سيقيم البابا فرانسيس قداسا في أحد أكبر الملاعب الرياضية في الإمارات بحضور مسيحي واسع
سيقيم البابا فرانسيس قداسا في أحد أكبر الملاعب الرياضية في الإمارات بحضور مسيحي واسع

مالك العثامنة/

من بين أخبار نهاية العام المنصرم، كان الفاتيكان قد أعلن في بيان رسمي عن زيارة يقوم بها البابا فرنسيس إلى الإمارات العربية المتحدة في مطلع شباط/فبراير المقبل، وفي برنامج الزيارة الذي أعلن عنه الفاتيكان، فإن البابا فرانسيس سيقيم قداسا في أحد أكبر ملاعب مدينة زايد الرياضية بحضور مسيحي واسع، وكذلك بحضور نخب دينية وسياسية من مختلف الأديان والطوائف والمذاهب.

الملفت، أن هذا القداس المسيحي سيكون ربما الأول بهذا الحجم الرسمي في شبه الجزيرة العربية، وهو ما اعتبره ضمن قراءات تاريخية أصيلة، ضرورة لوصل ما انقطع بين تاريخ المسيحية وجغرافيا تلك المنطقة.

فالمسيحية كانت موجودة وأصيلة بين كثير من قبائل الجزيرة العربية وفي عمقها أيضا، بل ويذهب باحثون إلى أن الكعبة كانت محجا مسيحيا قبل الإسلام، هذا إلى جانب وجود اليهودية كأحد أديان وثقافات الجزيرة العربية وهذا مثبت حتى في التاريخ الإسلامي الكلاسيكي حين كانت يثرب (المدينة المنورة بعد الإسلام) مدينة أصيلة لثلاث قبائل يهودية عربية.

تأتي زيارة البابا في سياق ما أعلنت عنه دولة الإمارات العربية المتحدة بأن عام 2019 سيكون عام التسامح في الدولة، وهو ما جعلني أتصل بأصدقاء في أبوظبي ودبي، أتساءل مستفسرا عن تلك الخطوة اللافتة جدا ودلالاتها الحقيقية وتفاصيلها قدر ما أمكن، لأعرف منهم أن البابا سيشارك خلال زيارته لأبو ظبي في اجتماع بين أصحاب الديانات المختلفة بعنوان "الأخوة الإنسانية"، ترسيخا لمفهوم عام التسامح الذي تريد الإمارات منه أن يكون نقطة انطلاق أو ربما حجر أساس لتوجه عالمي إنساني جديد يبدأ من فكرة التسامح بين الأديان أيضا.

اقرأ للكاتب أيضا: أرضية العبث والحروب الـ'دون كيشوتية'

هذا كله لافت بالنسبة لي، وجهد مدهش، ولكن أتساءل إن كان الاحتفال سيكون قاصرا على فكرة التسامح الديني (على أهميته وحيويته) أم سيشمل مفهوم التسامح بمعناه المطلق؟ وهو معنى كبير جدا يعيد المفاهيم البشرية جميعها على كل تناقضاتها إلى المفهوم الأساس والأول: الإنسان.

هل سيكون عاما للتسامح لتخليده على "روزنامة" الأعوام أم هناك ما يمكن البناء عليه ليصبح حدثا دوريا ودوليا مثلا، يبدأ من الإمارات ولا ينتهي بها؟ هل من الممكن أن يتحول الحدث الإماراتي إلى مبادرة دولية تعيد الإنسان إلى مفهومه مجردا من كل هوياته القاتلة والمدمرة؟

♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦

المبادرات الكبيرة تبدأ من أفكار كبيرة، وفكرة التسامح الإنساني أجدها مطابقة ومتماهية لفكرة أخرى حول الكرامة الإنسانية شاركت في مؤتمر عنها في تونس في أيلول/سبتمبر من عام 2018، ونظمته "الحرة" بالتعاون مع معهد الولايات المتحدة للسلام.

