غرافيتي لكارس ماركس فعلى أحد الجدران في برلين
غرافيتي لكارس ماركس فعلى أحد الجدران في برلين

دارا عبدالله/

في لفتة ذكية، يشير المؤرخ الأميركي المعاصر، جوناثان سبيربر(jonathan sperber)، في كتابه الموسوعي عن سيرة كارل ماركس، إلى نقطة طريفة وفريدة من الحياة الشخصية للرجل الألماني ذي الأصول اليهودية. يقول سبيربر، بأن كارل ماركس، قاد صراعه الطبقي في حياته الشخصية أيضا ـ ونقصد هنا الناحية المالية ـ ولكن، من مواقع طبقية مختلفة سيوضحها هذا السرد. إذ حاول ماركس في كل حياته، ألا ينزلق ويتحول من برجوازي إلى بروليتاري مثقف.

ولد ماركس وكبر في ظروف جيدة في أسرة تنتمي إلى الطبقة الوسطى. والده كان محاميا براتب سنوي عال، وكانت الأسرة من المجموعة الـ 5 في المئة الأعلى دخلا في مدينة ترير الألمانية آنذاك.

كان هنريش ماركس، يوبخ ابنه في رسائل كثيرة لا تعد ولا تحصى، بسبب سياساته المتراخية غير المسؤولة في الإنفاق والصرف. بعد وفاة والده عام 1831، تعمقت مشاكل ماركس المالية أكثر فأكثر. كان دائما يبحث عن مستثمرين وممولين من أجل مشاريعه النشرية وصحيفته التي كان يترأس تحريرها.

اقرأ للكاتب أيضا: زيت الأفعى

في عام 1849، عندما أفلس ماركس بشكل مطلق، ولم يعد يستطيع أن يقوم بجمع المزيد من الأموال من أجل صحيفته die Rheinische، كان كل العمال في الجريدة، مضربين عن العمل، بسبب تأخر رواتبهم الشهرية. رفع كل العمال في الجريدة لافتة مكتوب عليها بشكل ساخر: "المال يوقف الراحة".

مع الانتقال إلى لندن، تفاقم وضع كارل ماركس المالي أكثر فأكثر. كانت تبرعات مالك أحد مصانع المنسوجات، فريدرك إنجلز، رفيق دربه، والكاتب المشارك في بعض مؤلفاته، قادرة على التخفيف من بعض المشاكل.

وصل البؤس إلى ذروته لما توفيت ابنة كارل ماركس، فرانسيسكا، بعد بضعة أشهر فقط من ولادتها. كان على الأب المفجوع، وقتها، أن يبحث في شوارع لندن ذهابا وإيابا كي يتمكن من جمع المال لمتعهد القبور، لدفن جثة ابنته.

بعد عشرات سنوات، لم يكن وضع كارل ماركس أفضل، كتب مرة أخرى إلى صديقه، أنجلز، يطلب المزيد من المال، إذ كانت زوجته، جيني، تحاول عبثا تأمين الكتب له. في هذا الوضع الكارثي المفجع كان يعيش كارل ماركس. ثمة مرة واحدة فقط في حياته، حاول خلالها كارل ماركس أن يحصل على وظيفة من أجل العيش؛ ولكن شركة السكك الحديدية في لندن، والتي طلب ماركس العمل فيها، لم تأخذه؛ وسبب رفضته هو: "خط يده الذي لا يقرأ".

في عام 1871، تمكن صديق ماركس، فريدرك أنجلز، من أن يبيع حصته في معمل النسيج الذي ورثه عن أبيه. آنذاك، كان أنجلز يعطي ماركس دخلا سنويا بلغ 350 باوندا. وقد تقبل ماركس هذه المنحة المنقذة بنشوة كبيرة، وكتب له: "خيرك أنهضني من الركام".

اقرأ للكاتب أيضا: عن المصير الكردي السوري

أي أن ماركس نشأ ونبت وترعرع من مال قادم من استغلال كان موجودا بالتأكيد في معمل النسيج الذي كان يمتلك إنجلز فيه حصة كبيرة. يرد الكثير من الماركسيين السلفيين بأن ظروف العمل في ذلك المصنع كانت أفضل مما كانت عليه الظروف من الكثير من المصانع، سواء داخل لندن، أو في بلدان أخرى. ولكن، قوانين العمل آنذاك في لندن كانت قاسية، وتنحاز لأرباب العمال على حساب العمال ("الماركسية لم تكن تولدت بعد" يشير جوناثان ساخرا)، وبالتالي، فإن الاستغلال في معمل إنجلز كان موجودا بالتأكيد.

بكل الأحوال، من الطريف والغريب أن ينشأ وينبت ويستفيد أول من شعر بالعمال في التاريخ، ونقد الاستغلال، وهجس بحقوقهم، من مال قادم من استغلال آخر، وعذابات أكيدة لعمال آخرين. هذا التناقض، هو شكل فريد وغريب جدا من الجدل والديالكتيك الماركسي نفسه!

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

A man adjusts a facemask with his face's image printed on it created at a photo studio as other facemasks are hung amid…
كمامات بشكل مبتكر

يتعجب البعض ـ إن لم يكن الكثيرون ـ من فيروس كورونا والمرض الذي يحدث بسببه. فمعظم من يصاب به لا يعاني من مرض شديد، وقد لا تظهر عليه أي أعراض على الإطلاق، وهو أيضا فيروس قد يتسبب في موت البعض، وخاصة من كبار السن، ومع ذلك فقد ينجو منه الكبار، وقد يموت بسببه الصغار بدون سبب معروف. وهو فيروس قد يصاب به شخص لديه أمراض عديدة وينجو منه، في حين أن بعض الأصحاء قد يموتون بسببه بدون أي سبب معروف.

