رسم يحتفي بالموسيقى في إل باسو في تكساس
رسم يحتفي بالموسيقى في إل باسو في تكساس

رياض عصمت/

في زمن الأزمات، كثيرا ما تعمد الأنظمة الحاكمة إلى التفريق بين البشر مستخدمة وسائل الاتصال الجماهيري، وكذلك لا تتورع أن تفعل المعارضة التي تمتلك وسائل إعلامية مشابهة. في ظرف كهذا، تصبح مسؤولية الثقافة مضاعفة لبناء جسور تفاهم عبر الهوة وإعادة توحيد أبناء الأمة الواحدة قبل أن يفتتها الخلاف.

تلك هي جذور المواجهة الأزلية بين الإعلام والثقافة. يعنى الإعلام بالمصالح، بينما تعنى الثقافة بالمبادئ. يركز الإعلام اهتمامه على المتغيرات، بينما تركز الثقافة على الثوابت. يضع الإعلام نصب عينيه الوضع الراهن، أما الثقافة فترنو إلى المستقبل. يعنى الإعلام بما هو آني، بينما تعنى الثقافة بما هو خالد. يأمل الإعلام في مجرد حسن الأداء، أما الثقافة فلا تقبل بما هو أقل من الإبداع المطلق.

ظلت الخلافات قائمة طويلا بين الثقافة والإعلام، المستتر منها أكثر من الظاهر، تماما مثل هيكل سفينة عائمة على الماء يظهر منها للعيان أقل مما هو مختف. يلاحظ الناس أن المعلن عنه صراحة يقتصر ربما على التدخل لمنع نشر كتاب أو عرض مسرحية أو فيلم سينمائي بدعوى عدم ملاءمته للمفاهيم السياسية السائدة، وهو أمر يعامل كالكفر المبين.

بالتالي، فالوصاية الإعلامية على الثقافة والفنون هي وصاية تحاول إقناع المبدعين بالالتزام بالتوجهات المسيسة والملتزمة، إذ دأب الإبداع في الرواية والقصة القصيرة والشعر والمسرح والسينما، وحتى في الدراما التلفزيونية، على تحدي السائد ومناوءة المسلم به، وعلى مقاربات فنية/أدبية فيها من الجرأة القدر الكبير.

اقرأ للكاتب أيضا: هل آن الأوان لإغلاق وزارات الإعلام؟ (1)

تكمن أهمية الثقافة في أنها خط الدفاع الأول عن الحق والمشروعية والحرية والعدالة. لذلك، تعتبر الثقافة، لا الإعلام، هي المسؤول الأول عن تأسيس الوعي لدى جيل الشباب، والوعي هو دعامة تماسك المجتمع ووسيلة تطوره السليم.

في زمن الحروب الأهلية، يسارع الإعلام لبث الأوهام وإزكاء الأحلام من أجل غاية، أما الثقافة فتتحرى الحقيقة دون أن تتوقف عن الانتقاد والمناداة بالإصلاح. تحاول الثقافة الامتناع عن التورط في الدعائية، وتتريث طويلا قبل إصدار الأحكام حتى انتهاء الأزمة وتبين الخيط الأبيض من الأسود. لذلك، فإن الثقافة تتابع مهمتها في الترفيه والتنوير دون التورط بالمباشر والراهن.

خلال الحرب العالمية الثانية، بينما كانت الطائرات الألمانية تغير على لندن وتقصفها، لم يتوقف الناس عن الذهاب إلى المسرح لرؤية لورنس أوليفييه يمثل مسرحية شكسبير. حين كانت تدوي صفارات الإنذار، كان الجمهور اللندني ينزل إلى الملاجئ، لكنه كان يعود بعد انتهاء الغارة الألمانية لمتابعة بقية المسرحية. لم تتوقف الحياة في إنكلترا بسبب القصف والعدوان، بل ظل النصر المعنوي سباقا على الانتصار العسكري، وكامنا في تصميم الناس على متابعة نمط حياتهم المألوف.

بالتالي، فإن صمود الثقافة وأدائها لدورها الطبيعي في رفع الروح المعنوية للشعب، وإراحة النفوس القلقة من كوابيس الموت والدمار، هو المقدمة للانتصار الحقيقي، بعيدا عن دعائية الإعلام الموجه بشكل صارخٍ ومباشر.