ذهبت للمؤتمر يومها وأنا محتار فيما يمكن الحديث عنه في مفهوم الكرامة الإنسانية، فالمفهوم فضفاض وواسع، لكن الحيرة تبددت في اليوم الأول حين تحدث مختصون وخبراء في القانون والعلاقات الدولية والإنسانية وبحضور نخب متعددة المنابت والخلفيات، لنجد أن فكرة الإنسان بأصلها الأول هي البوصلة لتحديد كافة المفاهيم من جديد.

المحاولات في توحيد الإنسانية ضمن أطر واضحة وواقعية ليست جديدة، ففي العصر الحديث، وفي عام 1795 كان المفكر الألماني إيمانويل كانت قد طرح كتابه "السلام الدائم: صورة فلسفية"، ولخص فيه فكرة واقعية ومثالية بنفس الوقت بإقامة عالم يسوده السلام، ليس بمعنى أن يكون هناك حكومة عالمية، ولكنه كان يأمل في أن تتعامل كل دولة بوصفها دولة حرة تحترم مواطنيها، وترحب بالزوار الأجانب. لذا فإن اتحاد الدول الحرة من شأنه أن يعزز المجتمع السلمي في جميع أنحاء العالم، وبالتالي يمكن أن يكون هناك التزام بسلام دائم في المجتمع الدولي.

(ملاحظة على هامش السياق: من أزمات العالم العربي مثلا، دراسة الفلسفة مرفوضة بقرارات دينية متعصبة، مما يجعل كانت وسلالته العقلانية منقرضة بالضرورة في الواقع العربي الراهن).

اقرأ للكاتب أيضا: معجزة ليلة الميلاد البلجيكية

هذه الفكرة التي طرحها الفيلسوف الألماني كانت قد انتظرت تبلورها الطبيعي حتى عام 1919 بعد حرب كونية مدمرة وفي مؤتمر باريس للسلام ليطرح الرئيس الأميركي وودرو ويلسون مبادئه الأربعة عشر والتي شكلت حجر الأساس لتأسيس عصبة للأمم تستلهم كثيرا ما أورده كانت في كتابه والذي اعتمد الكرامة الإنسانية والتسامح.

طبعا، كانت فلسفة الدبلوماسية بخلفيات الصراع السياسي العالمي واليمين المتطرف والمصالح الإقصائية والاستعمارية لا تزال تسكن العالم، فسقطت فكرة عصبة الأمم التي خلفتها هيئة الأمم والتي كانت محصلة طبيعية لتداعيات ما بعد الحرب العالمية الثانية.

اليوم، العالم بحاجة إلى أفكار جديدة، فكرة إنسانية توحده ضمن معطيات مختلفة عما سبق كله، معطيات ثورة تكنولوجيا المعلومات التي حولت العالم إلى قرية واحدة، وهو العالم نفسه الذي صرخ أينشتاين ذات مرة بقولته المنسوبة إليه حين قال: عالم واحد أو لا عالم على الإطلاق.

♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦

ربما من تونس، أو الإمارات يمكن أن ننسج بدايات فكرة جديدة لمفهوم أممي إنساني مختلف عن كل ما سبق وفكرت به البشرية في عصرها الحديث.

ربما كان عام 2019، عام التسامح الإماراتي لكنه قد يكون بعد مئة عام من الآن، حجر أساس نؤرخ فيه لعالم جديد حينها، عالم واحد بدلا من لا عالم على الإطلاق.

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

صورة من كتاب "Tom Waits by Matt Mahurin" Copyright: Matt Mahurin

"ما هذا الهراء!؟"

السؤال الاعتراضي الذي باغتني به أحد أساتذتي في جامعة الفنون في برلين، أثناء تواجده الأسبوعي في استديو العمل الخاص بي والمشترك مع أربع طلاب آخرين. للوهلة الأولى اعتقدت أنّه يتحدّث عن لوحتي المعلقة على الحائط.

