يقرأون القرآن بعد صلاة الجمعة خلال شهر رمضان في أحد مساجد أبيدجان
يقرأون القرآن بعد صلاة الجمعة خلال شهر رمضان في أحد مساجد أبيدجان

محمد المحمود/

يمكن اعتبار المنظومة الفقهية السائدة هي القانون السلوكي الذي يحتكم إليه الأفراد في المجتمعات الإسلامية؛ حتى وإن لم تكن "صِيَغه الوُجُوبية" في المدونة الفقهية ملزمة قانونيا في معظم الأحوال. هي ـ في معظم الأحوال ـ قانون ضمني، له قوة نفاذ؛ تتناسب مع درجة السلطة التي يتمتع بها الفقهاء في مجتمع ما.

والمقصود أن "التنظير الفقهي" قديما وحديثا ليس مسألة فكرية متعالية، ليس تنظيرا في مسائل ميتافيزيقية، وبالتالي ليس مسألة ترفية، بل هو مرتبط أشد ما يكون الارتباط بحياة الأفراد والمجتمعات في العالم الإسلامي، بل وبحياة الأفراد المسلمين في المهجر: خارج نطاق المجتمع الإسلامي.

من هنا تأتي أهمية التجديد الديني الجذري في سياق التحولات المجتمعية الحاسمة، حيث يرتبط الأمر هنا بتغيير منظومة قوانين السلوك العام الذي يحدد مسار عملية التغيير، بل ويحسم نتائجها النهائية في مستوياتها الكمية والنوعية. فلا يمكن في السياق المجتمعي التقليدي الذي تهيمن عليه توجهات فقهية تقليدية/جامدة أن يتشكل مجتمع حيوي جديد، بأنماط سلوكية جديدة، مُتطوّرة نوعيا، وعازمة على القطع من أزمنة عصور التخلف والانحطاط التي لا يزال منطقها الثقافي ـ السلوكي يُشكّل أنماط الوعي السائدة في مجتمعات عالم المسلمين.

اقرأ للكاتب أيضا: تساؤلات حول الإجماع الفقهي

لقد نشأ الفقه التقليدي ابن ظروفه تماما، أي أن البيئة التي تشكّل فيها هي التي صنعته، وحددت مساراته، وراكمت قدسيته عبر تاريخ طويل من التكرار والتأكيد؛ عودا وبدءا على الأصول والفروع، تعضيدا وتفسيرا وشرحا وتهميشا؛ حتى أصبحت أصوله/ أصول الفقه (تلك الأصول التي بدأت ظنية وخلافية وجدلية)، قطعية ويقينية، يُحتكم إليها ولا تُحاكم، ويُجدّد على ضوئها ولا يمسها التجديد. وبهذا تحول التجديد الديني في هذا العصر ـ وفرعه: التجديد الفقهي ـ إلى مجرد استعادة بليدة لفتاوى قديمة تمتعت بانفتاح نسبي يقوم على قاعدة التيسير، ورفع الحرج، والأخذ بأصل الإباحة؛ دونما فحص وتفكيك للأصول الحاكمة؛ ودونما حفر في الطبقات الغائرة التي تمتد فيه جذور هذه الأصول.

في المقال السابق أخذنا "الإجماع" عند الفقهاء الأصوليين كنموذج للفوضى التأصيلية التي رافقت تشكّل التراث الفقهي السائد والمهيمن في معظم أقطار العالم الإسلامي. وقد رأينا كيف بدا هذا الأصل/ الإجماع محل خلاف واسع وطويل، بحيث لم يتوفر له الإجماع حتى على أشد مفاصله وضوحا وأهمية. ولا شك أن الاضطراب الفقهي/ الأصولي الشديد المتضمن لكثير من الإشكاليات بدا واضحا من خلال ذلك العرض الموجز الذي اعتمدنا فيه على طرح الأسئلة على مسار الـتأصيل الفقهي لأصل الإجماع.

