رهف استطاعت بالحيلة أن تهرب، وهي فتاة شجاعة بلا شك
رهف استطاعت بالحيلة أن تهرب، وهي فتاة شجاعة بلا شك

مالك العثامنة/

الاضطهاد هو اضطهاد، كيف كان شكله أو منصة انطلاقه.

كنت أقرأ عن خبر إدراج فيسبوكي يتهم مفكرا ليبراليا وباحثا في التاريخ من سوريا بأنه كتب على صفحته "وهي صفحة غير موثقة" بأنه لا يقبل طلبات الصداقة ممن يرتدين الحجاب!

من معرفتي بهذا المفكر التنويري، الذي قرأت كتبه كثيرا ومن ملاحظة الصفحة "الفيسبوكية" التي تحمل صورته واسمه، فإني أشك بأنه كتب ذلك؛ ربما هي صفحة تنتحل اسمه، وهو ما يدفعني للتساؤل عن الغاية من صفحة كتلك في عالم شرق أوسطي قابل للاشتعال السريع من أي كلمة عابرة، في التوقيت الخطأ؛ وبصراحة فالتوقيت دوما خطأ في الشرق الأوسط.

سواء كانت صفحة منتحلة أو أنها فعلا لهذا المفكر التنويري (وهذا سيكون مؤسفا بحق)، فإن الاضطهاد والإقصائية تنسحب أيضا على من يهاجمون الحجاب كزي ترتديه أي امرأة ترغب بذلك، لا مفروضا عليها ضمن ثقافة ذكورية قمعية تتلبس الدين لتقصي نصف المجتمع.

اقرأ للكاتب أيضا: 2019: عام للتسامح أو مبادرة أممية لعالم جديد

نعم، المرأة العربية خصوصا في عالمنا العربي مضطهدة، لكن هذا لا يمكن تكثيفه بزيها فقط؛ فالمرأة غير المحجبة لا تزال فاقدة لحريتها وسيادتها على نفسها (وهو أبسط حق لأي إنسان) ضمن تركيبة معقدة ومشوهة من العادات والتعاليم والأعراف والتقاليد والنصوص الدينية التي تدعي المقدس فيها.

لا تزال المرأة العربية والمرأة في المجتمعات المحافظة في الشرق تحت وطأة كل ذلك، وهناك تصور جمعي بأن أي مقاومة لكل ما سبق ذكره من المزيج الغريب والمشوه الذي يحكم عقلية المجتمعات هناك بأنه دعوة للانحلال، وهو ما يعني ببساطة أن المرأة ليست إنسانا مكتمل الوعي وصاحب إرادة حرة، بل كائن منفلت جنسيا وكبح شبق هذا الكائن لا يكون إلا بوصاية مجتمعية ذكورية تقيد المرأة حفاظا على أخلاق و"شرف" تلك المجتمعات.

♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦

رهف القنون، الفتاة الشجاعة التي صمدت بصبر حتى اللحظة الأخيرة من خطتها الجريئة بالهروب، لم تكن الأولى كحكاية امرأة شرقية؛ خطة رهف نفسها هي حلم كثير من نساء المشرق العربي، وقضيتها ليست الأولى ولا الأخيرة في تاريخ محاولات ثورة المرأة في ذلك الشرق المخدر بالعادات والمقدسات، لكنها وفي هذا الوقت من التغيرات العالمية وضمن سياق ثورة تكنولوجيا المعلومات "التي وظفتها رهف جيدا وبكفاءة" ألقت الضوء هذه المرة على قصة حقوق المرأة التي كنسها الشرق البائس بتقاليده تحت سجادة النسيان، ليتراكم كل ذلك تحت السجادة التي ما عادت منبسطة، ولا يمكن إخفاء كل ما تحتها اكثر من ذلك.

قصة ولاية الرجل على المرأة، قصة سخيفة ولا تنتمي للكوكب ولا للإنسان بعد اليوم، والمدافعون عنها هم خارج التاريخ لا بحكم مني، بل بحكم الواقع والضرورة.

اقرأ للكاتب أيضا: أرضية العبث والحروب الـ'دون كيشوتية'

القيمة الأكثر جدية في قضية رهف، أنها سعودية، وتلك تحديدا ثورة للمرأة منصتها هذه المرة تلك الجغرافيا التي تحكم مليار إنسان وما يصدر عنها أو منها أو فيها هو بحكم العادة والعرف "مقدس" وغير مسموح الجدال فيه.

كان يمكن لرهف أن تكون فتاة محجبة، وهاربة من ظلم الولاية، لكن ماذا لو نجحت تلك الفتاة المحجبة بكل خطتها حتى النهاية، لكنها بقيت ترتدي الحجاب بحريتها التي استعادتها بجدارة؟

هل سيهاجمها أدعياء التنوير والليبرالية على ذلك؟

الثورة ليست على قطعة قماش؟ الثورة على العقل الجمعي المتكلس، على الذهنية القمعية والإقصائية، وفي حال تم تكسير الكلس المتحجر وعاد البشر إلى إنسانيتهم، فإن قطعة القماش على الرأس ستكون خيارا يحكمه الذوق الشخصي لا العادات والنصوص والشيخ الجاهل.

♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦

رهف استطاعت بالحيلة أن تهرب، وهي فتاة شجاعة بلا شك.

لكن يجب أن نتذكر أيضا أن في السعودية مناضلات من أجل حرية الوعي الإنساني ممن طالبن سابقا بالتخلص من ولاية الرجل على المرأة، ولم يستطعن الهرب من مصير السجن.

من هنا أتوجه إلى الناشطات المعتقلات لُجين الهذلول وزميلاتها إيمان النفجان وعزيزة اليوسف، اللواتي عرفن بدفاعهن عن حق النساء في قيادة السيارات ومطالبتهن الشجاعة والمستمرة بإنهاء ولاية الرجل على المرأة، بالتحية والمؤازرة.

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.