خلال الحروب الأهلية أيضا يصبح من أولويات الواجب الثقافي العمل على التواصل مع فئات المجتمع كافة للتذكير بأمور مشتركة بناءة بين الجانبين المتصارعين، مثل وحدة التاريخ والمصير، موضحا الثراء الكامن في تعدد أطياف المجتمع مثل قطعة الموازييك، ومركزا على إحياء القيم الوطنية باستعادة عبرٍ مستخلصة من تاريخ الأمة العريق، كحكمة ابن خلدون وانتصارات صلاح الدين الأيوبي، شاء من شاء، وأبى من أبى.

يعبر موقف الثقافة هذا عن تمسك المبدعين الوطنيين بكل ما هو نبيل في تاريخهم، بل وبكل ما هو كفيل بلئم الجراح، لأنه من المحتم على كل أزمة أن تنتهي مهما طال أمدها. يجب ألا يعمي هدف إنهاء الأزمة الأنظار عن إنجازات الثقافة وإبداعات الفنون، فما يروج له الإعلام زائل، وإنجازات الثقافة باقية.

يروى أنه سادت مصر عقب قيام ثورة تموز/يوليو 1952 فكرة لحظر أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب ونجيب محفوظ وتوفيق الحكيم بوصفهم رموزا تمثل العهد الملكي البائد. عندما وصل الخبر سمع الرئيس جمال عبد الناصر، أمر برفع أي شكل من أشكال الحظر والاضطهاد عن أولئك المبدعين الكبار، فكسب بذلك إبداعهم، بل ووظفه للإسهام بدعاية مباشرة أو مستترة.

بغض النظر عن القمع الاستخباراتي، عندما اعتزمت سلطات الإعلام والأمن في مصر معاقبة الشاعر الكبير نزار قباني بسبب قصيدته السياسية الجريئة "هوامش على دفتر النكسة"، اشتكى الشاعر السوري برسالة لجمال عبد الناصر، فأمر بمعاملته بالشكل اللائق الذي كان يعامل به من قبل، مما جعل نزار قباني يرثيه عند وفاته بقصيدة لم يرث بها أحدا سواه في حياته الشعرية كلها.

جرى أمر مشابه حين منعت الرقابة ديوان الشاعر أمل دنقل، بينما أوعز عبد الناصر عندما اشتكى الشاعر إليه، سامحا بنشر قصيدته التي استخدم فيها الإسقاط التاريخي عبر هجائه للوزير كافور، فأثبت بذلك القرار الذكي بطلان المقارنة مع كافور الأخشيدي، مثبتا أن ذهنه أكثر انفتاحا من أذهان رؤساء الأجهزة الإعلامية والأمنية من حوله.

يتجلى وعي المسؤول الثقافي الناجح عبر الانفتاح على الرأي الآخر، ومدّ اليد لمصافحة الإبداع الجيد حتى لو أتى من معارضين، ورفض الإبداع الرديء حتى وإن أتى من موالين. الثقافة الحقيقية الخالدة قائمة على الاختلاف والتنوع في الرأي، وهي لا تتطور حسب توجيهات وأوامر عليا أو من خلال وصفات جاهزة من سلطة حاكمة، أو من معارضة طامحة لإحداث تغيير ما. إن وزارات الثقافة عموما لا تصنع ثقافة، فواجبها ومهمتها يقتصران على خلق تربة خصبة تصلح لإنتاج الثقافة، وليس تولي احتكار صنعها حسب قوالب جاهزة. إن الإبداع لا يمكن تطويره بقرارات رسمية، بل نجده يسوَّق ويروَّج ويحتفى به غالبا من قبل مبدعين يشغلون مناصب ثقافية، هم الأقدر على استيعاب التنوع والتعددية، وعلى تقبل مشروعية الاختلاف.

اقرأ للكاتب أيضا: هل يمكن الصفح في عيد الميلاد؟

لذلك أيضا، فإن نجاح أية إدارة ثقافية يكمن في وضعها الأطر الملائمة لتشجيع المبدعين وخلق مناخات إبداع ملائمة عبر إتاحتها فسحة واسعة من الحرية. كما يتجلى تكريم الإبداع في احترام جرأته وصراحته ونقده البناء، وعدم استهجان جرأته وصراحته.

لذلك، يخطئ من يعتقد أنه يمكن أن توضع للثقافة قوانين صارمة، لأن النتيجة الحتمية تصبح تهميش الثقافة وإتباعها لغرضية لا تلائم مناخ الحرية والإصلاح. كانت الثقافة وستبقى فاعلا، وليس مفعولا به، لأن الفارق شاسع بين الإبداع والاتباع.

