تمثال للجنود الذين قتلوا خلال الحرب الأهلية الأميركية في لوس أنجلس
تمثال للجنود الذين قتلوا خلال الحرب الأهلية الأميركية في لوس أنجلس

حسن منيمنة/

ثمة مسعى في بعض الخطاب السياسي العربي إلى الطعن لا في سياسات الولايات المتحدة وحسب، بل في رصيدها التاريخي ككل. ويستفيد هذا المسعى من قراءات نقدية داخلية في الولايات المتحدة نفسها، تعمل على تفكيك الصورة الذاتية السائدة على أنها تلميع لسجّل مركّب واختزال للتاريخ لا يخدم الحقيقة.

ربما المطلوب وجه استفادة آخر من هذه القراءات النقدية، من خلال تطبيق منهجيتها على التاريخ العربي بدوره.

الصورة الذاتية للولايات المتحدة هي أنها وطن الحريات ودولة القانون والمؤسسات، وهي كذلك بالتأكيد اليوم إذا ما قورنت بالغالبية العظمى من الدول والمجتمعات في العالم. إلا أن هذا التوصيف غالبا ما يتجاوز حقائق صعبة في تاريخ البلاد، ما زالت تداعيات بعضها قائمة.

أولى هذه الحقائق دون شك الاستيلاء على أراضي السكان الأصليين والدفع بهم إلى الفناء، ما كاد أن يتحقق بالكامل في القرن التاسع عشر، وربما أكثرها وطأة وأثرا استرقاق الأفارقة وتسخيرهم للعمل في المزارع والمنازل، ثم التلكؤ في إعتاقهم الصادق والتحفظ الفعلي عن الإقرار الكامل بإنسانيتهم ومساواتهم لغيرهم وإحقاق كامل حقوقهم.

اقرأ للكاتب أيضا: 'إعادة الإعمار' في سوريا: متابعة الحرب بوسائل أخرى

وما طبَع المرحلة التالية من تاريخ الولايات المتحدة مطلع القرن الماضي، مع تعاظم أهميتها الاقتصادية، وفق القراءة النقدية، هو التوظيف الجشع لقوتها الضاربة في إخضاع الدول المجاورة، والتي أطلق عليها تهكما لقب "جمهوريات الموز" بعد تنظيم اقتصادها لما يحقق مصالح الرأسمالية المتوحشة.

أما القرن العشرون فهو، في مسعى التفكيك، قرن القوة القاضية دون اعتبار، بما في ذلك الحرب العالمية الثانية والتي أنهتها الولايات المتحدة بتفجيرات نووية اختبارية واختيارية في اليابان، وصولا إلى تدمير فيتنام بالمبيدات والقصف السجادي، قبل الانكفاء.

وعليه، لدى المتشائمين، فإن تاريخ الولايات المتحدة، والتي اعتبر آباؤها المؤسسون أنها بنيت على أسس من الحرية والعدالة، هو تجاهل قد يبلغ حد النفاق للتباعد بين الزعم والواقع. أما عند اعتماد القراءة الإيجابية المنتجة، ودون تجاهل لأي من التفاصيل الصعبة، فإن تاريخ الولايات المتحدة والموضوع في سياق ما يقابله من التاريخ العالمي، هو مسعى حثيث على مدى القرون، وإن لم يكتمل بعد، للاقتراب بالأفعال من الأقوال.

فرغم أن أشباح هذه الفصول القاتمة، بل آثارها المباشرة، لا تزال حاضرة، إلا أن ذلك لا ينفي صدق الصورة الذاتية، ولا ينزع عن الولايات المتحدة اليوم صفة الملاذ الأول عالميا لمن أراد الحرية بكامل معانيها، وإن جاءت بعض النوازل السياسية الآنية لتعكّر الصورة.

