أطفال عراقيون يحتفلون بليلة رأس السنة في بغداد
أطفال عراقيون يحتفلون بليلة رأس السنة في بغداد

لقمان سليم/

العلم بالشيء لا يُغني عن التذكير به... وإذ لم يرَ ربُّ القرآن نفسُه من غضاضة في "التذكير" بلحاظ ما فيه من نفع ومصلحة، («وذكِّر فإنَّ الذِّكْرى تَنفَعُ المُؤْمِنِين»)، فأوْلى بالعباد، مؤمنين وغير مؤمنين، ألا يتكبروا عن ذلك وألا يروا فيه منقصةـ سواء من جانب المُذَكِّر (المُذَكِّرة) أو المُذَكَّر (المُذَكَّرةِ). أما موضوع التذكير المقصود في هذه العجالة فـ"داعش" المقيم بيْننا على الرَّحْب والسَّعة، "داعش" الذي يأكل من صحفتنا، ويشرب من كأسنا، ويبيت تحت سقفنا، حتى لنكاد أنْ نُنزله من اجتماعنا منزلة حيوان الزينة الداجن الأليف... أعني، "داعش" الذي لا تُحْتلف لقتاله الأحلاف، ولا تُحْشد الجيوش، ولا من يُبالون ولا من يحزنون.

هذا العام (أيضا) لم تمرّ احتفالات عيد الميلاد ورأس السنة دون أن يُذَكِّر "داعش" هذا بمكانه منا وبمكانته. وإذا كان أن تحفل الإذاعات والتلفزات والمواقع الدينية بالاستفسارات عن جواز الاحتفال بأعياد المسيحيين أو مشاركتهم إياها أو حتى معايدتهم بمناسبة حلولها، وأن تأتي الجوابات/الفتاوى على ذلك، في الإجمال، مُتحفِّظة، ناصحة بتوخي الحذر من تجاوز "الضوابط الشرعية" مُقترحة صيغ مشاركة فيها ومعايدة ترفع الحرج ولا تُفضي بالمسلم/المسلمة إلى التشبه بـ"عُبّاد الصليب"، أو أن تأتي مُحَرِّمة ذلك تحريما قطعيّا مستنسخة ما أفتى به ابن تيمية من أن "الأعياد من جملة الشرع والمناهج والمناسك [...] فلا فرق بين مشاركتهم [غير المسلمين] في العيد، وبين مشاركتهم في سائر المناهج..." ـ نقول: إن كان كل ذلك قد بات أشبه بالجزء الذي لا يتجزأ من مراسم الاحتفال بعيدي الميلاد ورأس السنة، فمما يستوقف ـ بل مما ينبغي أن يستوقف ـ أن "داعش" المنزليَّ أطل هذا العام برأسه إطلالات لا مبالغة أن يفترض الواحد منا، والواحدة، بأن أبا بكر البغدادي إنَّما تلقاها في الكهف أو السرداب الذي يتوارى فيه تلقي مُحْتَفل بعيد الميلاد هديته من يدي سانتا كلوز نفسِه!

بالطبعِ، سَر البغدادي أن يأخذ علما بأن الهيئة العامة للجمارك في المملكة العربية السعودية منعت دخول أشجار الميلاد ولكن الأمر لم يدهشه حقا فهو يعرف جيدا أن "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" ليس مجرد هيئة تقرر السلطة متى ما حلا لها أن تقيد من صلاحياتها، (شأن ما كان من مجلس الوزراء السعودي في 11 نيسان/أبريل 2016)، بل هو مطمئن إلى أن ثقافة "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، وإن لم تكن موضع إجماع، هي من الرسوخ بمكان لا تخلو معه أية محاولة للطعن فيها من إيقاظ "فتنة" وهذا، بطبيعة الحال، آخر ما يريده "أولياء الأمر"... لم يُدْهِش البغدادي أن تعامل السعودية شجرة الميلاد معاملة الشجرة الملعونة ولكن النكتة حبكت منه فَرَنا إلى أصحاب الكهف منه وقال: "هيئة الجمارك ترث صلاحيات هيئة الأمر بالمعروف... والله ونحن خير الوارثين!".