لم يكن ما عرضناه هو كل ما في هذا الأصل من إشكاليات، إذ ثمة إشكاليات أخرى في المسألة، إشكاليات تتعدى الأسئلة الإشكالية داخل التنظير الأصولي، والتي بدورها ستكشف عن طبيعة الممارسات الفقهية التقليدية التي بقيت إلى اليوم محصّنة ضد النقد والمراجعة الجذرية، وذلك لأسباب تتعلق بتجاذبات إرادة الهيمنة، وتقاطع المصالح بين الفقهاء ومنافسيهم في رموز الهيمنة الاجتماعية، إضافة إلى حالة الانحطاط والتخلف الجمود التي تعيشها الأمة الإسلامية منذ ألف عام؛ ولا تزال.

ليس من قبيل المصادفة المحضة أن يكون "الإمام الشافعي" هو المؤسس الحقيقي لعلم أصول الفقه، ذلك العلم الذي يؤسس لسلطة الفقيه؛ إذ هو/ الشافعي لا يخلو من طموح سياسي مضمر يمليه عليه كونه "هاشميا"، أي من الأصل الذي كان محل النزاع في الشرعية السياسية، فالدولة العباسية التي قامت قبل مولد الشافعي بعقدين تقريبا، كانت تؤسس شرعيتها على القرابة النبوية، وأهم الثورات التي قامت ضدها في هذين العقيدين وما تلاهما كانت ثورات تتوسل بالقرابة لتدعيم شرعيتها، بل إن الشافعي ذاته اعتقل زمن الرشيد بـ"تهمة سياسية" تتعلق بالطموح السلطوي. ولا يهم هنا ثبات التهمة من عدمها؛ بقدر ما يهم ثبات أنه اعتقل بسببها، وأن السلطة آنذاك كانت ترتاب به في هذا السياق السياسي.

وحتى تتضح الصورة أكثر؛ لا بد أن نتساءل: كيف قرر الشافعي "أصل الإجماع" في السياق الفقهي؟ هل النصوص الدينية التأسيسية قادته إلى التأكيد على هذا الأصل كمصدر ثالث للتشريع، أم أنه تصوّره فقهيا (وهو ـ في اللاشعور؛ على الأقل ـ تحدوه إرادة تمكين الفقهاء على حساب الأمراء)، ثم بحث له عن أدلة تمنحه الشرعية للازمة لتثبيته كأصل لا يقبل النزاع؟

يروي الفقهاء الأصوليون عند الحديث عن الإجماع قصة خطيرة وقعت للشافعي، وإن لم يدركوا خطورتها، وهي أن الشافعي جاءه شيخ، فقال له: أسأل؟ قال الشافعي: سل. قال ما الحجة في دين الله؟ فقال الشافعي: كتاب الله. قال: وماذا؟ قال: سنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: وماذا؟ قال: اتفاق الأمة. قال: ومن أين قلت اتفاق الأمة من كتاب الله؟ فتدبر الشافعي ساعة. فقال الشيخ أجلتك ثلاثة أيام، فتغير لون الشافعي، ثم إنه ذهب، فلم يخرج أياما. قال: فخرج من البيت في اليوم الثالث، فلم يكن بأسرع أن جاء الشيخ فسلم، فجلس، فقال: حاجتي؟ فقال الشافعي: نعم، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: {ومن يُشاقِقِ الرسولَ مِن بَعد ما تَبَيّنَ له الهُدى ويتّبع غير سبيل المؤمنين نُوَلِّه ما تولّى ونصله جهنم وساءت مصيرا}. ثم قال الشافعي إنه استعرض القرآن من أوله إلى آخره ثلاث مرات؛ ليبحث عن دليل قرآني على حجية "اتفاق الأمة"/ الإجماع الذي ذكره للشيخ كمصدر ثالث للتشريع، حتى وجد هذه الآية التي رآها دليلا.

ليس المهم هنا كون هذه الآية ظنية الدلالة، إذ تدخل الاحتمالات في تأويلها/ تفسيرها (وما دخله الاحتمال بطل به الاستدلال)، وإنما المهم والخطير هو أن الشافعي قرر الحكم قبل معرفة الدليل، ثم بحث للحكم عن دليل. إذن، ليست الأدلة النصوصية هي التي أسست للحكم، بل هو "رأي الشافعي" الذي اعتقده أولا، ثم كان البحث عن أدلة تدعم "وجهة النظر الخاصة"، ولو بالاعتساف.