والمعطيات التاريخية تشير بوضوح إلى اعتماد الولايات المتحدة في ترقيها لتصبح التجربة السياسية والاقتصادية الأنجح على مدى التاريخ على الهجرة الوافدة من مختلف أرجاء العالم، بفعل مقايضة مستمرة تجلب للقادم إليها الحرية وفرص الرخاء مقابل مساهمته في الصالح العام.

وفي الولايات المتحدة بالتأكيد، اختلاف محتدم بين قراءتين متواجهتين، فمن جهة ثمة من يحافظ في اعتباره لتاريخ بلاده على وضع جماعته أو عرقه الأبيض أو من يشاركه بالأصول القومية أو الوطنية في موقع الطرف الرائد الذي جعل من الولايات المتحدة أنجح تجربة سياسية واقتصادية على مدى التاريخ. ومن جهة أخرى ثمة من يعتبر أن ما حققته البلاد هو نتيجة كافة المساهمات، سواء التي تلحظ وتقدّر، من المقيمين والوافدين، أو التي تلفظ وتهمل، من المسترقين في القرون الغابرة إلى المهمّشين في واقع اليوم.

هو سجال قد ينحدر أحيانا إلى المواجهات الكلامية، بل وإن نادرا كما جرى قبل عام ونيّف في شارلوتسفيل في ولاية فيرجينيا، إلى حد العنف القاتل. ولكنه سجال قائم وهام يساهم في دفع الولايات المتحدة إلى تبين مواطن الخلل والفشل، لتحسين رقعة الصحة والنجاح. وأقوال الجميع في هذا الشأن، في الولايات المتحدة وخارجها، جديرة بالاعتبار. ربما أن الشرط الوحيد لاعتبارها الجدي هو أن تكون نقدية جدية لا سجالية. وربما أن الدليل على جديتها هو في انتظامها ضمن منهجية تطبّق على الذات كما على الآخرين. وهنا على الغالب يفقد الخطاب العربي الناقد للولايات المتحدة الكثير من صدقيته.

فالقراءة التي تريد أن تشخّص الخطيئة الأصلية للولايات المتحدة بالحديث عن إزاحة السكان الأصليين والاستيلاء على أراضيهم وثرواتهم لا تستطيع أن تبني قناعتها لعالمها على أنه حقيقة تاريخية ثابته لم يعترها أي تحول. لا يمكن في آن واحد أن يكون قدوم الأوروبيين إلى العالم الجديد في القرن الخامس عشر فعل اعتداء واستيلاء وإبادة، فيما موجات الغزو والفتوحات المتراكمة، بما صاحبها من قتل وسبي وغنائم وأنفال، فعل تحرير، وفق ما رست عليه الأدبيات التاريخية العربية، المدرسية منها والفكرية. بل كما كانت الأراضي الشاسعة والتي أصبحت فيما بعد الولايات المتحدة تقطنها العشائر والقبائل الحية والناشطة، وكان باحتلال ديارها خرابها، فإن كافة البلدان التي فتحها المسلمون كانت بدورها حافلة بالعمران والحضارة، وهي بدورها انتكبت نتيجة الفتوحات.

لا شك بإن الصهر الذي تلا مرحلة الفتوحات أنتج حضارة فذّة استفادت من المقومات الموجودة في البلاد المفتوحة، فأشرفت الدول الإسلامية المتعاقبة على ارتقاء مادي ومعنوي لا يمكن اختزاله لا بالعربي، لوفرة الإضافات الشعوبية (بالمعنى غير السجالي) فيه، الفارسية والتركية والكردية وغيرها، ولا بالإسلامي، لاشتماله على مساهمات أهالي الأديان والمعتقدات الأخرى، المسيحية واليهودية والصابئة وغيرها، وإن جرت تسميته بالعربي والإسلامي، من باب تسمية الكل بالجزء.

غير أن قيام هذه الحضارة لا ينفي العنف الأول الذي صاحب الفتح، ولا العنف التالي والمستمر إلى اليوم والقاضي بفرض الهوية التأحيدية على من قاوم ولا يزال الفرض المناقض لهويته ومعتقده.