لا بد أن يدرك المسؤول عاجلا أم آجلا الخطأ في اعتماد التجنيد للموالين أو التخوين للمعارضين، لأن واجب إدارة الثقافة أن تضحي بالآني من المكاسب السياسية السطحية من أجل ما هو مستقبلي وخالد من قيم سامية، بالأخص عبر الاحتفاء بالأعمال الطليعية الرائدة، التي تستشرف المستقبل وتتوجه إلى الجيل الجديد من الشباب بمزيجٍ من الإمتاع والتنوير.

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

صورة من كتاب "Tom Waits by Matt Mahurin" Copyright: Matt Mahurin

"ما هذا الهراء!؟"

السؤال الاعتراضي الذي باغتني به أحد أساتذتي في جامعة الفنون في برلين، أثناء تواجده الأسبوعي في استديو العمل الخاص بي والمشترك مع أربع طلاب آخرين. للوهلة الأولى اعتقدت أنّه يتحدّث عن لوحتي المعلقة على الحائط.

في تلك اللحظة، كان الوصف ليكون أكثر تقبّلاً من قبلي على أن يكون تجاه الموسيقى التي تدور في فضاء الاستديو. مشيراً بإصرار مع ابتسامة فوقيّة تجاه هذا النوع من الموسيقى على أنّها تمثّل الهبوط والقاع في أحسن أحوالها. دون أن يستفيض لماذا، وعلى ماذا استند يقينه بأن ما يُسمع في تلك اللحظات من موسيقى تصدح من مكبّر الصوت هو "هراء"!

لماذا يتفق الجميع على أشياء تبدو عاديّة دون أي ذبذبات مثيرة للاهتمام من قبلها، لكن الإجماع على علوّ قيمتها بصريّاً أو سمعيّاً يحوّلها أتوماتيكيّاً إلى موضوع جيّد متفق عليه؟ غريب! وأي اعتراض عليها يحمّل صاحبها بصفة "الذائقة السيئة"، أو توجيه تهمة "الرغبة في التميّز عن السائد لمجرّد الاختلاف" التمييز بمعناه المفرغ من محتواه.

مثلاً قول أشياء من قبيل: "لا أحب موسيقى بيتهوفن" أو "صوت فيروز يدفعني للوقوف على جرف جبل ورمي نفسي عند لحظة تأوهها بكلمات الحب والوله للحبيب المجهول!" التفوّه بهذه الأشياء يشبه المساس بالمقدّسات، يحتاج إلى القليل من المخاطرة في الإفصاح عنه. لا أعني المخاطرة بما تحمل الكلمة من مفاهيم أسطوريّة، أعني الدخول في سجالات لا جدوى منها.

"أوكي، نزيف في الأذنين في أسوأ الأحوال!" أجبته ورفعت صوت الموسيقى أكثر وأكملت الرسم الأوّلي لـ باطن قدمي الأيمن بقلم الفحم العريض، بخطوط سريعة عشوائيّة يُكمِل سرعتها صوت "توم وايتس" مردّداً عبارات متتالية مع انقطاع ملحوظ في الشهيق والزفير "الله غائب، الله غائب، الله غائب في عمل" (God's Away On Business)

 الكتاب المصوّر "وايتس/كوربيجن 77-11"

كانت الصورة الأولى الملتقطة من قبل المصوّر والمخرج السينمائي الهولندي أنطون كوربيجين لتوم وايتس، والتي تعود لعام 1977 في هولندا نقطة البداية التي ساهمت فيما بعد بتعاون فنّي دام سنوات طويلة.

التعاون الذي بدأ بالتقاط صورة باللون الأحادي، الطابع الذي تم اعتماده فيما بعد ليكوّن أغلبية المشاهد المتدرّجة بتكثيف لوني بين مختلف درجات السواد والرمادي والبياض الخارج عن نقائه المعتاد. التدرّج الذي كان له دور في خدمة سياق المشاهد وعبثية تشكيلها. جُمعت المشاهد في أرشيف موثّق ليتم إطلاق مجموعة مصوّرة بكتاب واحد تحت عنوان:  "وايتس/كوربيجن77-11" الكتاب الصوري المصنوع غلافه من الكتّان.