شأن النَّبيذ، يستفتتح شاربه بالجديد الخفيف ثم يخوض في المعتق الثقيل، هكذا، تقريبا، توالت هدايا عيد الميلاد على أبي بكر البغدادي: بعد السعودية ومنعها أن يتقمص "كريسمس" شجرة، جاءته الهدية الثانية من بغداد حيث تواردت خواطرُ "مفتي الجمهورية العراقية مهدي الصميدعي" وخواطرُ رئيس الوقف الشيعي، علاء الموسوي، فأفتى الأول بأنه "لا يجوز الاحتفال برأس السنة ولا التهنئة لها ولا المشاركة فيها" وشَنَّع الثاني على المسيحيين متهما إياهم بأنهم لا يدعون من رذيلة إلا ويرتكبونها بمناسبة هذه الاحتفالات!

أما الثالثة، والأنْفَس من بين الهدايا التي تلقاها هذا السنة، فجاءه بها مَنْ لم يزود ومِنْ حيث لم يحتسب: من بيروت! ففي اليوم الأول من 2019 شاركت نائب بيروتيَّة سنيَّة من كتلة "تيار المستقبل"، (تيار الحريري)، في قداس بأحد الكنائس أقيم تحت عنوان "يوم السلام العالمي"، وإذ دُعي المؤمنون إلى المناولة جارت النائب الجمعَ وتقدمت صوب الكاهن الذي اكتفى بمباركتها... وَبِئْسَت ما جَنَت على نفسها براقش!...

فما هي أن انتشر شريط مصور يوثق الواقعة حتى قامت القيامة على النائب تلك مشككة بدينها وصولا إلى اتهامها بالردة، ومشككة استطرادا بتمثيليتها لمن انْتُخِبت بأصواتهم؛ وإذ استشعر التيار السياسي الذي تنتمي إليه، وهو، مبدئيا، المكون السياسي السني اللبناني المستمسك بأهداب "الاعتدال" والمدافع عنه في وجه "التطرف" و"المتطرفين"، ــ إذ استشعر ذلك التيار أن الأضرار التي يتسبب بها ما فعلته النائب تلك يتجاوز شخصها وينسحب عليه، نُظِّمت للنائب المذكورة، على عجل، في دار الفتوى ببيروت، مراسم "استتابة"، بالمعنى الحرفي للكلمة، انتهت ببيان منسوب إليها، (إلى النائب محل الشبهة)، يَرِد فيه، في عداد ما يرد، أنها نطقت بالشهادتين بين يدي قاضِييّ التفتيش اللَّذيْن مثلت بين أيديهما "بتوجيه من مفتي الجمهورية" وأنها "اعتذرت من الله" عما فرط منها إلى آخره...

بالطبع، لم يقنع هذا "الرجوع عن الخطأ" على نحو ما أُخْرِج أحدا بل زاد الطين بلة واستدعى ردود فعل مؤداها التشكيك بأن "المسلمين" و"المسيحيين" يؤمنون، على ما يزعمون في المناسبات، بإله واحد! هكذا لا أكثر ولا أقل...

بالطبع، لم تقف التعبيرات الداعشية خلال موسم الأعياد عند هذه الثلاثة الأمثلة، بيد أن الثلاثة هذه كافية لاستخلاص خلاصتين على الأقل؛ أما الأولى فأن الانتصارات الميدانية الموضوعية على "داعش" شيء، و"داعش" بوصفه احتياطيا ثقافيا بات ملابسا لمجتمعاتنا وآيلا للخروج من كمونه كلما أتيح له أن يفعل شيء آخر، ولا اختلاف في هذا ما بين مملكة يزين سيف مسلول علمها، وجمهورية تتخذ من شجرة الأرز رمزها الوطني؛ وأما الثانية، ولعلها الأفظع، فأن التعبيرات الداعشية من قبيل تلك التي عرضنا لها أعلاه إنما تصدر عن سلطات، سياسية أو دينية أو حزبية، تتوجس ريبة من "اعتدال" جمهورها، وتاليا من ولائه لها، فتحتاط بأن تقدم له ما تفترض أن في نفسه ـ في نفس هذا الجمهور ـ صَبْوَة إليه من "قلة اعتدال".