الانتقائية في استدعاء التفاصيل التاريخية تريد للفتح الإسلامي أن يكون فعل تحرير، ولِما تلاه بحق أهل الذمة، بمصطلح الأمس، أو "الأقليات" بالمصطلح الجديد، أن يكون فعل تكريم وإقرار للحقوق. وفي المقابل، ثمة انتقائيات أخرى تنتخب من التاريخ الإسلامي المظلوميات المتعاقبة بحق غير المسلمين، وغير العرب، لتجعل منه سجل من الممارسات الهمجية القبيحة التي تستوجب الإدانة وتستدعي العقاب. ففي هذ إفراط وفي ذاك تفريط. واقع الأمر أن التاريخ العربي الإسلامي لا يختلف لا سلبا ولا إيجابا عن مجمل التاريخ الإنساني. وتصويره خلاف ذلك هو أمر له تداعيات.

فمن يعمد إلى افتراض مطلق الشر في الفتح الإسلامي وما تلاه، يستهين الأذى الذي يطال المجتمعات المحسوبة على الإسلام حين تتعرض له، بل يرى فيه عقوبة تاريخية عادلة. والآراء التي تصرّح بهذا الرأي تكثر في محافل التواصل الاجتماعي. وكذلك حال من يعمد إلى تنزيه التاريخ الإسلامي، ويدرجه في سياق التحرير، فإن تقييمه لسلوك "الأقليات" يمسي على أنها خائنة وناكرة للجميل، وكان الأولى استئصالها وإبادتها. بل قد وردت الدعوات الصريحة بهذا الشأن في التعليقات على أحد محافل التواصل الاجتماعي لهذا الموقع.

اقرأ للكاتب أيضا: قرائن 'المؤامرة' في الخطاب السياسي العربي (1): 'خارطة برنارد لويس'

فالتقييم النقدي للتاريخ والسعي إلى اعتبار قراءات من وجهات نظر غير معيارية تجعل من الاعتراض على التأحيد فعل مقاومة فكرية تاريخية، ليس من الترف الفكري ولا هو اعتداء على الموروث، بل هو تحصين للمجتمع من تعبئة تبتدئ بالاختزال الذي يعزل ويخوّن، وتمرّ بمحاولة تدمير الكنائس على من فيها من المصلين، وتنتهي بفصول مأساوية تسعى إلى الإبادة الكاملة على غرار ما حلّ بالأيزيديين في العراق.

والولايات المتحدة دون شك بحاجة إلى مراجعة مستمرة للفصول المختلفة من تاريخها، لتبين الدوافع والنتائج، وللسعي إلى تحقيق "الوحدة الأكثر كمالا" وفق أدبياتها. والأصوات العربية التي تريد المساهمة في هذا المسعى مرحب بها، فالمسألة إنسانية عامة. على أن صدقية هذه الأصوات تكون أوضح وأثرها أكثر فعالية يوم تعمد بدورها إلى مساءلة تاريخ مجتمعاتها.

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

صورة من كتاب "Tom Waits by Matt Mahurin" Copyright: Matt Mahurin

"ما هذا الهراء!؟"

السؤال الاعتراضي الذي باغتني به أحد أساتذتي في جامعة الفنون في برلين، أثناء تواجده الأسبوعي في استديو العمل الخاص بي والمشترك مع أربع طلاب آخرين. للوهلة الأولى اعتقدت أنّه يتحدّث عن لوحتي المعلقة على الحائط.

في تلك اللحظة، كان الوصف ليكون أكثر تقبّلاً من قبلي على أن يكون تجاه الموسيقى التي تدور في فضاء الاستديو. مشيراً بإصرار مع ابتسامة فوقيّة تجاه هذا النوع من الموسيقى على أنّها تمثّل الهبوط والقاع في أحسن أحوالها. دون أن يستفيض لماذا، وعلى ماذا استند يقينه بأن ما يُسمع في تلك اللحظات من موسيقى تصدح من مكبّر الصوت هو "هراء"!

