عائلة فلسطينية في أحد المخيمات التي استوعبت الفلسطينيين الذي أخرجو من منازلهم في بغداد عام 2013
عائلة فلسطينية في أحد المخيمات التي استوعبت الفلسطينيين الذي أخرجو من منازلهم في بغداد عام 2013

حسين عبد الحسين/

كنت في جلسة في بغداد مع أهل وأصدقاء، بعد أسابيع قليلة على انهيار نظام صدام حسين في 2003، فاقتربت مني سيدة، وقدمت نفسها على أنها أم العباس، وقالت لي إنها سمعت لهجتي اللبنانية، وتود أن تطلب مني إيصال "غرض" لبيروت. يتبين أن "الغرض" هو كلب من نوع شيواوا صغير، وأن أم العباس هي زوجة أبو العباس، أي محمد زيدان، الأمين العام لـ"جبهة التحرير الفلسطينية“، وهي المجموعة التي كان ينتمي إليها اللبناني سمير القنطار يوم نفذ هجومه في مدينة نهاريا الإسرائيلية في العام 1979، قبل أن يتم سجنه والإفراج عنه بعد 29 عاما، في صفقة تبادل سجناء بين إسرائيل و"حزب الله" اللبناني.

بعد أيام، روى لي أبو أمين، الذي كان يعمل في حديقة منزل العائلة، أنه وإخوانه، وأولاده، وأولادهم، سارعوا إلى أحياء الفلسطينيين المقيمين في بغداد. "ذبّينا (رمينا) عليهم طابوك (أحجار بناء) إلى أن انهزموا (فرّوا)"، قال أبو أمين، وقد بدا فخورا بغزوته. سألته ما الدافع لإيذاء أبرياء، فأجاب: "يا أبرياء، يا معوّد؟ ذوله (هؤلاء) كلهم بعثيين مال صدام".

فرّ آلاف الفلسطينيين إلى الأردن، لكن عمّان رفضت إدخالهم، فاستقروا في مخيم على معبر طريبيل الحدودي؛ وفي وقت لاحق، قامت الأمم المتحدة بإعادة توطينهم في بعض دول أميركا اللاتينية.

اقرأ للكاتب أيضا: الحركات الإسلامية تعادي الديمقراطية

هكذا كان الانطباع العراقي حول فلسطينيي العراق، وبقي على حاله ـ حتى بعدما اجتاحت الشعارات الإيرانية عن القدس ويومها العراق وشيعته ـ إذ واصلت الميليشيات الشيعية اختطاف، وتنكيل، وتعذيب، واغتيال فلسطينيي العراق، البالغ عددهم 35 ألفا، بتهم العمل تحت إمرة استخبارات صدام، وهي التهم التي تحولت فيما بعد إلى "بعثيين دواعش"، وبعدها إلى "مجاميع إرهابية"، وهي تهمة لا يطلقها عدد من القوى الحزبية الشيعية على فلسطينيي العراق فحسب، بل على غالبية السنة العراقيين.

ولأن العراقيين رأوا في ضيوفهم الفلسطينيين أزلام صدام، فهم رأوا في فلسطين "شماعة" يعلّق عليها صدام طغيانه. فمدن العراق وبلداته كانت تزخر بتماثيل صدام مرتديا خوذة صلاح الدين، فاتح القدس، وبرسومات عن صدام وصواريخه وتهديداته لإسرائيل. مزايدة صدام حول فلسطين تحولت إلى كراهية لفلسطين لدى عدد كبير من العراقيين، خصوصا أن فلسطين ـ تاريخيا ـ هي قضية السُنّة، فلا أحداث من التاريخ الشيعي جرت في فلسطين، ولا مقابر لأئمتهم في أي بقعة منها.