على هذا المنوال سار ويسير الفقهاء في الأغلبية الساحقة من أحكامهم التي هي نتاج تصوراتهم، تلك التصورات الخاصة والظرفية التي تتشكل بفعل عوامل كثيرة تسبق النص الديني، منها: الوسط الثقافي والاجتماعي، والطبيعة النفسية للفقيه، والمطامع والمطامح الخاصة، وتوجهات القوى الاجتماعية والسياسية النافذة...إلخ، ثم يكون الاحتشاد لدعمها بالأدلة الشرعية والحِجَاج العقلي، وفي حال امتلاكهم شيئا من سلطة مباشرة أو غير مباشرة، فهم لا يتورعون عن إسكات المخالفين لهم في "أحكامهم الاجتهادية"، تلك الأحكام التي يطرحونها وكأنها تمتلك قداسة النص الديني/ الإلهي مطلق الصواب.

إضافة إلى كل هذا، فالإجماع يحمل بمنطقه ـ كما قرره ويقرره الفقهاء ـ مضمونا خطيرا لا يقصدونه، وهو أن الدين ـ من حيث هو دين خالص ـ لم يكتمل بوفاة النبي ـ ص ـ؛ بدليل أن ثمة بشرا يستطيعون إضافة ما ليس منه أصالة إليه، وأن هذه الإضافة تصبح ـ وفق ما يقررونه ـ من أحكام الدين. فالتشريع الديني يستمر بواسطة الإجماع مع أن الزمن المقدس للتشريع قد انتهى.

ومن هنا تصبح إدانة "البدعة" التي يُدينها الفقهاء، وخاصة في المجال الديني الخالص، لا معنى لها حقيقة؛ حتى في المجال الديني الخالص؛ لأن الإجماع يُشرّعها ضرورة؛ ولكن بشرط توافق المجتهدين ـ في عصر ما ـ عليها.

بل وتصبح العصمة لـ"غير النبي"، وهي من أهم ما يُشَنّع به السنة على الشيعة، متحققة للفقهاء السنة المجتهدين بفعل أصل الإجماع. ولا فرق هنا سوى أنها عند الشيعة في مجموعة أفراد معدودين محددين، بينما هي عند السنة في مجموعات أكبر، يجمعها زمان أو مكان؛ حسب خلافهم في تحديد من ينعقد بهم الإجماع.

اقرأ للكاتب أيضا: العرب والترجمة.. الواقع والآمال

وإذا كان السنة يستدلون على هذه العصمة بحديث ظني (لا تجتمع أمتي على ضلالة)، فإن الشيعة يستدلون بأحاديث أخرى؛ فضلا عن آيات قرآنية يتأوّلونها. ولا شك أن في كل هذا ما يدل على أن طبيعة التصور عند هؤلاء وهؤلاء واحدة؛ حتى وإن اختلفوا حدّ العداء والاستعداء، فالمسألة تتعلق بتشريع العصمة، ومن ثم بتشريع الإضافة، بصرف النظر عن التدليل والتعليل.

إنهم لا يستدلون على أمر يريدون به تأطير حدود التفكير الديني إلا كان ما يستدلون به محتملا لما يناقض منطقهم، بل وأحيانا يناقض منطقهم بالتأكيد لا بالاحتمال، كما في حديث: "لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين...إلخ"، فهذا الحديث الذي يريدون به تعزيز حجية الإجماع ينطق برفض حجية الإجماع صراحة، إذ الحق ـ وفق هذا الحديث الظني ثبوتا ـ في "طائفة من الأمة"، وليس في عمومها الذي يتحقق به الإجماع، أي أن الحق يكون في مثل هذه الحال ـ مع أقلية من الأمة، بينما عموم الأمة قد وقعت في الضلال!

هكذا يتضح بجلاء أن الفقه التقليدي غير قادر على الثبات أمام بضعة تساؤلات عابرة تحفر في أصوله؛ فكيف لو تم إخضاعه لمساءلة نقدية موضوعية شاملة لكل عناصر بنائه، ولكل مراحل تشكله؟! وإذ يتأكد عجز الفقه التقليدي عن توفير الحد الأدنى من المعقولية لمنطقه الاستدلالي حتى في أصوله؛ فإنه يتأكد بالمقابل ضرورة الاحتشاد لتجديد المنظومات الفقهية السائدة في العالم الإسلامي وفق المقاصد العليا للتشريع، وعلى ضوء مستجدات العصر؛ وإلا فإن المسلمين سيبقون أسارى الرؤى القديمة التي تسببت لهم في كل ما يعانونه الآن من مآسي وتأزمات واختناقات حضارية، لا تزال تبعدهم أكثر فأكثر عن فضاء العصر الحديث.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