لماذا يتفق الجميع على أشياء تبدو عاديّة دون أي ذبذبات مثيرة للاهتمام من قبلها، لكن الإجماع على علوّ قيمتها بصريّاً أو سمعيّاً يحوّلها أتوماتيكيّاً إلى موضوع جيّد متفق عليه؟ غريب! وأي اعتراض عليها يحمّل صاحبها بصفة "الذائقة السيئة"، أو توجيه تهمة "الرغبة في التميّز عن السائد لمجرّد الاختلاف" التمييز بمعناه المفرغ من محتواه.

مثلاً قول أشياء من قبيل: "لا أحب موسيقى بيتهوفن" أو "صوت فيروز يدفعني للوقوف على جرف جبل ورمي نفسي عند لحظة تأوهها بكلمات الحب والوله للحبيب المجهول!" التفوّه بهذه الأشياء يشبه المساس بالمقدّسات، يحتاج إلى القليل من المخاطرة في الإفصاح عنه. لا أعني المخاطرة بما تحمل الكلمة من مفاهيم أسطوريّة، أعني الدخول في سجالات لا جدوى منها.

"أوكي، نزيف في الأذنين في أسوأ الأحوال!" أجبته ورفعت صوت الموسيقى أكثر وأكملت الرسم الأوّلي لـ باطن قدمي الأيمن بقلم الفحم العريض، بخطوط سريعة عشوائيّة يُكمِل سرعتها صوت "توم وايتس" مردّداً عبارات متتالية مع انقطاع ملحوظ في الشهيق والزفير "الله غائب، الله غائب، الله غائب في عمل" (God's Away On Business)

 الكتاب المصوّر "وايتس/كوربيجن 77-11"

كانت الصورة الأولى الملتقطة من قبل المصوّر والمخرج السينمائي الهولندي أنطون كوربيجين لتوم وايتس، والتي تعود لعام 1977 في هولندا نقطة البداية التي ساهمت فيما بعد بتعاون فنّي دام سنوات طويلة.

التعاون الذي بدأ بالتقاط صورة باللون الأحادي، الطابع الذي تم اعتماده فيما بعد ليكوّن أغلبية المشاهد المتدرّجة بتكثيف لوني بين مختلف درجات السواد والرمادي والبياض الخارج عن نقائه المعتاد. التدرّج الذي كان له دور في خدمة سياق المشاهد وعبثية تشكيلها. جُمعت المشاهد في أرشيف موثّق ليتم إطلاق مجموعة مصوّرة بكتاب واحد تحت عنوان:  "وايتس/كوربيجن77-11" الكتاب الصوري المصنوع غلافه من الكتّان.

يضم الكتاب أكثر من 275 صفحة لمشاهد تمّ التقاطها على مدار ما يقارب 35 سنة. توثيق لحياة وايتس بين عمر الـ 27 لـ 61 تقريباً. المفارقة أن تسلسل المشاهد يختلف زمانياً ويبدو الأمر جليّاً في ملامحه، التجاعيد، بعض الانحناءات والاكتناز في بعض مناطق جسده، ثقل الحركات البلهوانيّة التي أصبحت أكثر انضباطاً من مشهد لمشهد، لكن اللعب واللهو والسحر في حركاته لم يخفت نهائيّاً، إن قلّ ارتفاعه وجنونه في المشاهد المصوّرة في عمرٍ أصغر. يتسلّق أغصان الأشجار، يعتدي على البرك المائيّة الراكدة بقدمين حافيتين، وعلى وجهه تعابير تسخيف طفوليّة لكل ما هو موجود، وكأنما جسده يؤدي دور المقاوم أمام التقدّم في العمر. مقاومة جسديّة ساخرة أمام تدفّق الزمن المتسارع الجدي. التحرّر من سلطة الوقت والنضج بروح الدعابة المحارب أحياناً في عدد من المنصات الثقافيّة والفنيّة على أنها تقليل من قيمة ومعنى كل من يتورّط في هذه المجالات.

