رسم تقريبي لكارلوس غصن على تلفزيون ياباني
رسم تقريبي لكارلوس غصن على تلفزيون ياباني

منى فياض/

الصدفة وحدها جعلتني أعثر على كتاب أَمِلي نوتومب "Stupeur et tremblements"، الصادر عن دار الفارابي، في معرض الكتاب الفرنسي. يتحدث الكتاب عن قسوة عالم الشركات في اليابان.

لليابان عليّ سحر لا يقاوم. بدءا من أساطيرها إلى الرسومات والخزفيات والمنمنات وتنسيق الزهور والحدائق، وصولا إلى طقوس الشاي والغيشا والساموراي. أما الأدب الياباني فقرأت منه كل ما وقع تحت يدي بالعربية أو الفرنسية. وأجد أنه من أكثر أنواع الآداب توازنا، لرقة وصفه الطبيعة التي تبدو أقرب إلى كائن حي، إلى التسلل إلى حنايا النفس البشرية وخفاياها. كما يعالج العلاقات بين البشر...

وهناك اليابان ـ الأسطورة، التي حولتها هزيمتها إلى عملاق اقتصادي حين قررت محاربة الغرب عن طريق "تغريب اليابان"؛ على ما جاء في كتاب سفير لبنان السابق في اليابان سمير شما عنها.

اقرأ للكاتبة أيضا: أوهام الهويات المجروحة الطاحنة

لكن إعجابي وقراءاتي تلك لم تزودني، سوى مرات نادرة، بنظرة نقدية جدية لهذه الحضارة المغلقة والمغرقة في قدمها، والتي تعرف تاريخا دمويا وعنيفا في علاقاتها مع الغزاة ومع الجيران (هناك نصب تذكاري عبارة عن تلة من أنوف 400 ألف كوري قضوا في حروب اليابان وكوريا).

لكن "يابان" العقود الأخيرة غطت على كل ذلك.

قبل أن تنفجر قضية كارلوس غصن والقبض عليه بتهم مالية، كانت ابنتي قد أشارت إلى ما نقلته لها صديقتها التي عاشت في اليابان عن نظرتهم للأجانب وكيفية تعاملهم معهم. فخلف اللطف الفائض والتهذيب التام، يختبئ تعامل قاس، يبرر تصرفات، نعتبرها نحن طعنا في الظهر.

عاشت نوتومب سنواتها الخمس الأولى في اليابان نظرا لعمل والدها في السلك الدبلوماسي البلجيكي. وظلت تحن إلى تلك البلاد مختزنة تلك المشاعر التي تملكتها طفلة لتفسر تحملها مشاق وظيفتها في شركة يابانية وتحملها للتنكيل لمدة عام، دون أن تستقيل لأن ذلك سيعد "بمثابة فقدان للمكانة". فالشركة بالنسبة للياباني هي الوجود نفسه:

"إن مواقفنا العصية على الفهم غالبا ما تكون طفولتنا مصدرا لها. عندما كنت طفلة أحببت العالم الياباني لدرجة أني لم أستطع التخلص من ذلك الكم من الحب. وها أنا أقف وجها لوجه مع فظاعة نظام يتنكر لكل ما آمنت به، ومع ذلك بقيت مخلصة للقيم التي لم أعد أؤمن بها".

عندما تكلمت مع ضيوف الشركة باليابانية غضب مديرها وأمرها: "لا تفهمي اللغة اليابانية"، لأن ضيوف الشركة سيحرجون من التحدث أمام "أجنبية".

ففسرت انصياعها:

"لم تكن لدي أي رغبة في مغادرة الشركة. كنت قد عانيت كثيرا كي التحق بها، إذ تعلمت اللغة اليابانية الخاصة بالأعمال، وأجريت عدة اختبارات إلى جانب ذلك... كنت أرغب في العيش في البلد الذي كنت منبهرة به نتيجة تلك الذكريات المثالية التي احتفظت بها".