صحيح أن هذه التعبيرات الداعشية المنزليَّة قلما تمر مرور الكرام، وأنها غالبا ما تستدعي ردود فعل شاجبة عليها تشجع عليها "حرية التعبير" التي تُتيحها وسائل التواصل الاجتماعي، ولكن الصحيح أيضا أن ردود الفعل هذه لا تعدو كونها أشبه بـ"التعليقات"، (كومانتس)، على متن لا تملك له نفعا ولا ضرا. فقوام هذا المتن علاقة الاسترضاء بين سلطات بعينها، لها أن تعطي ولها أن تحجب، وبين من ترى فيهم جمهورها، ومن ثَمَّ فلا وزن تقيمه هذه السلطات لمن هم خارج علاقة الاسترضاء هذه، ومن ثَمَّ أيضا ما يحط بهؤلاء الشاجبين إلى مرتبة المُعلقين "الطفيليين" على ما لا يعنيهم ولا شأن لهم به، ومن ثَمَّ ثالثا، وهو ثالثةُ الأثافي، ما يضمن لـ"داعش" أن تَصْدُقَ وَعْدَها بأنَّها باقية وتتمدد!

نعم، قد نستيقظ في يوم قريب أو بعيد على خبر مُفاده أن أبا بكر البغدادي قد قُتِل، وأن من قتلوه حرصوا، بعد التأكد من أن جثة القتيل جثته على التخلص منها، شأن ما كان من جثة بن لادن، تحت سابع أرض أو بحر، وأنهم حرصوا أيضا على إتلاف كل مقتنياته الشخصية بما في ذلك الجبة التي لبسها يوم أشهر على الناس أنه "ابْتُلِيَ" بأمانة الخلافة، والعمامة التي تعمم بها يومذاك، والساعة التي زانت معصمه وسهر الخلق جراها واختصموا ـ لقد يكون ذلك، ولقد يستعلي هاشتاغ #قتل_البغدادي لساعات، ولقد تسترسل ألسنة الخبراء والمحللين في استشراف "ما بعد البغدادي"، ولقد ثُمَّ "تروح السَّكْرَة وتأتي الفكرة" ونكتشف أن للبغدادي في صندوق أماناتنا الكثير من الهدايا التي لم يؤدها إليه سانتا كلوز بعد!

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

A man walks past a mural as the spread of coronavirus disease (COVID-19) continues, in the Fremont Street section of historic…

هناك شبه إجماع أن العالم بعد جائحة كوفيد-19 لن يكون كما كان عليه قبلها.

كثر يخشون "التغيير المرتقب"، لأنّ مقدماته التي بدأت تتكوّن غير مشجّعة على الإطلاق، بل... مرعبة.

الخائفون من التغيير يشعرون بعجزهم عن تصحيح المسار والتحكم بمجرى الأمور، فيلجؤون إلى استنباط أي فكرة حتى يخففوا عن أنفسهم عناء التوجس من الآتي.

يدفع هؤلاء الخائفون إلى المقدمة مفهوم "النسيان" لدى الإنسان. في اعتقادهم أن هذه "النعمة" قد تعيد العالم، رويدا رويدا، إلى ما كان عليه قبل انتشار فيروس كورونا المستجد. حجة هذا البعض على ذلك أنّ التأملات الفردية، في أثناء مراسم دفن قريب أو نسيب أو صديق، عن سخافة الطموح وعبثية الصراع، سرعان ما تتلاشى مع عودة المرء إلى يومياته.

لكنّ أصحاب "النبوءة التغييرية"، ومن بينهم مخضرمون ومجرّبون وخبراء وعلماء ومؤرخون، لا يقيمون وزنا للتجارب الفردية في استنباط ما سيكون عليه المستقبل، لأن الفرد، مهما كانت فرادته، فمنطقه ووجدانياته وتفاعلاته مع الحوادث، تختلف كليا عن آليات صناعة القرار في الدول، وهي التي تفرض نفسها وإيقاعها على الأفراد والجماعات والشعوب.