في تلك اللحظة، كان الوصف ليكون أكثر تقبّلاً من قبلي على أن يكون تجاه الموسيقى التي تدور في فضاء الاستديو. مشيراً بإصرار مع ابتسامة فوقيّة تجاه هذا النوع من الموسيقى على أنّها تمثّل الهبوط والقاع في أحسن أحوالها. دون أن يستفيض لماذا، وعلى ماذا استند يقينه بأن ما يُسمع في تلك اللحظات من موسيقى تصدح من مكبّر الصوت هو "هراء"!

لماذا يتفق الجميع على أشياء تبدو عاديّة دون أي ذبذبات مثيرة للاهتمام من قبلها، لكن الإجماع على علوّ قيمتها بصريّاً أو سمعيّاً يحوّلها أتوماتيكيّاً إلى موضوع جيّد متفق عليه؟ غريب! وأي اعتراض عليها يحمّل صاحبها بصفة "الذائقة السيئة"، أو توجيه تهمة "الرغبة في التميّز عن السائد لمجرّد الاختلاف" التمييز بمعناه المفرغ من محتواه.

مثلاً قول أشياء من قبيل: "لا أحب موسيقى بيتهوفن" أو "صوت فيروز يدفعني للوقوف على جرف جبل ورمي نفسي عند لحظة تأوهها بكلمات الحب والوله للحبيب المجهول!" التفوّه بهذه الأشياء يشبه المساس بالمقدّسات، يحتاج إلى القليل من المخاطرة في الإفصاح عنه. لا أعني المخاطرة بما تحمل الكلمة من مفاهيم أسطوريّة، أعني الدخول في سجالات لا جدوى منها.

"أوكي، نزيف في الأذنين في أسوأ الأحوال!" أجبته ورفعت صوت الموسيقى أكثر وأكملت الرسم الأوّلي لـ باطن قدمي الأيمن بقلم الفحم العريض، بخطوط سريعة عشوائيّة يُكمِل سرعتها صوت "توم وايتس" مردّداً عبارات متتالية مع انقطاع ملحوظ في الشهيق والزفير "الله غائب، الله غائب، الله غائب في عمل" (God's Away On Business)

 الكتاب المصوّر "وايتس/كوربيجن 77-11"

كانت الصورة الأولى الملتقطة من قبل المصوّر والمخرج السينمائي الهولندي أنطون كوربيجين لتوم وايتس، والتي تعود لعام 1977 في هولندا نقطة البداية التي ساهمت فيما بعد بتعاون فنّي دام سنوات طويلة.

التعاون الذي بدأ بالتقاط صورة باللون الأحادي، الطابع الذي تم اعتماده فيما بعد ليكوّن أغلبية المشاهد المتدرّجة بتكثيف لوني بين مختلف درجات السواد والرمادي والبياض الخارج عن نقائه المعتاد. التدرّج الذي كان له دور في خدمة سياق المشاهد وعبثية تشكيلها. جُمعت المشاهد في أرشيف موثّق ليتم إطلاق مجموعة مصوّرة بكتاب واحد تحت عنوان:  "وايتس/كوربيجن77-11" الكتاب الصوري المصنوع غلافه من الكتّان.

يضم الكتاب أكثر من 275 صفحة لمشاهد تمّ التقاطها على مدار ما يقارب 35 سنة. توثيق لحياة وايتس بين عمر الـ 27 لـ 61 تقريباً. المفارقة أن تسلسل المشاهد يختلف زمانياً ويبدو الأمر جليّاً في ملامحه، التجاعيد، بعض الانحناءات والاكتناز في بعض مناطق جسده، ثقل الحركات البلهوانيّة التي أصبحت أكثر انضباطاً من مشهد لمشهد، لكن اللعب واللهو والسحر في حركاته لم يخفت نهائيّاً، إن قلّ ارتفاعه وجنونه في المشاهد المصوّرة في عمرٍ أصغر. يتسلّق أغصان الأشجار، يعتدي على البرك المائيّة الراكدة بقدمين حافيتين، وعلى وجهه تعابير تسخيف طفوليّة لكل ما هو موجود، وكأنما جسده يؤدي دور المقاوم أمام التقدّم في العمر. مقاومة جسديّة ساخرة أمام تدفّق الزمن المتسارع الجدي. التحرّر من سلطة الوقت والنضج بروح الدعابة المحارب أحياناً في عدد من المنصات الثقافيّة والفنيّة على أنها تقليل من قيمة ومعنى كل من يتورّط في هذه المجالات.