ولم تكن الشيعية السياسية في العراق وحدها ممن تعادي الفلسطينيين، فلشيعة لبنان تاريخ من القهر والمظلومية مع حكام عكا العثمانيين، الذين أحرقوا الجنوب اللبناني مرات كثيرة. ومن يعرف قصة عائلة الصدر، يعرف أن جدهم الأكبر فرّ من سجون الجزّار والي عكا إلى النجف، وأن نفرا من أبنائه استقر في إيران، فصارت العائلة منتشرة، جغرافيا، في عموم العالم الشيعي.

ويوم انتقلت الميليشيات الفلسطينية من الأردن إلى جنوب لبنان، على إثر أيلول الأسود 1970، كانت ميليشيا أمل الشيعية أول من قاتل الفلسطينيين لمنعهم من مهاجمة إسرائيل من لبنان، وهي الهجمات التي كانت تعود على سكان الجنوب، ذي الغالبية الشيعية، بردود فعل إسرائيل قاسية، حتى أن الإسرائيليين إيهود يعاري وزئيف شيف أوردا في كتابيهما حول حرب إسرائيل في لبنان في العام 1982 أن إسرائيل فكّرت في مصادقة الميليشيات الشيعية في الجنوب اللبناني بسبب عداوتهما المشتركة للفصائل الفلسطينية.

على أن الموقف الشيعي تجاه "القضية الفلسطينية" انقلب مع وصول الخميني وإسلامييه إلى الحكم في إيران، إذ رأى الملالي في القضية وسيلة فعالة لبناء جبهة إسلامية بزعامتهم. هكذا بدأت عملية إيرانية واسعة لتجييش الشيعة ضد إسرائيل، التي لم تكن، في الماضي الشيعي القريب، في مصاف الأعداء.

أثار إعلان الخارجية الإسرائيلية الأسبوع الماضي استقبالها وفودا عراقية جدالا واسعا في العراق، وطالب نوّاب بالتقصي حول هوية زوّار إسرائيل ومحاسبتهم، وجاء ذلك في أعقاب مطالبات نيابية بمحاسبة وزير الخارجية محمد الحكيم، الذي كان صرح أن بلاده تؤيد حلّ الدولتين. وقال مشرعون عراقيون ووسائل إعلام حزبية، تمولها إيران، أن "العراق لن يعترف يوما بـ"الكيان الصهيوني"، وأن محاسبة المطبعين ضرورية لأنها تخالف السياسة العراقية المعتمدة.

اقرأ للكاتب أيضا: المسيحيون ورسول المسلمين

لكن لا سياسة عراقية معتمدة تجاه إسرائيل، فباستثناء تدمير الإسرائيليين مفاعل أوزيراك النووي العراقي، وباستثناء 39 صاروخ سكود أطلقها صدام ولم توقع أي ضحايا إسرائيليين، ثم وافق على حسم تعويضات للدولة العبرية من عائدات برنامج "النفط مقابل الغذاء"، لم يسبق أن وقعت حروب تذكر بين الدولتين في تاريخهما الحديث، ما يعني أن متابعة السياسة العراقية "المعتمدة" تجاه إسرائيل هي متابعة لسياسة "المتاجرة" بالقضية الفلسطينية، التي كان ينتهجها صدام، فيستضيف وديع حداد وكارلوس وأبو نضال وأبو العباس، ثم يستخدمهم كمرتزقة في أعمال تخريب، أو في تصفية منافسيه العرب ومنافسيهم الفلسطينيين.

متاجرة الراحل صدام بالقضية صارت اليوم بأيدي الإيرانيين وأزلامهم بين العراقيين. هتافات وشتائم ضد إسرائيل، ووعود بتحرير الأرض، وفي نفس الوقت، معاملة الفلسطينيين كمجرمين ومرتزقة، بدلا من الإحسان في استضافتهم، ومساواتهم بالنفس، إلى أن يتم التوصل إلى تسوية مع إسرائيل يساهم العراق في صناعتها، بدلا من أن يساهم في تأزيم المشكلة، وفي نشر العنف والدمار والدماء، وهو نفس الأسى الذي عانى منه العراقيون في زمن صدام.

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