إذا تُركت الدول لمنحاها الحالي، فإن شعوبا كثيرة تضطر حاليا أن تعيش في "الحَجر"، ستجد نفسها، غدا بين خيارين: العبودية أو الموت

إذن، فالتغيير، في عرف هؤلاء، ليس خيارا، بل قدرا. العوامل المتحكمة به كثيرة وقوية وضاغطة، من بينها: التدهور الاقتصادي، الأزمة المالية، ارتفاع المديونية، نمو البطالة، انخفاض الاستهلاك، الاستياء من "العوملة"، سيئات الـ"نيوليبرالية"، وعدم فاعلية التجمعات الإقليمية.

بناء عليه، أي مستقبل ينتظرنا؟

المشهد "أبوكاليبسي": كورونا فيروس سيقضي على ما تبقى من عقبات أمام ازدهار "الشعبوية" التي بيّنت تجارب التاريخ أنها "رحم الحروب"، وسيُنقذ أعتى الديكتاتوريات، في ظل تعويم النظريات المعادية لكل أشكال الديمقراطية.

في واقع الأمر، إن عوارض "وباءي" الشعبوية والديكتاتورية سبقت ظهور "كورونا فيروس"، لكنّ الديمقراطية كانت تملك ما يكفي من مناعة للصمود، وليس للتصدّي.

و"الشعبوية" كانت قد دخلت، على سبيل المثال، إلى "الاتحاد الأوروبي" من بوابة رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، كما على البرازيل من بوابة رئيسها جايير بولسونارو. وتعزّزت النظم القمعية مع الصمت الكوني على إعلان الرئيس الصيني نفسه "رئيسا مدى الحياة"، فيما كاد يسلّم الجميع ببقاء النظام السوري، على الرغم من الأدلة الوافرة على حجم الجرائم التي ارتكبها بحق شعبه.

ومع انتشار جائحة "كوفيد-19"، تعزّزت الشعبوية والديكتاتورية، فبات، مثلا، مقبولا هذا التزوير وتداعياته الخطرة مستقبلا، في بعض الدول والأنظمة، بخصوص مدى التفشي الفعلي كورونا فيروس بين السكان، في إطار ادّعاء الشعبويين بطولات وهمية وقدرات خارقة، يدعمها إعلام "ممسوك" وجماهير مرعوبة تلهث وراء "حبل النجاة"، حتى لو كان خادعا وكاذبا، كما بات متاحا، وعلى سبيل المثال أيضا وأيضا، حتى في الأنظمة التي ترفع لواء الديمقراطية، وبحجة الخوف على حياة المواطنين، أن يتم رصد حركة جميع الناس، من خلال التحكم بداتا الاتصالات، في مشهد كوني أعاد إلى الأذهان، وبقوة، نهج "الأخ الأكبر" في رواية جورج أورويل "1984".

أمام "الفقر" هنا و"الانعزال" هناك، سوف تنتعش الديكتاتورية من جديد، ويعود زمن الصمت على سحق الشعوب

والأدهى أن هذه الاتجاهات يكثر مؤيدوها والمدافعون عنها والمروّجون لها. وهذا بديهي، لأنه من النتائج المباشرة، للتعامل مع جائحة "كوفيد-19" على أساس أنها عدو وليست مرضا، وأن مواجهتها هي حرب وليست مكافحة.

وإعلان الحرب على العدو، يحتاج إلى عقيدة، إلى بروباغندا، والأهم إلى... جنرالات. ومن يظهر أنه الأقوى والأفعل يفرض وجهة نظره على الآخرين.

وفي هذا السياق "الحربي"، يتميّز الشعبويون لأنهم الأكثر حرفية في البروباغندا، ويتعاظم الديكتاتوريون لأنهم الأكثر أهلية لاستغلال شعار "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة"، فيما يُرهق الديمقراطيون الذين يخضعون لقواعد أنظمتهم حيث الشفافية، الانتقاد، التهجّم، تسخيف الإنجاز، تضخيم نقاط الضعف، المساءلة البرلمانية، انطباعات الرأي العام، الاستحقاقات الانتخابية، استطلاعات الرأي المستقلة، ومروحة واسعة من الحريات ومن بينها حرية الإعلام والتعبير.