تتنوّع المشاهد بين عناصر مختلفة من نسور وأشجار عارية مائلة متدليّة نحو ظلّها، تكاد تبدو ميّتة.

غربان وشوارع فارغة وحصان ثابت كأنه دمية أو زينة موضوعة كتجهيز فنّي إلى جانب سيارة مركونة، تستدعي للتساؤل عما إذا كانت مصادفة أم عن قصد وجود عنصرين يشكلان مفارقة زمانيّة وتاريخيّة.

بقع متفشية مجهولة التكوين. ظلال بشريّة والكثير من العناصر المجتزأة من سياقها. ولكن المشترك بين هذه الأشياء؛ ثباتها ضمن فضاء يحتضن عنصرا أساسيا مفعما بالحركة، جسد توم وايتس المتسم بالخفّة، المتحرّر من كادر الصورة. وجهه وحركاته البهلوانيّة الهائمة في الهواء. إن لم يكن جسده فظلّه. إن لم يكن ظلّه، تتفاجأ بأن الصورة ملتقطة عن طريقه متعدّياً على صديقه المصوّر لكي يضعه خارجاً، مبعداً إياه عن أي صلة بالنتيجة البصريّة المحتملة أو النهائيّة.

تتضّمن بعض الصور اقتباسات من بعض أغاني وايتس، سطور نثريّة أو عناوين طويلة تبدو كأنها نصوص قصيرة جدّاً لوصف الصورة أو لإكمال كادرها لغويّاً. غالبية الصورة غير مجهزة، لكن حتى المشاهد المجهزة تبدو ساحرة غير مفتعلة أو بالغة في التركيب كالمشهد المصوّر في أحد شواطئ أوروبا معلّقاً كرسيّا خشبيّا حول رقبته، وممسكاً بآلة موسيقية نفخيّة أقرب إلى رأسه موازية لكتفه في يد، وآلة الكمان في اليد الأخرى الأقرب إلى القسم الأسفل من جسده باتجاه الأرض.

أكثر من 50 صفحة موزعة تضم صور التقطها وايتس بنفسه، تكمن الدهشة في هذه الصور بأنها ليست احترافيّة، مشاهد أكثر استرخاء، خارجة عن نطاق قواعد الصورة، أنصاف كوارد، مائلة قليلاً. تماماً كما يبدو وايتس في مقابلاته ومقاطع الفيديو المرافقة لموسيقاه المغناة.

جسد منتشٍ، مترنّح من تأثير الكحول. مسترخٍ على كرسي في مقابلة تلفزيونيّة، غير مهتم لقواعد المقابلات المعتادة بأن يكون ثابتا، لمّاحا، حاضر للإجابة. لا على الإطلاق، لا يهتم بالفضاء المحيط به وأنه محط أنظار، يبحث عن عود ثقاب ليشعل سيجارته بينما المقدّم والجمهور الحاضر ينتظر إجابته.

يأتي الكتاب مكمّلاً وليس منفصلاً عن موسيقى وايتس، تلك الموسيقى التي تستدعي وجود وقت يجري بانسيابيّة وتدفّق، دون معرفة زمانه المحدّد. موسيقى مختلطة يقطعها صوت صارم كمنشار منمّق، صعوداً وهبوطاً كأنه منبّه للابتعاد عن نمطيات الموسيقى المعتادة مع صوت المؤدّي الذي يكون عادةّ مدروسا ومضبوطا مع قواعد الموسيقى.

