإساءة الزوجية".

رغم ذلك، ما زال هذا النوع من الزواج منتشرا في الدول والمجتمعات المتخلفة والفقيرة. وفي أغلب هذه الدول هناك نسبة سكانية مرتفعة من المسلمين؛ ففي إيران هناك أدنى سن قانوني للزواج في العالم وهو تسع سنوات؛ وفي بنغلادش ثلثي حالات الزواج تتم دون الثامنة عشر ونصف الحالات دون 15 عاما؛ وتحتل اليمن موقعا متقدما في زواج الفتيات الصغيرات حيث نصف النساء تزوجن قبل الثامنة عشر وبعضهن قبل الخامسة عشرة.

ونتيجة ذلك، تكررت في اليمن حالات وفاة طفلات نتيجة هذه الممارسات، مثل الطفلة روان التي توفيت وهي في الثامنة من عمرها ليلة "زفافها" لرجل أربعيني نتيجة محاولته معاشرتها جنسيا مما أدى لتمزق جهازها التناسلي ونزفها حتى الموت؛ وهناك قصة إلهام 12 عاما التي توفيت بعد ثلاثة أيام من زواجها بسبب العنف الجنسي وطالب أهلها بإعدام الزوج؛ وهناك قصة الطفلة نجود علي التي زوجها أبوها لرجل ثلاثيني وبعد شهرين من الضرب والتعذيب عند الزوج هربت للمحكمة التي حكمت بطلاقها لتصبح في عمر العشر سنوات أصغر مطلقة في العالم؛ وهناك ندى الأهدل التي تمت خطوبتها في سن الثانية عشرة ورفضت وهربت لتصبح ناشطة في قضية زواج القاصرات؛ وقد أطلق على هؤلاء الطفلات في اليمن اسم "عرائس الموت".

وتقول بعض التقارير الصحفية إن هناك ثماني حالات وفاة يوميا من مضاعفات زواج القاصرات؛ ومع الإشارة إلى صعوبة تأكيد هذه الأرقام من مصادر رسمية بسبب عدم اعتماد السجلات الحكومية في الكثير من مناطق اليمن، فقد رفضت لجنة تقنين أحكام الشريعة الإسلامية محاولات الحكومة لرفع سن الزواج إلى 18 أو حتى 15 عاما باعتباره يخالف الشرع الإسلامي.

وكان هذا هو موقف أغلب المراجع الدينية الإسلامية التي ما زالت تعتبر أن تحديد القضاء لسن الرشد 18 عاما مخالف لأحكام الشريعة الإسلامية، وأن مطالبات لجنة حقوق الطفل غير مقبولة لأن الشريعة الإسلامية ترتب المسؤولية على الذكر والأنثى عند الوصول إلى حد التكليف، حين تتوجب عليه الفرائض الشرعية كالصوم والصلاة والحج وتقام عليه الحدود والقصاص ويصبح بإمكانه النكاح، وعلامة حد التكليف هي الاحتلام عند الذكر والحيض عند الأنثى، وهي متوقعة عند الأنثى في عمر تسع سنوات، كما يشمل التكليف كل من أتم 15 سنة حتى بدون ظهور هذه العلامات.

ورغم أن المذهب الحنفي، وهو أقدم المذاهب الإسلامية وأقربها عهدا إلى فترة الدعوة وعصر الصحابة وأوسع المذاهب الإسلامية انتشارا، يقول إن الطفل لا يكون بالغا حتى يتم الثامنة عشرة واستدل على ذلك من الآية "ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده" الأنعام 152. وتم تفسير أشده باستكمال نموه، وحسب ابن عباس فإن أشد الصبي هو عند 18 عشر عاما وعند الأنثى 17 عاما؛ فإن رجال الدين الحاليين تجاهلوا القرآن والمذهب الحنفي وادّعوا أنهم يأخذون أحكامهم من المذهب الشافعي لكي يجعلوا المقياس الشرعي لسن زواج الطفلة هو أن تكون حسب تعريفهم "تطيق الجماع" وهذا التعريف لا يشترط حتى البلوغ!

فحسب موقع الإشعاع الإسلامي فإن الأنثى تعتبر بالغة بمجرد أن عمرها تسعة أعوام قمرية. وعن موقع ابن باز فإن الفتاة يمكن تزويجها عند التاسعة بإذنها، ويمكن لأبيها تزويجها دون التاسعة، معتمدين في ذلك على حديث منسوب لعائشة "إذا بلغت الجارية تسعا فهي امرأة".

 

ربما كان هذا الموضوع شائعا أو مقبولا في تاريخ البشرية عندما كان متوسط الأعمار بحدود 40 أو 45 عاما، أما في هذه الأيام فقد ارتفع معدل الأعمار ضعفين خلال القرن العشرين. كما ارتفع خمس سنوات أخرى بين عامي 2000 و2005، وعندما يطول عمر الإنسان فإن طفولته تطول وكذلك شبابه وكهولته وشيخوخته، ونتيجة لذلك فقد تم تعديل سن الزواج عند أغلب دول العالم، بينما ما زالت المرجعيات الإسلامية تراوح مكانها في مناقشة هذا الموضوع رغم أهميته، وحتى عندما يحاول بعض رجال الدين إيجاد المبررات لرفع سن الزواج فإنهم يقولون إن "بإمكان الحاكم تقييد المباح للمصلحة العامة" أي أنهم ما زالوا يعتبرون أن الأصل في زواج الطفلات من الناحية الدينية هو الإباحة.

اقرأ للكاتب أيضا: جرس إنذار حول انتشار الإيدز شرق المتوسط

من أسباب تمسك رجال الدين بما يسمونه عقد الزواج الشرعي أنه يعطيهم مكانة اجتماعية وعائدا ماليا، رغم أن بعض عقود الزواج التي يجرونها تترقي إلى مستوى الجريمة بحق الطفولة والإنسانية، مثل تزويج طفلة من بيئة فقيرة في الرابعة عشرة أو الخامسة عشرة من عمرها لثري محلي أو عربي في الستين من عمره في عقد هو في حقيقته أقرب لسوق النخاسة أو استئجار جسد فتاة لغايات جنسية باسم الشريعة.

وفي بعض الحالات يكون رجل الدين نفسه هو العريس، ففي إندونيسيا كشفت تقارير عن رجال دين يتزوجون فتيات قصّر بعضهن دون 12 عاما وطالبت بعض الجهات القانونية بسجنهم ولكنها لم تتمكن من تحقيق ذلك.

ولذلك، لا يكفي تحديد سن قانوني للزواج بل يجب محاسبة تجار الدين الذين يجرون عقود زواج "شرعية" جائرة لما يلحقونه من أذى بالطفولة والمجتمع.

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.