صورة من كتاب "Tom Waits by Matt Mahurin" Copyright: Matt Mahurin

"ما هذا الهراء!؟"

السؤال الاعتراضي الذي باغتني به أحد أساتذتي في جامعة الفنون في برلين، أثناء تواجده الأسبوعي في استديو العمل الخاص بي والمشترك مع أربع طلاب آخرين. للوهلة الأولى اعتقدت أنّه يتحدّث عن لوحتي المعلقة على الحائط.

في تلك اللحظة، كان الوصف ليكون أكثر تقبّلاً من قبلي على أن يكون تجاه الموسيقى التي تدور في فضاء الاستديو. مشيراً بإصرار مع ابتسامة فوقيّة تجاه هذا النوع من الموسيقى على أنّها تمثّل الهبوط والقاع في أحسن أحوالها. دون أن يستفيض لماذا، وعلى ماذا استند يقينه بأن ما يُسمع في تلك اللحظات من موسيقى تصدح من مكبّر الصوت هو "هراء"!

لماذا يتفق الجميع على أشياء تبدو عاديّة دون أي ذبذبات مثيرة للاهتمام من قبلها، لكن الإجماع على علوّ قيمتها بصريّاً أو سمعيّاً يحوّلها أتوماتيكيّاً إلى موضوع جيّد متفق عليه؟ غريب! وأي اعتراض عليها يحمّل صاحبها بصفة "الذائقة السيئة"، أو توجيه تهمة "الرغبة في التميّز عن السائد لمجرّد الاختلاف" التمييز بمعناه المفرغ من محتواه.

مثلاً قول أشياء من قبيل: "لا أحب موسيقى بيتهوفن" أو "صوت فيروز يدفعني للوقوف على جرف جبل ورمي نفسي عند لحظة تأوهها بكلمات الحب والوله للحبيب المجهول!" التفوّه بهذه الأشياء يشبه المساس بالمقدّسات، يحتاج إلى القليل من المخاطرة في الإفصاح عنه. لا أعني المخاطرة بما تحمل الكلمة من مفاهيم أسطوريّة، أعني الدخول في سجالات لا جدوى منها.

"أوكي، نزيف في الأذنين في أسوأ الأحوال!" أجبته ورفعت صوت الموسيقى أكثر وأكملت الرسم الأوّلي لـ باطن قدمي الأيمن بقلم الفحم العريض، بخطوط سريعة عشوائيّة يُكمِل سرعتها صوت "توم وايتس" مردّداً عبارات متتالية مع انقطاع ملحوظ في الشهيق والزفير "الله غائب، الله غائب، الله غائب في عمل" (God's Away On Business)

 الكتاب المصوّر "وايتس/كوربيجن 77-11"

كانت الصورة الأولى الملتقطة من قبل المصوّر والمخرج السينمائي الهولندي أنطون كوربيجين لتوم وايتس، والتي تعود لعام 1977 في هولندا نقطة البداية التي ساهمت فيما بعد بتعاون فنّي دام سنوات طويلة.

التعاون الذي بدأ بالتقاط صورة باللون الأحادي، الطابع الذي تم اعتماده فيما بعد ليكوّن أغلبية المشاهد المتدرّجة بتكثيف لوني بين مختلف درجات السواد والرمادي والبياض الخارج عن نقائه المعتاد. التدرّج الذي كان له دور في خدمة سياق المشاهد وعبثية تشكيلها. جُمعت المشاهد في أرشيف موثّق ليتم إطلاق مجموعة مصوّرة بكتاب واحد تحت عنوان:  "وايتس/كوربيجن77-11" الكتاب الصوري المصنوع غلافه من الكتّان.

