عمل فني يظهر مارتن لوثر كينغ يمد يده، في المكان الذي ألقى فيه روبرت كيندي خطابا ليلة اغتيال كينيدي في إنديانا بوليس
عمل فني يظهر مارتن لوثر كينغ يمد يده، في المكان الذي ألقى فيه روبرت كيندي خطابا ليلة اغتيال كينيدي في إنديانا بوليس

حسن منيمنة/

تحتفل الولايات المتحدة يوم الاثنين المقبل بذكرى مارتن لوثر كينغ، الزعيم الأفريقي الأميركي صاحب الدور الطليعي في إيجاد المنهجية التي أتاحت الابتداء بالخروج من منطق التفرقة والتمييز والعنصرية، هذا المنطق الذي كان سائدا في عموم بلاده بصيغ صريحة وضمنية، وفي الجنوب منها خاصة بأشكال فجّة ومهينة.

مات مارتن لوثر كينغ شهيدا عام 1968، في التاسعة والثلاثين من عمره، بعد أن أرسى خيار المقاومة السلمية إزاء الإساءات المادية والمعنوية التي يتعرض لها الأفارقة الأميركيين. شهادة مارتن لوثر كينغ واستشهاده يبقيان إلى اليوم دعوة موجهة إلى الإنسانية جمعاء للارتقاء إلى القيم التي تريدها لنفسها، الحرية والكرامة والعدالة.

لم يأتِ الأفارقة إلى العالم الجديد بملء إرادتهم، بل جرى تصيدهم في ديارهم وأسرهم وبيعهم إلى الأوروبيين المستوطنين في شمالي القارة الأميركية وجنوبيها، لحاجة هؤلاء إلى اليد العاملة في المزارع، وإلى الخدم في المنازل.

والجريمة المرتكبة هنا بحقّ الإنسان الأفريقي المسترقّ والمجتمعات الأفريقية التي حرمت من أبنائها من الصعب تقدير مآلاتها. ففيما التقديرات تشير إلى وفاة عشرات الملايين خلال العبور إلى أرض الاستعباد، فإن سلب المجتمعات الناشئة في أفريقيا، والتي كانت على الغالب حديثة التشكل، خلافا للصورة النمطية والتي تفترض "بدائيتها" الطويلة الأمد، وتجريدها من هذه الطاقة البشرية، وتشويه نظمها الاقتصادية باتجاه الاستجابة لحاجة غيرها إلى العبيد، قد دفع بها حكما إلى التراجع، ليعاد تصوير أحوالها المتردية على أنها نتيجة لعنة إلهية أو قصور في طبيعتها.

اقرأ للكاتب أيضا: اختزال التاريخ: بين الولايات المتحدة والمحيط العربي

أما الإنسان المستعبد في العالم الجديد، فكان عليه أن يشهد على مدى الأجيال التعذيب لإرغامه على السخرة، والتفريق عمّن يمكن أن يتآلف معهم لتجنب تمرّده، والتبخيس المستمر لتبرير استعباده. ولكن بفضل هؤلاء العبيد دون منّة من أحد، تمكن المجتمع الأفريقي الأميركي من النهوض بفصول لم تكتمل، وبدَين متوجب له من الولايات المتحدة كدولة وكمجتمع، كمقابل لقيمة عمل أجداده، وإن تأخّر الإقرار بهذا الحق.

لا، ليس "العمل الإيجابي"، هذه البرامج الهادفة إلى التعويض عن بعض الغبن التاريخي اللاحق بالأفارقة الأميركيين، بالمنحة الخيرية، بل هي غيض وحسب من فيض المستحقات التي لا بد للمجتمع الخلف من تحصيلها للمساهمات التي قدمها أسلافه لرخاء الولايات المتحدة وازدهارها وتفوقها. فالولايات المتحدة، هذه الدولة الرأسمالية الغنية، بل الأكثر ثراء وقوة على مدى المكان والزمان، هي أيضا "شركة مساهمة". غير أن توزيع الأسهم على المستحقين لها مسألة لم يكتمل انتظامها.

والحاجة إلى هذا الانتظام، بل الحاجة ابتداء إلى الإقرار بالمساواة وصريح الحرية للإنسان الأسود في الولايات المتحدة، كانت الهمّ الأول للتيارات الفكرية في الوسط الأفريقي الأميركي. وبعد اختبار عابر لاحتمال العودة إلى أفريقيا، تقاسم تياران الوسط الثقافي الأسود.