تبدو اليابان عالما بعيدا غامضا، فلقد عاشت في عزلة آلافا من السنين. وخلال الحكم الإقطاعي (1600 ـ 1868) فرضت اليابان على نفسها عزلة تامة عن العالم الخارجي (في العام 1639 تحديدا). قليلون من اليابانيين العاديين كانوا يعرفون أن ثمة أوطانا غير اليابان موجودة في العالم. وإثر انفتاحها بدأت بالإصلاحات، تحت الحكم الميجي، ما مكنها من الانتقال من زمن الساموراي إلى الحداثة دون ثورة دموية.

عمد اليابانيون بعد هيروشيما إلى تحديث بلادهم واكتساب التكنولوجيا المتطورة وحاربوا الغرب عن طريق استيعاب طرقه ومنهجياته. فخرجت اليابان من الهزيمة وتحولت في ثمانينيات القرن الماضي قوة اقتصادية هائلة في آسيا والعالم.

لكن السؤال المطروح دائما في اليابان وخارجها: هل هم آسيويون أم غربيون؟

إنها أهم معاناتهم بحسب هنتغتون: "تتنازعهم مشاعر متناقضة. جغرافيتهم وتاريخهم وثقافتهم تجعل منهم آسيويين. اقتصادهم الليبرالي المتفوق، نظامهم السياسي الديمقراطي ومستوى الحداثة التي بلغوها تجعل منهم غربيين". كما ينقل السفير شما، عن الكاتب إيان بوروما: "لا يشعرون أنهم حقا جزءا من آسيا ولا يشعرون أنهم جزء من أي شيء آخر. يرون أن هويتهم هي فرادتهم". فعلى امتداد القرن العشرين لم تعط اليابان نفسها إلا مهمة واحدة هي أن تبقى يابانية... اختصر الكاتب الياباني يوكيو ميشيما الأمر: "وحده غير المرئي هو ياباني".

في اليابان على كل أجنبي يرغب في الاندماج في المجتمع أن يلتزم بتقاليد الإمبراطورية. "لكن المثير للدهشة أن اليابانيين الذين يصدمهم عدم احترام الآخرين لتقاليد بلادهم، لا يصدمهم إخلالهم بتقاليد الآخرين"، بحسب نوتومب.

في عالم الشركات اليابانية كان على نوتومب: "الالتزام بمظهر الجفاء الياباني. فالعاملون في شركة يوميتومو كالأصفار لا تكسب قيمتها إلا خلف الأرقام الأخرى". كلمة "مستحيل" غير موجودة، "فهناك دائما وسيلة لطاعة الأوامر. هذا ما ينبغي أن تستوعبه العقول الغربية". فالمبادرة الفردية تعتبر جريمة. أما البراغماتية فبغيضة ولا توجد إلا لدى شخص "أوروبي النزعة".

اقرأ للكاتبة أيضا: الثورات التقنية.. لا مساواة ولا حرية

اكتشفت معنى التراتبية والولاء في شركة يابانية عندما وشت بها المسؤولة عنها لتلبيتها طلب زميل لتنفيذ بحث دون إذن منها. تفسير السلوك: "عانت الآنسة موري عدة سنوات كي تحصل على المنصب الذي تشغله اليوم. لا شك أنها لم تتحمل أن تحصلي على الترقية التي حصلت عليها في عشرة أيام فقط".

هكذا تجري الأمور في اليابان. وعندما جعلتها تقوم بالعمل الذي لا تحسنه، في احتساب الأرقام وفشلت أنّبتها قائلة:

بما أنني عينتك فأنا المسؤولة عما ترتكبينه من أخطاء. أنت تعرفين ذلك جيدا، ورغم ذلك تتصرفين بدناءة كل الأوروبيين ذاتها. إنك تضعين غرورك الشخصي فوق مصالح الشركة كي تنتقمي مني. بسبب تصرفي معك، لم تترددي ولو للحظة في ضرب مصالح شركة يوميتومو. ففي اليابان "لا وجود لمثل هؤلاء" الذين لا يجيدون القيام بالعمل المطلوب مهما كان.