يضم الكتاب أكثر من 275 صفحة لمشاهد تمّ التقاطها على مدار ما يقارب 35 سنة. توثيق لحياة وايتس بين عمر الـ 27 لـ 61 تقريباً. المفارقة أن تسلسل المشاهد يختلف زمانياً ويبدو الأمر جليّاً في ملامحه، التجاعيد، بعض الانحناءات والاكتناز في بعض مناطق جسده، ثقل الحركات البلهوانيّة التي أصبحت أكثر انضباطاً من مشهد لمشهد، لكن اللعب واللهو والسحر في حركاته لم يخفت نهائيّاً، إن قلّ ارتفاعه وجنونه في المشاهد المصوّرة في عمرٍ أصغر. يتسلّق أغصان الأشجار، يعتدي على البرك المائيّة الراكدة بقدمين حافيتين، وعلى وجهه تعابير تسخيف طفوليّة لكل ما هو موجود، وكأنما جسده يؤدي دور المقاوم أمام التقدّم في العمر. مقاومة جسديّة ساخرة أمام تدفّق الزمن المتسارع الجدي. التحرّر من سلطة الوقت والنضج بروح الدعابة المحارب أحياناً في عدد من المنصات الثقافيّة والفنيّة على أنها تقليل من قيمة ومعنى كل من يتورّط في هذه المجالات.

تتنوّع المشاهد بين عناصر مختلفة من نسور وأشجار عارية مائلة متدليّة نحو ظلّها، تكاد تبدو ميّتة.

غربان وشوارع فارغة وحصان ثابت كأنه دمية أو زينة موضوعة كتجهيز فنّي إلى جانب سيارة مركونة، تستدعي للتساؤل عما إذا كانت مصادفة أم عن قصد وجود عنصرين يشكلان مفارقة زمانيّة وتاريخيّة.

بقع متفشية مجهولة التكوين. ظلال بشريّة والكثير من العناصر المجتزأة من سياقها. ولكن المشترك بين هذه الأشياء؛ ثباتها ضمن فضاء يحتضن عنصرا أساسيا مفعما بالحركة، جسد توم وايتس المتسم بالخفّة، المتحرّر من كادر الصورة. وجهه وحركاته البهلوانيّة الهائمة في الهواء. إن لم يكن جسده فظلّه. إن لم يكن ظلّه، تتفاجأ بأن الصورة ملتقطة عن طريقه متعدّياً على صديقه المصوّر لكي يضعه خارجاً، مبعداً إياه عن أي صلة بالنتيجة البصريّة المحتملة أو النهائيّة.

تتضّمن بعض الصور اقتباسات من بعض أغاني وايتس، سطور نثريّة أو عناوين طويلة تبدو كأنها نصوص قصيرة جدّاً لوصف الصورة أو لإكمال كادرها لغويّاً. غالبية الصورة غير مجهزة، لكن حتى المشاهد المجهزة تبدو ساحرة غير مفتعلة أو بالغة في التركيب كالمشهد المصوّر في أحد شواطئ أوروبا معلّقاً كرسيّا خشبيّا حول رقبته، وممسكاً بآلة موسيقية نفخيّة أقرب إلى رأسه موازية لكتفه في يد، وآلة الكمان في اليد الأخرى الأقرب إلى القسم الأسفل من جسده باتجاه الأرض.

أكثر من 50 صفحة موزعة تضم صور التقطها وايتس بنفسه، تكمن الدهشة في هذه الصور بأنها ليست احترافيّة، مشاهد أكثر استرخاء، خارجة عن نطاق قواعد الصورة، أنصاف كوارد، مائلة قليلاً. تماماً كما يبدو وايتس في مقابلاته ومقاطع الفيديو المرافقة لموسيقاه المغناة.

جسد منتشٍ، مترنّح من تأثير الكحول. مسترخٍ على كرسي في مقابلة تلفزيونيّة، غير مهتم لقواعد المقابلات المعتادة بأن يكون ثابتا، لمّاحا، حاضر للإجابة. لا على الإطلاق، لا يهتم بالفضاء المحيط به وأنه محط أنظار، يبحث عن عود ثقاب ليشعل سيجارته بينما المقدّم والجمهور الحاضر ينتظر إجابته.

يأتي الكتاب مكمّلاً وليس منفصلاً عن موسيقى وايتس، تلك الموسيقى التي تستدعي وجود وقت يجري بانسيابيّة وتدفّق، دون معرفة زمانه المحدّد. موسيقى مختلطة يقطعها صوت صارم كمنشار منمّق، صعوداً وهبوطاً كأنه منبّه للابتعاد عن نمطيات الموسيقى المعتادة مع صوت المؤدّي الذي يكون عادةّ مدروسا ومضبوطا مع قواعد الموسيقى.