الأول يدعو إلى القوة والعنف في السعي إلى تحقيق الحق، شاء من شاء وأبى من أبى، انطلاقا من القناعة بأن من استولى على الحق غصبا لن يتنازل عنه إلا عنوة. كثيرة هي التوجهات التي شهدها المجتمع الأميركي الأسود في هذا السياق، وصولا إلى التعبير الأوضح، والذي تقدم به مالكوم أكس في أبرز مراحل حياته، بناء على الأساس العقائدي الذي طرحه إلايجا محمد، والداعي إلى الانفصال الكامل عن المجتمع الأميركي، لتأصل العنصرية فيه واستحالة دعوته إلى الخروج عنها ومنها.

وفي مقابل هذا التوجه المتشائم في تقييمه للمجتمع والثقافة في الولايات المتحدة، جاء مارتن لوثر كينغ، مستلهما تجربة عالمية أخرى، هي ما أقدم عليه مهاتما غاندي في الهند إزاء الاحتلال البريطاني، ليدعو إلى نبذ العنف والصبر على الأذى وليقف في الصف الأول، متحملا من العدوان ما طاله من السلطات المحلية كما من الجمهور الرافض للمساواة.

إذ بعد الانتهاء من العبودية القانونية، في أعقاب الحرب الأهلية الأميركية قبل قرن ونصف، استعاضت مجتمعات الجنوب الأميركي جهارا، وغيرها في سائر الولايات بمقادير مختلفة من التورية، عن العنصرية المباشرة بأشكال متفاوتة من التفرقة المهينة. فكان لكل من العرقين، الأبيض والأسود، مسابحه، ومطاعمه، ومراحضه، ومقاعده في الحافلات العمومية، وصولا إلى مدارسه وجامعاته. بل إلى أمد قريب، كان المتهمون من السود بالاعتداء على البيض، دون اعتبار لوهن الاتهام أو سقمه، تلاحقهم الحشود كالطرائد ليقبض عليهم ويشنقوا في أجواء احتفالية مصوّرة، دون خجل أو حرج.

الأصل الأول للالتزام بالامتناع عن العنف في أي فعل مقاومة هو التعويل على الرصيد الأخلاقي في الجهة المقابلة، أو لدى الرأي العام الأكبر القادر أن يؤثر عليها. لم ينفع مثلا أن يعمد المتظاهرون في سوريا، عند انطلاق الانتفاضة على النظام الاستبدادي عام 2011، أن يمتنعوا عن العنف، إذ لا وازع أخلاقي لدى هذا النظام يردعه ذاتيا، فيما، كما تبين، تلكأت المنظومة الدولية، وتلكأ الرئيس السابق للولايات المتحدة، صاحب خطاب الاستثنائية الأخلاقية، عن التماشي مع المبادئ المعلنة، ما أتاح لهذا النظام أن يمعن ويتفنن بالقتل والطغيان.

هي جرأة وشجاعة بالتالي من جانب مارتن لوثر كينغ، فيما هو يدرك أن السلطات وجلّ الجمهور المحلي الأبيض في الولايات الجنوبية حيث التمييز بحق السود عند أقصاه لن تتجاوب مع مساعيه السلمية الرصينة، أن يعمد إلى تحمّل الأذى مطالبا عموم المجتمع في الولايات المتحدة أن ينظر إلى نفسه بالمرآة وأن يقرر ما الذي يريد أن تراه؛ بلادا تنسجم أفعالها وسياساتها مع المبادئ المعلنة في دستورها ووثائقها الأولى، أم دولة قائمة على التناقض والنفاق، كما كانت في أوجه عدة إزاء السود حتى يومها.

مارتن لوثر كينغ هو رجل واحد أرغم أمة كاملة على أن ترتقي إلى ما تزعمه لنفسها، ودفع بها إلى ذلك فردا فردا. فجيل شباب الستينيات في عموم الولايات المتحدة، إذ رأى هذا الرجل الوقور يصبر على الأذى الناتج عن وقاحة العنصرية، تراكض إلى نصرته، ليطالهم ما يطاله، وليضطر كامل المجتمع ثم الدولة في بلادهم إلى أن يختاروا بين أن يكونوا من الذين ينصرون الحق أو يعادونه.