يضم الكتاب أكثر من 275 صفحة لمشاهد تمّ التقاطها على مدار ما يقارب 35 سنة. توثيق لحياة وايتس بين عمر الـ 27 لـ 61 تقريباً. المفارقة أن تسلسل المشاهد يختلف زمانياً ويبدو الأمر جليّاً في ملامحه، التجاعيد، بعض الانحناءات والاكتناز في بعض مناطق جسده، ثقل الحركات البلهوانيّة التي أصبحت أكثر انضباطاً من مشهد لمشهد، لكن اللعب واللهو والسحر في حركاته لم يخفت نهائيّاً، إن قلّ ارتفاعه وجنونه في المشاهد المصوّرة في عمرٍ أصغر. يتسلّق أغصان الأشجار، يعتدي على البرك المائيّة الراكدة بقدمين حافيتين، وعلى وجهه تعابير تسخيف طفوليّة لكل ما هو موجود، وكأنما جسده يؤدي دور المقاوم أمام التقدّم في العمر. مقاومة جسديّة ساخرة أمام تدفّق الزمن المتسارع الجدي. التحرّر من سلطة الوقت والنضج بروح الدعابة المحارب أحياناً في عدد من المنصات الثقافيّة والفنيّة على أنها تقليل من قيمة ومعنى كل من يتورّط في هذه المجالات.

تتنوّع المشاهد بين عناصر مختلفة من نسور وأشجار عارية مائلة متدليّة نحو ظلّها، تكاد تبدو ميّتة.

غربان وشوارع فارغة وحصان ثابت كأنه دمية أو زينة موضوعة كتجهيز فنّي إلى جانب سيارة مركونة، تستدعي للتساؤل عما إذا كانت مصادفة أم عن قصد وجود عنصرين يشكلان مفارقة زمانيّة وتاريخيّة.

بقع متفشية مجهولة التكوين. ظلال بشريّة والكثير من العناصر المجتزأة من سياقها. ولكن المشترك بين هذه الأشياء؛ ثباتها ضمن فضاء يحتضن عنصرا أساسيا مفعما بالحركة، جسد توم وايتس المتسم بالخفّة، المتحرّر من كادر الصورة. وجهه وحركاته البهلوانيّة الهائمة في الهواء. إن لم يكن جسده فظلّه. إن لم يكن ظلّه، تتفاجأ بأن الصورة ملتقطة عن طريقه متعدّياً على صديقه المصوّر لكي يضعه خارجاً، مبعداً إياه عن أي صلة بالنتيجة البصريّة المحتملة أو النهائيّة.

تتضّمن بعض الصور اقتباسات من بعض أغاني وايتس، سطور نثريّة أو عناوين طويلة تبدو كأنها نصوص قصيرة جدّاً لوصف الصورة أو لإكمال كادرها لغويّاً. غالبية الصورة غير مجهزة، لكن حتى المشاهد المجهزة تبدو ساحرة غير مفتعلة أو بالغة في التركيب كالمشهد المصوّر في أحد شواطئ أوروبا معلّقاً كرسيّا خشبيّا حول رقبته، وممسكاً بآلة موسيقية نفخيّة أقرب إلى رأسه موازية لكتفه في يد، وآلة الكمان في اليد الأخرى الأقرب إلى القسم الأسفل من جسده باتجاه الأرض.

أكثر من 50 صفحة موزعة تضم صور التقطها وايتس بنفسه، تكمن الدهشة في هذه الصور بأنها ليست احترافيّة، مشاهد أكثر استرخاء، خارجة عن نطاق قواعد الصورة، أنصاف كوارد، مائلة قليلاً. تماماً كما يبدو وايتس في مقابلاته ومقاطع الفيديو المرافقة لموسيقاه المغناة.

جسد منتشٍ، مترنّح من تأثير الكحول. مسترخٍ على كرسي في مقابلة تلفزيونيّة، غير مهتم لقواعد المقابلات المعتادة بأن يكون ثابتا، لمّاحا، حاضر للإجابة. لا على الإطلاق، لا يهتم بالفضاء المحيط به وأنه محط أنظار، يبحث عن عود ثقاب ليشعل سيجارته بينما المقدّم والجمهور الحاضر ينتظر إجابته.

يأتي الكتاب مكمّلاً وليس منفصلاً عن موسيقى وايتس، تلك الموسيقى التي تستدعي وجود وقت يجري بانسيابيّة وتدفّق، دون معرفة زمانه المحدّد. موسيقى مختلطة يقطعها صوت صارم كمنشار منمّق، صعوداً وهبوطاً كأنه منبّه للابتعاد عن نمطيات الموسيقى المعتادة مع صوت المؤدّي الذي يكون عادةّ مدروسا ومضبوطا مع قواعد الموسيقى.