مشاهد كوربيجن تتسم بأسلوب اللعب واللهو. تنمو تباعاً وفقاً لجاهزيّة جسد وايتس في تطويع العناصر المحيطة به. هنا يظهر أسلوب كوربيجن في قدرته  والمهمة الشاقة قليلاً في الرغبة على إظهار أسلوبه الخاص بالتوازي مع موضوع متحرّك غير قابل للسيطرة كوايتس، سواء سيطرة جسديّة أو على أفكاره التي من الواضح أنه يبتكر معظمها دون استشارة أو الرجوع لمن خلف عدسة الكاميرا.

يبني كوربيجن نظريته الخاصة في اختيار وايتس ليكون محورا لمشاهده على مدار ثلاثة عقود من عمريهما معاً، مبتعداً عن الجانب الشخصي الوثيق بينهما ليكون سببا هامشيا وليس أساسيا رغم التطوّر المرافق للسنوات التي تمت أرشفتها فيما بعد لتجمع بكتاب مصّور. آخذاً عدّة تشعبات وأبعاد متفاوتة الأشكال. العلاقة الثنائيّة الفنيّة المرتبطة بأداة ثالثة خارجيّة جامدة بينهما وهي آلة التصوير. إنّ تموضع وايتس أمام العدسة والتصرّف بتحرّر وكأنه لوحده وبذات الوقت قدرته على تطويع نفسه بما تحمل من مزاجيات مختلفة لـ للمصوّر وأداته أحد الأسباب، ولعله الجوهري، في استمرارية ديمومة عملهما معاً لسنوات متتالية.

"من الصعب التقاط أو توثيق حياة شخص من خلال الصور لمدة تتجاوز الثلاثين سنة، هو فعل موجود في الأوساط الفنيّة أو الثقافيّة، لكن ليس شائعاً. عملنا معاً تطوّر كما تتطور الأشياء بمسارها الطبيعي، أي المسار غير المثالي، وهذا الأمر الجميل بذاته، الشوائب والأخطاء وسوء التفاهم. كلٌ منّا كان جديّاً تجاه عمله، لكن عندما يأتي الأمر للعمل سويّا، يختلف الأمر قليلاً ونصبح كالأطفال، متحرّرين من القوانين التي تسود عالم الناضجين" (كوربيجن معلّقاً عن الكتاب.)

 

Photo from the illustrated book "Tom Waits by Matt Mahurin". Copyright: Matt Mahurin

 

يتركنا الكتاب بما يحتوي من مشاهد للتساؤل عن طبيعة الفعل الأدائي لوايتس بوجهة نظر بصريّة مختلفة. مصورون/ات، أو فنانون/ات آخرون. لتأتي صور ورسومات غرائبيّة متداخلة بعوالم مختلفة شكّلها خيال مات ماهورين. أنصاف بشريّة بأطراف آلية، شخصيّات تحرّرت من سلطة الشكل الاعتيادي للأجسام البشريّة التي من السهل توقع حركاتها ومعرفة فعلها وردة فعلها على السواء. مات ماهورين مصوّر، رسام ومخرج أفلام، وأغاني مصوّرة لفرق موسيقيّة كفرقة "ميتاليكا".

يبدو وايتس بأسلوب ماهورين مختلفاً تماماً عن أسلوب كوربيجن. وايتس بصوره جزء من كُل، هذا الكل يأتي في سياقات مختلفة لكن مكمّلة لبعضها في المشهد الواحد، بخاصيّة زمنيّة كأنها قصة تجري أحداثها أو مسرحيّة بشخوص تمارس أفعالها اليوميّة. سواء أكان رسماً أم تصويراً. حيث كل تفصيل له دلالة ورمزية ومبرّر دراميّ يفسّر تموضعه في اللوحة أو الصورة. بعكس الأجواء الموجودة في صور كوربيجن، التي تبدو كأنّها التقطت خصيصاً لإظهار وايتس وتوثيق حركات جسده ووجه كعنصر أساسي يَصعُب التخلّي عنه، أما بقيّة الكادر مهمّش، أقرب إلى الديكور من السهل اجتزاؤه، تبديله أو التخلّص منه على حساب وايتس.