أصابها إحباطها بنوبة جعلتها تنام تحت النفايات. لم يثر الأمر، الذي في دول أخرى يمكن أن يؤدي إلى الطرد، أي استغراب.

هناك منطق غريب وراء هذا التصرف:

"تخلق الأنظمة الأشد استبدادا في الدول التي ترضخ تحت نير الاستبداد، كثيرا من حالات الهوس الأشد انحرافا ـ ولأنها تخلقها، فإنها تتحمل نسبيا كل تلك الحالات المثيرة للاستغراب... صحيح أنني نمت تحت النفايات، إلا أن ذلك لا يكاد يعني شيئا في اليابان، لأنه بلد يدرك جيدا معنى أن يفقد الإنسان صوابه".

الكتاب غني جدا بالأمثلة التي تكشف بعمق كيف ينظر الياباني إلى الأجنبي وكيف يتعامل مع ذاته ومع العمل. حيث الثقافة اليابانية المتطلبة ليست صعبة فقط على الأجنبي لكنها ثقيلة الوطأة على الياباني نفسه.

وهذا ما يجعل نسبة الانتحار عالية كما أشارت نوتومب.

وإذا أثارت المرأة اليابانية إعجابها فذلك نابع من:

"قدرتها على احتمال العيش. فهي لا تقدم على الانتحار لحسن تربيتها. ولا يمكن لومها على العمل كثيرا، لأن الانسان في رأي اليابانيين حتى وإن أكثر من العمل فإنه لا يعمل بما فيه الكفاية. القاعدة الأساسية المسّلم بها، أن لا تشتكي من شيء أو من أحد. إن سادية مثل هذا النظام تكمن في أن احترامه يؤدي بالضرورة إلى خرقه".

تخلص المؤلفة إلى أن ما من شخص سيجد نفسه مكانها الا وسيستقيل. أي شخص، شريطة ألا يكون يابانيا. اختارت مهمة تنظيف المراحيض على تقبل الإهانة. مع ذلك، لم تجد أن معاناتها أسوأ من معاناتهم.

تتساءل:

"ماذا يجد المحاسبون المحشوة أدمغتهم بالأرقام خارج الشركة؟ جعة يكرعونها رفقة زملاء مرهقين مثلهم؟ ساعات طويلة في المترو؟ زوجة نامت قبل أن يعودوا من العمل؟ والعطل النادرة التي لا يعرفون كيف سيقضونها؟ لا شيء على الإجمال مما يستحق أن نسميه حياة". 

تستخلص، كيف يمكن أن نعتقد، بعد ذلك، أن هؤلاء من بين المحظوظين في العالم؟ هل لاعتيادهم وتقبلهم أكبر النكبات بصمت ودون شكوى علاقة بهذه العقلية التي تتطلب الرضوخ وتمجد الجماعة على حساب الفرد؟

ربما تكون غلطة كارلوس غصن أنه لم يسبر نفسية الياباني وثقافته بما فيه الكفاية كي يحسن التكيف معها.

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

صورة من كتاب "Tom Waits by Matt Mahurin" Copyright: Matt Mahurin

"ما هذا الهراء!؟"

السؤال الاعتراضي الذي باغتني به أحد أساتذتي في جامعة الفنون في برلين، أثناء تواجده الأسبوعي في استديو العمل الخاص بي والمشترك مع أربع طلاب آخرين. للوهلة الأولى اعتقدت أنّه يتحدّث عن لوحتي المعلقة على الحائط.

في تلك اللحظة، كان الوصف ليكون أكثر تقبّلاً من قبلي على أن يكون تجاه الموسيقى التي تدور في فضاء الاستديو. مشيراً بإصرار مع ابتسامة فوقيّة تجاه هذا النوع من الموسيقى على أنّها تمثّل الهبوط والقاع في أحسن أحوالها. دون أن يستفيض لماذا، وعلى ماذا استند يقينه بأن ما يُسمع في تلك اللحظات من موسيقى تصدح من مكبّر الصوت هو "هراء"!