تتنوّع المشاهد بين عناصر مختلفة من نسور وأشجار عارية مائلة متدليّة نحو ظلّها، تكاد تبدو ميّتة.

غربان وشوارع فارغة وحصان ثابت كأنه دمية أو زينة موضوعة كتجهيز فنّي إلى جانب سيارة مركونة، تستدعي للتساؤل عما إذا كانت مصادفة أم عن قصد وجود عنصرين يشكلان مفارقة زمانيّة وتاريخيّة.

بقع متفشية مجهولة التكوين. ظلال بشريّة والكثير من العناصر المجتزأة من سياقها. ولكن المشترك بين هذه الأشياء؛ ثباتها ضمن فضاء يحتضن عنصرا أساسيا مفعما بالحركة، جسد توم وايتس المتسم بالخفّة، المتحرّر من كادر الصورة. وجهه وحركاته البهلوانيّة الهائمة في الهواء. إن لم يكن جسده فظلّه. إن لم يكن ظلّه، تتفاجأ بأن الصورة ملتقطة عن طريقه متعدّياً على صديقه المصوّر لكي يضعه خارجاً، مبعداً إياه عن أي صلة بالنتيجة البصريّة المحتملة أو النهائيّة.

تتضّمن بعض الصور اقتباسات من بعض أغاني وايتس، سطور نثريّة أو عناوين طويلة تبدو كأنها نصوص قصيرة جدّاً لوصف الصورة أو لإكمال كادرها لغويّاً. غالبية الصورة غير مجهزة، لكن حتى المشاهد المجهزة تبدو ساحرة غير مفتعلة أو بالغة في التركيب كالمشهد المصوّر في أحد شواطئ أوروبا معلّقاً كرسيّا خشبيّا حول رقبته، وممسكاً بآلة موسيقية نفخيّة أقرب إلى رأسه موازية لكتفه في يد، وآلة الكمان في اليد الأخرى الأقرب إلى القسم الأسفل من جسده باتجاه الأرض.

أكثر من 50 صفحة موزعة تضم صور التقطها وايتس بنفسه، تكمن الدهشة في هذه الصور بأنها ليست احترافيّة، مشاهد أكثر استرخاء، خارجة عن نطاق قواعد الصورة، أنصاف كوارد، مائلة قليلاً. تماماً كما يبدو وايتس في مقابلاته ومقاطع الفيديو المرافقة لموسيقاه المغناة.

جسد منتشٍ، مترنّح من تأثير الكحول. مسترخٍ على كرسي في مقابلة تلفزيونيّة، غير مهتم لقواعد المقابلات المعتادة بأن يكون ثابتا، لمّاحا، حاضر للإجابة. لا على الإطلاق، لا يهتم بالفضاء المحيط به وأنه محط أنظار، يبحث عن عود ثقاب ليشعل سيجارته بينما المقدّم والجمهور الحاضر ينتظر إجابته.

يأتي الكتاب مكمّلاً وليس منفصلاً عن موسيقى وايتس، تلك الموسيقى التي تستدعي وجود وقت يجري بانسيابيّة وتدفّق، دون معرفة زمانه المحدّد. موسيقى مختلطة يقطعها صوت صارم كمنشار منمّق، صعوداً وهبوطاً كأنه منبّه للابتعاد عن نمطيات الموسيقى المعتادة مع صوت المؤدّي الذي يكون عادةّ مدروسا ومضبوطا مع قواعد الموسيقى.