مشاهد كوربيجن تتسم بأسلوب اللعب واللهو. تنمو تباعاً وفقاً لجاهزيّة جسد وايتس في تطويع العناصر المحيطة به. هنا يظهر أسلوب كوربيجن في قدرته  والمهمة الشاقة قليلاً في الرغبة على إظهار أسلوبه الخاص بالتوازي مع موضوع متحرّك غير قابل للسيطرة كوايتس، سواء سيطرة جسديّة أو على أفكاره التي من الواضح أنه يبتكر معظمها دون استشارة أو الرجوع لمن خلف عدسة الكاميرا.

يبني كوربيجن نظريته الخاصة في اختيار وايتس ليكون محورا لمشاهده على مدار ثلاثة عقود من عمريهما معاً، مبتعداً عن الجانب الشخصي الوثيق بينهما ليكون سببا هامشيا وليس أساسيا رغم التطوّر المرافق للسنوات التي تمت أرشفتها فيما بعد لتجمع بكتاب مصّور. آخذاً عدّة تشعبات وأبعاد متفاوتة الأشكال. العلاقة الثنائيّة الفنيّة المرتبطة بأداة ثالثة خارجيّة جامدة بينهما وهي آلة التصوير. إنّ تموضع وايتس أمام العدسة والتصرّف بتحرّر وكأنه لوحده وبذات الوقت قدرته على تطويع نفسه بما تحمل من مزاجيات مختلفة لـ للمصوّر وأداته أحد الأسباب، ولعله الجوهري، في استمرارية ديمومة عملهما معاً لسنوات متتالية.

"من الصعب التقاط أو توثيق حياة شخص من خلال الصور لمدة تتجاوز الثلاثين سنة، هو فعل موجود في الأوساط الفنيّة أو الثقافيّة، لكن ليس شائعاً. عملنا معاً تطوّر كما تتطور الأشياء بمسارها الطبيعي، أي المسار غير المثالي، وهذا الأمر الجميل بذاته، الشوائب والأخطاء وسوء التفاهم. كلٌ منّا كان جديّاً تجاه عمله، لكن عندما يأتي الأمر للعمل سويّا، يختلف الأمر قليلاً ونصبح كالأطفال، متحرّرين من القوانين التي تسود عالم الناضجين" (كوربيجن معلّقاً عن الكتاب.)

 

Photo from the illustrated book "Tom Waits by Matt Mahurin". Copyright: Matt Mahurin

 

يتركنا الكتاب بما يحتوي من مشاهد للتساؤل عن طبيعة الفعل الأدائي لوايتس بوجهة نظر بصريّة مختلفة. مصورون/ات، أو فنانون/ات آخرون. لتأتي صور ورسومات غرائبيّة متداخلة بعوالم مختلفة شكّلها خيال مات ماهورين. أنصاف بشريّة بأطراف آلية، شخصيّات تحرّرت من سلطة الشكل الاعتيادي للأجسام البشريّة التي من السهل توقع حركاتها ومعرفة فعلها وردة فعلها على السواء. مات ماهورين مصوّر، رسام ومخرج أفلام، وأغاني مصوّرة لفرق موسيقيّة كفرقة "ميتاليكا".

يبدو وايتس بأسلوب ماهورين مختلفاً تماماً عن أسلوب كوربيجن. وايتس بصوره جزء من كُل، هذا الكل يأتي في سياقات مختلفة لكن مكمّلة لبعضها في المشهد الواحد، بخاصيّة زمنيّة كأنها قصة تجري أحداثها أو مسرحيّة بشخوص تمارس أفعالها اليوميّة. سواء أكان رسماً أم تصويراً. حيث كل تفصيل له دلالة ورمزية ومبرّر دراميّ يفسّر تموضعه في اللوحة أو الصورة. بعكس الأجواء الموجودة في صور كوربيجن، التي تبدو كأنّها التقطت خصيصاً لإظهار وايتس وتوثيق حركات جسده ووجه كعنصر أساسي يَصعُب التخلّي عنه، أما بقيّة الكادر مهمّش، أقرب إلى الديكور من السهل اجتزاؤه، تبديله أو التخلّص منه على حساب وايتس.