لماذا يتفق الجميع على أشياء تبدو عاديّة دون أي ذبذبات مثيرة للاهتمام من قبلها، لكن الإجماع على علوّ قيمتها بصريّاً أو سمعيّاً يحوّلها أتوماتيكيّاً إلى موضوع جيّد متفق عليه؟ غريب! وأي اعتراض عليها يحمّل صاحبها بصفة "الذائقة السيئة"، أو توجيه تهمة "الرغبة في التميّز عن السائد لمجرّد الاختلاف" التمييز بمعناه المفرغ من محتواه.

مثلاً قول أشياء من قبيل: "لا أحب موسيقى بيتهوفن" أو "صوت فيروز يدفعني للوقوف على جرف جبل ورمي نفسي عند لحظة تأوهها بكلمات الحب والوله للحبيب المجهول!" التفوّه بهذه الأشياء يشبه المساس بالمقدّسات، يحتاج إلى القليل من المخاطرة في الإفصاح عنه. لا أعني المخاطرة بما تحمل الكلمة من مفاهيم أسطوريّة، أعني الدخول في سجالات لا جدوى منها.

"أوكي، نزيف في الأذنين في أسوأ الأحوال!" أجبته ورفعت صوت الموسيقى أكثر وأكملت الرسم الأوّلي لـ باطن قدمي الأيمن بقلم الفحم العريض، بخطوط سريعة عشوائيّة يُكمِل سرعتها صوت "توم وايتس" مردّداً عبارات متتالية مع انقطاع ملحوظ في الشهيق والزفير "الله غائب، الله غائب، الله غائب في عمل" (God's Away On Business)

 الكتاب المصوّر "وايتس/كوربيجن 77-11"

كانت الصورة الأولى الملتقطة من قبل المصوّر والمخرج السينمائي الهولندي أنطون كوربيجين لتوم وايتس، والتي تعود لعام 1977 في هولندا نقطة البداية التي ساهمت فيما بعد بتعاون فنّي دام سنوات طويلة.

التعاون الذي بدأ بالتقاط صورة باللون الأحادي، الطابع الذي تم اعتماده فيما بعد ليكوّن أغلبية المشاهد المتدرّجة بتكثيف لوني بين مختلف درجات السواد والرمادي والبياض الخارج عن نقائه المعتاد. التدرّج الذي كان له دور في خدمة سياق المشاهد وعبثية تشكيلها. جُمعت المشاهد في أرشيف موثّق ليتم إطلاق مجموعة مصوّرة بكتاب واحد تحت عنوان:  "وايتس/كوربيجن77-11" الكتاب الصوري المصنوع غلافه من الكتّان.

يضم الكتاب أكثر من 275 صفحة لمشاهد تمّ التقاطها على مدار ما يقارب 35 سنة. توثيق لحياة وايتس بين عمر الـ 27 لـ 61 تقريباً. المفارقة أن تسلسل المشاهد يختلف زمانياً ويبدو الأمر جليّاً في ملامحه، التجاعيد، بعض الانحناءات والاكتناز في بعض مناطق جسده، ثقل الحركات البلهوانيّة التي أصبحت أكثر انضباطاً من مشهد لمشهد، لكن اللعب واللهو والسحر في حركاته لم يخفت نهائيّاً، إن قلّ ارتفاعه وجنونه في المشاهد المصوّرة في عمرٍ أصغر. يتسلّق أغصان الأشجار، يعتدي على البرك المائيّة الراكدة بقدمين حافيتين، وعلى وجهه تعابير تسخيف طفوليّة لكل ما هو موجود، وكأنما جسده يؤدي دور المقاوم أمام التقدّم في العمر. مقاومة جسديّة ساخرة أمام تدفّق الزمن المتسارع الجدي. التحرّر من سلطة الوقت والنضج بروح الدعابة المحارب أحياناً في عدد من المنصات الثقافيّة والفنيّة على أنها تقليل من قيمة ومعنى كل من يتورّط في هذه المجالات.