مشاهد كوربيجن تتسم بأسلوب اللعب واللهو. تنمو تباعاً وفقاً لجاهزيّة جسد وايتس في تطويع العناصر المحيطة به. هنا يظهر أسلوب كوربيجن في قدرته  والمهمة الشاقة قليلاً في الرغبة على إظهار أسلوبه الخاص بالتوازي مع موضوع متحرّك غير قابل للسيطرة كوايتس، سواء سيطرة جسديّة أو على أفكاره التي من الواضح أنه يبتكر معظمها دون استشارة أو الرجوع لمن خلف عدسة الكاميرا.

يبني كوربيجن نظريته الخاصة في اختيار وايتس ليكون محورا لمشاهده على مدار ثلاثة عقود من عمريهما معاً، مبتعداً عن الجانب الشخصي الوثيق بينهما ليكون سببا هامشيا وليس أساسيا رغم التطوّر المرافق للسنوات التي تمت أرشفتها فيما بعد لتجمع بكتاب مصّور. آخذاً عدّة تشعبات وأبعاد متفاوتة الأشكال. العلاقة الثنائيّة الفنيّة المرتبطة بأداة ثالثة خارجيّة جامدة بينهما وهي آلة التصوير. إنّ تموضع وايتس أمام العدسة والتصرّف بتحرّر وكأنه لوحده وبذات الوقت قدرته على تطويع نفسه بما تحمل من مزاجيات مختلفة لـ للمصوّر وأداته أحد الأسباب، ولعله الجوهري، في استمرارية ديمومة عملهما معاً لسنوات متتالية.

"من الصعب التقاط أو توثيق حياة شخص من خلال الصور لمدة تتجاوز الثلاثين سنة، هو فعل موجود في الأوساط الفنيّة أو الثقافيّة، لكن ليس شائعاً. عملنا معاً تطوّر كما تتطور الأشياء بمسارها الطبيعي، أي المسار غير المثالي، وهذا الأمر الجميل بذاته، الشوائب والأخطاء وسوء التفاهم. كلٌ منّا كان جديّاً تجاه عمله، لكن عندما يأتي الأمر للعمل سويّا، يختلف الأمر قليلاً ونصبح كالأطفال، متحرّرين من القوانين التي تسود عالم الناضجين" (كوربيجن معلّقاً عن الكتاب.)

 

Photo from the illustrated book "Tom Waits by Matt Mahurin". Copyright: Matt Mahurin

 

يتركنا الكتاب بما يحتوي من مشاهد للتساؤل عن طبيعة الفعل الأدائي لوايتس بوجهة نظر بصريّة مختلفة. مصورون/ات، أو فنانون/ات آخرون. لتأتي صور ورسومات غرائبيّة متداخلة بعوالم مختلفة شكّلها خيال مات ماهورين. أنصاف بشريّة بأطراف آلية، شخصيّات تحرّرت من سلطة الشكل الاعتيادي للأجسام البشريّة التي من السهل توقع حركاتها ومعرفة فعلها وردة فعلها على السواء. مات ماهورين مصوّر، رسام ومخرج أفلام، وأغاني مصوّرة لفرق موسيقيّة كفرقة "ميتاليكا".

يبدو وايتس بأسلوب ماهورين مختلفاً تماماً عن أسلوب كوربيجن. وايتس بصوره جزء من كُل، هذا الكل يأتي في سياقات مختلفة لكن مكمّلة لبعضها في المشهد الواحد، بخاصيّة زمنيّة كأنها قصة تجري أحداثها أو مسرحيّة بشخوص تمارس أفعالها اليوميّة. سواء أكان رسماً أم تصويراً. حيث كل تفصيل له دلالة ورمزية ومبرّر دراميّ يفسّر تموضعه في اللوحة أو الصورة. بعكس الأجواء الموجودة في صور كوربيجن، التي تبدو كأنّها التقطت خصيصاً لإظهار وايتس وتوثيق حركات جسده ووجه كعنصر أساسي يَصعُب التخلّي عنه، أما بقيّة الكادر مهمّش، أقرب إلى الديكور من السهل اجتزاؤه، تبديله أو التخلّص منه على حساب وايتس.