هذا المسار المساند للديكتاتوريات، والذي بدأ يتبلور في حمأة أزمة كورونا، سوف يترسخ ويتطوّر في المستقبل، فالدول التي تدافع عن الديمقراطية ومبادئها، ستجد نفسها "منعزلة" عن مشاكل الكون، لتركّز اهتمامها ومواردها في محاولاتها تعويض ما لحق بها من خسائر فادحة، كما هي حال فرنسا التي تتحدّث عن إمكان وصولها إلى تلك الوضعية التي كانت عليها في العام 1945، أي بعد سنوات من الاحتلال النازي وبعيد تحريرها بأضخم العمليات العسكرية في التاريخ.

أما الدول الفقيرة والمأزومة، فسوف تشهد تفاقما في أزماتها المالية والاقتصادية والاجتماعية، مما يرفع نسبة الفقر إلى مستويات تاريخية، ويقدّم هموم الرغيف على مبادئ الحرية والأنظمة الناشئة عنها.

وأمام "الفقر" هنا و"الانعزال" هناك، سوف تنتعش الديكتاتورية من جديد، ويعود زمن الصمت على سحق الشعوب.

وآفة الصمت التي ستزدهر مجددا، سبق واختبرت شعوب كثيرة تأثيراتها القاتلة، ولعلّ سوريا، في ظل نظام آل الأسد، أكبر الشواهد عليها.

فمن يتصفّح "الشق السوري" من كتاب الرئيس الأسبق لجهاز المخابرات الخارجية الفرنسية السفير برنار باجوله "الشمس لا تشرق أبدا في الشرق" يصيبه الإحباط من الديمقراطية وحاملي ألويتها.

هذا الدبلوماسي ـ الأمني لم يكن هامشيا في مركز صناعة القرار في فرنسا، إذ كان مقربا من أربعة رؤساء فرنسيين تعاقبوا على قصر الإليزيه، وكان آخرهم فرانسوا هولاند.

ماذا تحتاج الأنظمة القمعية أكثر من هذه النتائج الباهرة، حتى تقع في عشق كورونا؟

في كتابه الصادر قبل سنة، يروي باجوله مستندا إلى ما عاشه كرقم 2 في السفارة الفرنسية في دمشق ومن ثم ما عرفه كرئيس لجهاز المخابرات الخارجي، (يروي) أمورا من المخجل أن تكون قد مرّت على فرنسا وحلفائها في "العالم الحر" مرور الكرام، كنوعية الاعتقالات والابتزاز والتشليح والاغتيالات والمجازر والطائفية والعائلية والسرقة والفساد و"العقد النفسية" و"الإتجار" بالعداء لإسرائيل والإرهاب.

هذه الوقائع المدوّنة في السجلات الرسمية، بالتفاصيل والأسماء والحقائق، مرّت كأنها أحداث رواية متخيّلة، عندما كانت الدول منشغلة بالتفتيش عن "عظمتها" وغارقة في "الواقعية السياسية" ولاهثة إلى تقاسم "الجبنة الاستثمارية"، فماذا تراه سوف يحصل، عندما "تعزل" الدول نفسها، بعد مرور عاصفة كورونا، من أجل لملمة خسائرها الفادحة؟

ليس من فراغ أو عن عبث، أنّ المخضرم هنري كيسنجر، ومن خلال مقاله الأخير (3 أبريل) في صحيفة "وول ستريت جورنال"، قد دعا "الديمقراطيات في العالم إلى الدفاع والمحافظة على القيم التي ورثتها من عصر الأنوار"، مشددا على "وجوب أنّ يعالج قادة العالم الأزمة الراهنة، فيما هم يبنون المستقبل".

إذا تُركت الدول لمنحاها الحالي، فإن شعوبا كثيرة تضطر حاليا أن تعيش في "الحَجر" حتى تحفظ حياتها، ستجد نفسها، غدا بين خيارين: العبودية أو الموت.

والحالة هذه، ماذا تحتاج الأنظمة القمعية أكثر من هذه النتائج الباهرة، حتى تقع في عشق كورونا؟