تتنوّع المشاهد بين عناصر مختلفة من نسور وأشجار عارية مائلة متدليّة نحو ظلّها، تكاد تبدو ميّتة.

غربان وشوارع فارغة وحصان ثابت كأنه دمية أو زينة موضوعة كتجهيز فنّي إلى جانب سيارة مركونة، تستدعي للتساؤل عما إذا كانت مصادفة أم عن قصد وجود عنصرين يشكلان مفارقة زمانيّة وتاريخيّة.

بقع متفشية مجهولة التكوين. ظلال بشريّة والكثير من العناصر المجتزأة من سياقها. ولكن المشترك بين هذه الأشياء؛ ثباتها ضمن فضاء يحتضن عنصرا أساسيا مفعما بالحركة، جسد توم وايتس المتسم بالخفّة، المتحرّر من كادر الصورة. وجهه وحركاته البهلوانيّة الهائمة في الهواء. إن لم يكن جسده فظلّه. إن لم يكن ظلّه، تتفاجأ بأن الصورة ملتقطة عن طريقه متعدّياً على صديقه المصوّر لكي يضعه خارجاً، مبعداً إياه عن أي صلة بالنتيجة البصريّة المحتملة أو النهائيّة.

تتضّمن بعض الصور اقتباسات من بعض أغاني وايتس، سطور نثريّة أو عناوين طويلة تبدو كأنها نصوص قصيرة جدّاً لوصف الصورة أو لإكمال كادرها لغويّاً. غالبية الصورة غير مجهزة، لكن حتى المشاهد المجهزة تبدو ساحرة غير مفتعلة أو بالغة في التركيب كالمشهد المصوّر في أحد شواطئ أوروبا معلّقاً كرسيّا خشبيّا حول رقبته، وممسكاً بآلة موسيقية نفخيّة أقرب إلى رأسه موازية لكتفه في يد، وآلة الكمان في اليد الأخرى الأقرب إلى القسم الأسفل من جسده باتجاه الأرض.

أكثر من 50 صفحة موزعة تضم صور التقطها وايتس بنفسه، تكمن الدهشة في هذه الصور بأنها ليست احترافيّة، مشاهد أكثر استرخاء، خارجة عن نطاق قواعد الصورة، أنصاف كوارد، مائلة قليلاً. تماماً كما يبدو وايتس في مقابلاته ومقاطع الفيديو المرافقة لموسيقاه المغناة.

جسد منتشٍ، مترنّح من تأثير الكحول. مسترخٍ على كرسي في مقابلة تلفزيونيّة، غير مهتم لقواعد المقابلات المعتادة بأن يكون ثابتا، لمّاحا، حاضر للإجابة. لا على الإطلاق، لا يهتم بالفضاء المحيط به وأنه محط أنظار، يبحث عن عود ثقاب ليشعل سيجارته بينما المقدّم والجمهور الحاضر ينتظر إجابته.

يأتي الكتاب مكمّلاً وليس منفصلاً عن موسيقى وايتس، تلك الموسيقى التي تستدعي وجود وقت يجري بانسيابيّة وتدفّق، دون معرفة زمانه المحدّد. موسيقى مختلطة يقطعها صوت صارم كمنشار منمّق، صعوداً وهبوطاً كأنه منبّه للابتعاد عن نمطيات الموسيقى المعتادة مع صوت المؤدّي الذي يكون عادةّ مدروسا ومضبوطا مع قواعد الموسيقى.

