قداس بمناسبة عيد الفصح في إحدى كنائس بيروت
قداس بمناسبة عيد الفصح في إحدى كنائس بيروت

فارس خشّان/

أكثر ما يلفت انتباه من يجوّل في لبنان هو نمو الطائفية، بشكل غير مسبوق. مفارق الطرق تنبئ بذلك، والتلال ومرافئ الصيادين، كما أنّ بعض الصاغة استغنى، ترويجا لمجوهراته، عن خدمات النجوم بشفاعة القديسين.

ويثير ذلك شكوكا كبيرة في إمكان أن يجد العلمانيون، أي أولئك الذين يفصلون بين ملكوت السماوات وبين "ممالك الأرض"، موطئ قدم لهم، في" بلاد الأرز"، حيث اللغة الوطنية لا تستقيم بلا أبعاد طائفية، لأنه في مسار مماثل، لا يمكن أن تدخل في رحاب الوطن، من دون مفتاح طائفي.

والطوائف يتعاون بعضها مع البعض الآخر، فالسياسيون، وبمباركة من القادة الدينيين، يقسّمون اللبنانيين ويتقاسمونهم، ويعتبرون أنهم بذلك يحفظون استقرار الوطن وكرامة المواطن ويضمنون المستقبل ويزرعون في دربه الورود.

اقرأ للكاتب أيضا: 2019 بلا... ربيع!

والتوزيع الطائفي الذي اعتمده "بناة الاستقلال"، مؤقتا، وأكد على "مؤقته" واضعو اتفاق الطائف الذي على أساسه جرى تعديل الدستور لوقف الحرب التي استمرت من ربيع العام 1975 حتى خريف العام 1990، ـ هذا التوزيع ـ أصبح واقعا دائما، إذ إنه بدل إلغائه من النصوص أصبح راسخا في النفوس.

وكل من حاول تقديم مرتبة الوطن على الطائفة، جوبه بموجة من الويل والثبور وعظائم الأمور، واتهم بأنه من العاملين على إعادة لبنان إلى الحرب. هذه الحرب التي كانوا قد أجمعوا على اعتبارها صناعة خارجية بأهداف إقليمية، وأنها لم تكن أبدا بين أبناء الوطن الواحد "المتعايشين منذ أبد الآبدين".

والاعتدال في لبنان الذي يشيد به الجميع ويدّعيه الجميع، لا يعدو كونه تعاونا بين المكونات الطائفية التي تلغي كل مساحة يمكن أن ينمو فيها من قرّر، لسبب أو لآخر، أن يخدم وطنه من خارج المعايير الطائفية.

والاعتدال بالمفهوم اللبناني لا يعني بأي حال من الأحوال خروجا عن القواعد المتجمدة التي يضعها عتاة المتدينين، فانتسابك إلى السياسة، كما مدخلها كذلك بيت قصيدها، هو الطائفة بقواعدها تلك.

ولهذا فأنت لا يمكنك، مهما كان مبررك، أن تخطو خطوة في اتجاه الآخر، من دون أن تلتزم بالقواعد المفروضة، كما لا يمكنك أن تتراجع عنها، من دون أن تراعي القواعد النقيضة التي لا تقل قسوة.

وفي بيت العنكبوت هذا وجدت النائبة رلى طبش، وهي من المذهب السني، نفسها.

على قاعدة الصلاة من أجل السلام، ذهبت إلى الكنيسة وشاركت في قداس، وفق الطقس الماروني، واقترفت "خطيئتها المميتة" عندما تقدمت من الكاهن، في أثناء المناولة، وتباركت من الكأس التي تحمل "جسد المسيح".

وكأنها شيخ دين، وليست نائبا في البرلمان "يمثل الأمة جمعاء ولا يجوز أن تربط وكالته بقيد أو شرط من قبل منتخبيه"(وفق النص الدستوري)، استدعيت، بعد حملة شعواء عليها، إلى دار الفتوى (مرجعيتها الدينية) حيث "اعتذرت من الله"، في بيان ديني بليغ، عمّا فعلته في الكنيسة.

ومن يقرأ "أدبيات الاعتذار"، يشك في أن هذه النائبة التي اندمجت في الطقس الماروني حتى تباركت بكأس القربان، تعرف أن تصوغها، فلغة البيان وسبكته ومضامينه، تشبه إماما وليس نائبا في مقتبل عمرها، تحاول أن تنقذ نفسها، كما التيار السياسي الذي تنتمي إليه، من تخوين لم يعد يحتمله، بعدما اضطرته التطورات المتلاحقة أن يترك موقع قيادة طائفته إلى موقع الالتحاق بها.

والتدقيق يُظهر قبول النائبة طبش بالبيان، من دون أن تكون "والدته"، فهي، مثلا، لم تضعه على صفحاتها المتوافرة في مواقع التواصل الاجتماعي، على الرغم من أنّها نشرت أمورا كثيرة تتصل بالدفاع عن مشاركتها في القداس، من جهة واعتزازها، في آن بإسلامها، من جهة أخرى.

ولكانت "المشكلة" قد هانت لو أن "الاضطراب" الطائفي قد توقف عند هذا الحد، بحيث يبدي جمهور "القداس" تفهمه لخلفيات اضطرار " النائبة المباركة" على الاعتذار.

لكن عكس ذلك حصل، فغيرة الدين، هبت هذه المرة عند الطائفيين المسيحيين، فلعنوا بعدما باركوا، وغضبوا بعدما حلموا، وهجوا بعدما مدحوا، وقسوا بعدما حنوا.

وهكذا تحوّل القداس من محطة صلاة من أجل السلام، إلى خطوة جديدة في مسار صناعة النزاع، وبدل أن يَجمع المختلفين طائفيا في حضرة إلههم الواحد ليصبحوا واحدا أحدا على صورته ومثاله، زرع التنافر بينهم وقسّم الواحد الأحد على صورتهم ومثالهم.

اقرأ للكاتب أيضا: خلاف عون و'حزب الله': مصلحي أم وطني؟

وما حصل مع النائبة رلى الطبش، ليس سوى نموذج عن واقع مؤسف يفتقد إلى مقوّمات راسخة للعيش المشترك مع المختلف، سواء دينيا أم اجتماعيا، إذ أنه تبرز في هذا السياق مفاهيم شاذة للانفتاح، ولكن من موقع آخر، فإذا أراد البعض أن يقول عن مسلم بأنه غير متعصّب يستدل على ذلك من تعلقه بالكحول، وإذا شاء أن يتحدث عن "حضارية" مسلمة يستدل على ذلك بثيابها الجريئة، في المقابل إذا رغب أحدهم أن يقول عن مسيحي بأنه منفتح يلفت إلى أنه يحفظ آيات قرآنية، ويمتنع عن الكحول إذا حضر المسلمون، ويصون لسانه إذا رأى مسلمة.

وبذلك، يبدو أن الانفتاح هنا، مجرد خمر وعري، وهناك مجرّد لياقة وكياسة.

إنّ استخلاص دروس انقاذية من كل ذلك لا قيمة له، لأنّ وعظ من امتهنوا الوعظ لا يُجدي نفعا.

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.