وهكذا حير الفيروس الكثيرين معه!

ولفهم هذا الأمر وهذا التباين الشديد في تأثير الفيروس على المصابين به نحتاج أن ندرك أن نتيجة الإصابة بالأمراض الفيروسية لا تعتمد فقط وبالضرورة على قدرة الفيروس على تدمير خلايا الجسم، بل تعتمد أيضا ـ وأحيانا بدرجة كبيرة ـ على رد فعل جهاز المناعة في أجسامنا.

فعلى سبيل المثال لا الحصر، فإن فيروس الكبد الوبائي من نوع "بي" لا يدمر خلايا الكبد، ولكنه وبالرغم من ذلك يتسبب في التهاب كبدي مزمن ومدمر للكبد في بعض الأحيان، ويفسر ذلك بأن تدمير خلايا الكبد بسبب الفيروس أساسا، ولكن بسبب رد فعل جهاز المناعة.

الكارثة تكون حين يكون جهاز المناعة متوسط الكفاءة وليس ضعيفا، فهو في هذه الحالة لا يترك الفيروس لحاله ولا يستطيع التخلص منه نهائيا في الوقت عينه

 فلو كان جهاز المناعة ضعيفا فإنه يترك الفيروس لحاله ويصبح المريض في هذه الحالة "حاملا" للمرض فقط وخلايا كبده تظل سليمة، أما إذا كان جهاز مناعته كفؤا للغاية فإنه يقضي تماما على الفيروس في الجسم.

والعجيب أن الكارثة تكون حين يكون جهاز المناعة متوسط الكفاءة وليس ضعيفا، فهو في هذه الحالة لا يترك الفيروس لحاله ولا يستطيع التخلص منه نهائيا في الوقت عينه، بل يحاول القضاء عليه ويفشل ثم يحاول مرات عديدة وهو غير قادر على الفتك النهائي بالفيروس، وفي كل هذه المحاولات الفاشلة لتدمير الفيروس يدمر جهاز المناعة خلايا الكبد وسط معركته الفاشلة مع الفيروس.

فيا للعجب، فلو أن جهاز المناعة كان ضعيفا لما مرض الإنسان بالالتهاب المزمن المدمر لخلايا الكبد، وفي هذه الحالة فإن المناعة الضعيفة ـ تكون أفضل من المناعة المتوسطة.

وفي حالة فيروس كورونا فإن جهاز المناعة قد يحدد أيضا مسار المرض. فنحن نعلم أن الفيروس وحده قد يصيب خلايا الرئة وخاصة الخلايا الموجودة في جدار الحويصلات الهوائية (نيوموسيتس ـ 2)، ويتسبب في الكثير من مضاعفات المرض، ولكن في نفس الوقت فإن جهاز المناعة عند بعض المصابين بالفيروس قد يتعامل بصورة محمومة مع الفيروس فيصدر أو ينتج مواد التهابية شديدة مثل "الستوكينز" وهو ما يسمى بعاصفة الستوكينز المدمرة، وهذه المواد الالتهابية قد تتسبب في مضاعفات كارثية قد تنهي حياة بعض المرضى، سواء كانوا كبارا أم صغارا، وسواء كانوا أصحاء أم مصابين بالعديد من الأمراض المزمنة.

ويأتي أيضا توقيت علاج المرض بالعقارات ليساهم في تباين نتائج الإصابات بين المصابين به، فإن تم استخدام عقارات مثل الهيدروكسي كلوروكين أو الأزيثروميسين أو الزنك أو غيرها في مرحلة متأخرة جدا من المرض وبخاصة إذا تم تدمير خلايا جدار الحويصلات الهوائية وإصابة الأخيرة بنوع من التليف، فإن هذه العقارات قد لا تفلح في علاج المرض على الإطلاق.

العديد من الدول أوصت باستخدام الباراسيتامول بدلا من البروفين للسيطرة على درجة الحرارة المرتفعة مع فيروس كورونا

ومن عجائب هذا الفيروس أنه لا يكتفي فقط بمهاجمة خلايا الرئة بل قد يتسبب أيضا في تنشيط زائد لعملية التجلط في الدم مما قد يؤدي إلى حدوث جلطات في أماكن عديدة من الجسم ومن أشهرها جلطات الرئة.

وبالإضافة إلى ذلك فإن الفيروس قد يتسبب في التهاب في عضلة القلب وقد يصيب أحيانا الجهاز العصبي.

وهناك أيضا عوامل أخرى قد يكون لها علاقة بالتباين الشديد في الوفاة كنتيجة للمرض، فعلى سبيل المثال فإن استخدام عقار "الإيبوبروفين" لعلاج بعض أعراض المرض مثل ارتفاع درجة الحرارة قد يزيد من عدد مستقبلات الفيروس على سطح خلايا الرئة، وبالتالي قد يزيد من احتمالات الوفاة به، ولذا وعلى سبيل المثال فإن العديد من الدول أوصت باستخدام الباراسيتامول بدلا من البروفين للسيطرة على درجة الحرارة المرتفعة مع فيروس كورونا.

ومما سبق يتضح لنا أنه بالرغم من أن حالات الوفاة من الفيروس تكون غالبا في كبار السن المصابين بعدة أمراض، ولكن طبيعة الفيروس ورد فعل جهاز المناعة ضده، وتوقيت استخدام العقارات لعلاجه ونوع هذه العقارات تتحكم جميعا وتؤثر في النتائج المترتبة على الإصابة بالفيروس.

وأخيرا فمن الجدير بالذكر أيضا أن معظم المصابين بالفيروس تمر إصابتهم من دون إحداث أي أعراض مرض أو أي مضاعفات لديهم!