مشاهد كوربيجن تتسم بأسلوب اللعب واللهو. تنمو تباعاً وفقاً لجاهزيّة جسد وايتس في تطويع العناصر المحيطة به. هنا يظهر أسلوب كوربيجن في قدرته  والمهمة الشاقة قليلاً في الرغبة على إظهار أسلوبه الخاص بالتوازي مع موضوع متحرّك غير قابل للسيطرة كوايتس، سواء سيطرة جسديّة أو على أفكاره التي من الواضح أنه يبتكر معظمها دون استشارة أو الرجوع لمن خلف عدسة الكاميرا.

يبني كوربيجن نظريته الخاصة في اختيار وايتس ليكون محورا لمشاهده على مدار ثلاثة عقود من عمريهما معاً، مبتعداً عن الجانب الشخصي الوثيق بينهما ليكون سببا هامشيا وليس أساسيا رغم التطوّر المرافق للسنوات التي تمت أرشفتها فيما بعد لتجمع بكتاب مصّور. آخذاً عدّة تشعبات وأبعاد متفاوتة الأشكال. العلاقة الثنائيّة الفنيّة المرتبطة بأداة ثالثة خارجيّة جامدة بينهما وهي آلة التصوير. إنّ تموضع وايتس أمام العدسة والتصرّف بتحرّر وكأنه لوحده وبذات الوقت قدرته على تطويع نفسه بما تحمل من مزاجيات مختلفة لـ للمصوّر وأداته أحد الأسباب، ولعله الجوهري، في استمرارية ديمومة عملهما معاً لسنوات متتالية.

"من الصعب التقاط أو توثيق حياة شخص من خلال الصور لمدة تتجاوز الثلاثين سنة، هو فعل موجود في الأوساط الفنيّة أو الثقافيّة، لكن ليس شائعاً. عملنا معاً تطوّر كما تتطور الأشياء بمسارها الطبيعي، أي المسار غير المثالي، وهذا الأمر الجميل بذاته، الشوائب والأخطاء وسوء التفاهم. كلٌ منّا كان جديّاً تجاه عمله، لكن عندما يأتي الأمر للعمل سويّا، يختلف الأمر قليلاً ونصبح كالأطفال، متحرّرين من القوانين التي تسود عالم الناضجين" (كوربيجن معلّقاً عن الكتاب.)

 

Photo from the illustrated book "Tom Waits by Matt Mahurin". Copyright: Matt Mahurin

 

يتركنا الكتاب بما يحتوي من مشاهد للتساؤل عن طبيعة الفعل الأدائي لوايتس بوجهة نظر بصريّة مختلفة. مصورون/ات، أو فنانون/ات آخرون. لتأتي صور ورسومات غرائبيّة متداخلة بعوالم مختلفة شكّلها خيال مات ماهورين. أنصاف بشريّة بأطراف آلية، شخصيّات تحرّرت من سلطة الشكل الاعتيادي للأجسام البشريّة التي من السهل توقع حركاتها ومعرفة فعلها وردة فعلها على السواء. مات ماهورين مصوّر، رسام ومخرج أفلام، وأغاني مصوّرة لفرق موسيقيّة كفرقة "ميتاليكا".

يبدو وايتس بأسلوب ماهورين مختلفاً تماماً عن أسلوب كوربيجن. وايتس بصوره جزء من كُل، هذا الكل يأتي في سياقات مختلفة لكن مكمّلة لبعضها في المشهد الواحد، بخاصيّة زمنيّة كأنها قصة تجري أحداثها أو مسرحيّة بشخوص تمارس أفعالها اليوميّة. سواء أكان رسماً أم تصويراً. حيث كل تفصيل له دلالة ورمزية ومبرّر دراميّ يفسّر تموضعه في اللوحة أو الصورة. بعكس الأجواء الموجودة في صور كوربيجن، التي تبدو كأنّها التقطت خصيصاً لإظهار وايتس وتوثيق حركات جسده ووجه كعنصر أساسي يَصعُب التخلّي عنه، أما بقيّة الكادر مهمّش، أقرب إلى الديكور من السهل اجتزاؤه، تبديله أو التخلّص منه على حساب وايتس.