مشاهد كوربيجن تتسم بأسلوب اللعب واللهو. تنمو تباعاً وفقاً لجاهزيّة جسد وايتس في تطويع العناصر المحيطة به. هنا يظهر أسلوب كوربيجن في قدرته  والمهمة الشاقة قليلاً في الرغبة على إظهار أسلوبه الخاص بالتوازي مع موضوع متحرّك غير قابل للسيطرة كوايتس، سواء سيطرة جسديّة أو على أفكاره التي من الواضح أنه يبتكر معظمها دون استشارة أو الرجوع لمن خلف عدسة الكاميرا.

يبني كوربيجن نظريته الخاصة في اختيار وايتس ليكون محورا لمشاهده على مدار ثلاثة عقود من عمريهما معاً، مبتعداً عن الجانب الشخصي الوثيق بينهما ليكون سببا هامشيا وليس أساسيا رغم التطوّر المرافق للسنوات التي تمت أرشفتها فيما بعد لتجمع بكتاب مصّور. آخذاً عدّة تشعبات وأبعاد متفاوتة الأشكال. العلاقة الثنائيّة الفنيّة المرتبطة بأداة ثالثة خارجيّة جامدة بينهما وهي آلة التصوير. إنّ تموضع وايتس أمام العدسة والتصرّف بتحرّر وكأنه لوحده وبذات الوقت قدرته على تطويع نفسه بما تحمل من مزاجيات مختلفة لـ للمصوّر وأداته أحد الأسباب، ولعله الجوهري، في استمرارية ديمومة عملهما معاً لسنوات متتالية.

"من الصعب التقاط أو توثيق حياة شخص من خلال الصور لمدة تتجاوز الثلاثين سنة، هو فعل موجود في الأوساط الفنيّة أو الثقافيّة، لكن ليس شائعاً. عملنا معاً تطوّر كما تتطور الأشياء بمسارها الطبيعي، أي المسار غير المثالي، وهذا الأمر الجميل بذاته، الشوائب والأخطاء وسوء التفاهم. كلٌ منّا كان جديّاً تجاه عمله، لكن عندما يأتي الأمر للعمل سويّا، يختلف الأمر قليلاً ونصبح كالأطفال، متحرّرين من القوانين التي تسود عالم الناضجين" (كوربيجن معلّقاً عن الكتاب.)

 

Photo from the illustrated book "Tom Waits by Matt Mahurin". Copyright: Matt Mahurin

 

يتركنا الكتاب بما يحتوي من مشاهد للتساؤل عن طبيعة الفعل الأدائي لوايتس بوجهة نظر بصريّة مختلفة. مصورون/ات، أو فنانون/ات آخرون. لتأتي صور ورسومات غرائبيّة متداخلة بعوالم مختلفة شكّلها خيال مات ماهورين. أنصاف بشريّة بأطراف آلية، شخصيّات تحرّرت من سلطة الشكل الاعتيادي للأجسام البشريّة التي من السهل توقع حركاتها ومعرفة فعلها وردة فعلها على السواء. مات ماهورين مصوّر، رسام ومخرج أفلام، وأغاني مصوّرة لفرق موسيقيّة كفرقة "ميتاليكا".

يبدو وايتس بأسلوب ماهورين مختلفاً تماماً عن أسلوب كوربيجن. وايتس بصوره جزء من كُل، هذا الكل يأتي في سياقات مختلفة لكن مكمّلة لبعضها في المشهد الواحد، بخاصيّة زمنيّة كأنها قصة تجري أحداثها أو مسرحيّة بشخوص تمارس أفعالها اليوميّة. سواء أكان رسماً أم تصويراً. حيث كل تفصيل له دلالة ورمزية ومبرّر دراميّ يفسّر تموضعه في اللوحة أو الصورة. بعكس الأجواء الموجودة في صور كوربيجن، التي تبدو كأنّها التقطت خصيصاً لإظهار وايتس وتوثيق حركات جسده ووجه كعنصر أساسي يَصعُب التخلّي عنه، أما بقيّة الكادر مهمّش، أقرب إلى الديكور من السهل اجتزاؤه، تبديله أو التخلّص منه على حساب وايتس.