نتاج حملة الحقوق المدنية، والتي قرّبت الولايات المتحدة من المساواة ومن معالجة فصولا قاتمة في تاريخها، يعود فضله إلى هذا الرجل، الذي واجه الشر بكلمته ومات واقفا بوجه التفرقة والتمييز. غير أن الفضل يعود أيضا إلى هذا المجتمع الأفريقي الأميركي، والذي رغم إدراكه لفداحة الجريمة التاريخية المرتكبة بحقه، رأى في دعوة مارتن لوثر كينغ إلى السلمية والصفح والصلح والتآخي، سبيلا صالحا يصون الكرامة وصولا في نهاية المطاف إلى إحقاق الحق.

اقرأ للكاتب أيضا: 'إعادة الإعمار' في سوريا: متابعة الحرب بوسائل أخرى

وكذلك الحال، دون شك، فإن الفضل يعود أيضا إلى المجتمع الأميركي الواسع، والذي رغم أنه لا يخلو، كما غيره، من آفات القناعات والممارسات العنصرية، فإنه ارتقى بالفعل، حين دعاه الرجل الفاضل، إلى مقام تقديم الحق والسعي إلى تحقيقه، وإن بقيت الخطوات، كما كل خطوات الخير التي يخطوها الإنسان، ناقصة بحاجة إلى تتمات.

باستثناء كولومبوس، مكتشف العالم الجديد، جميع من يحتفل بهم في الولايات المتحدة بالعطل الرسمية من الرؤساء. ذكرى مارتن لوثر كينغ تشكل بالتالي خروجا عن هذه القاعدة، ولكنها، بعد بعض التردد، أصبحت عطلة رسمية في عموم الولايات المتحدة. هو تكريم للرجل لما أنجزه، ولكنه كذلك شهادة للمجتمع الأميركي بأنه، دون زعم كمال، لا يزال حيا في سعيه إلى الارتقاء، وإن اعترى هذا السعي الانتكاس بين الحين والآخر.

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

صورة من كتاب "Tom Waits by Matt Mahurin" Copyright: Matt Mahurin

"ما هذا الهراء!؟"

السؤال الاعتراضي الذي باغتني به أحد أساتذتي في جامعة الفنون في برلين، أثناء تواجده الأسبوعي في استديو العمل الخاص بي والمشترك مع أربع طلاب آخرين. للوهلة الأولى اعتقدت أنّه يتحدّث عن لوحتي المعلقة على الحائط.

في تلك اللحظة، كان الوصف ليكون أكثر تقبّلاً من قبلي على أن يكون تجاه الموسيقى التي تدور في فضاء الاستديو. مشيراً بإصرار مع ابتسامة فوقيّة تجاه هذا النوع من الموسيقى على أنّها تمثّل الهبوط والقاع في أحسن أحوالها. دون أن يستفيض لماذا، وعلى ماذا استند يقينه بأن ما يُسمع في تلك اللحظات من موسيقى تصدح من مكبّر الصوت هو "هراء"!

لماذا يتفق الجميع على أشياء تبدو عاديّة دون أي ذبذبات مثيرة للاهتمام من قبلها، لكن الإجماع على علوّ قيمتها بصريّاً أو سمعيّاً يحوّلها أتوماتيكيّاً إلى موضوع جيّد متفق عليه؟ غريب! وأي اعتراض عليها يحمّل صاحبها بصفة "الذائقة السيئة"، أو توجيه تهمة "الرغبة في التميّز عن السائد لمجرّد الاختلاف" التمييز بمعناه المفرغ من محتواه.

مثلاً قول أشياء من قبيل: "لا أحب موسيقى بيتهوفن" أو "صوت فيروز يدفعني للوقوف على جرف جبل ورمي نفسي عند لحظة تأوهها بكلمات الحب والوله للحبيب المجهول!" التفوّه بهذه الأشياء يشبه المساس بالمقدّسات، يحتاج إلى القليل من المخاطرة في الإفصاح عنه. لا أعني المخاطرة بما تحمل الكلمة من مفاهيم أسطوريّة، أعني الدخول في سجالات لا جدوى منها.

"أوكي، نزيف في الأذنين في أسوأ الأحوال!" أجبته ورفعت صوت الموسيقى أكثر وأكملت الرسم الأوّلي لـ باطن قدمي الأيمن بقلم الفحم العريض، بخطوط سريعة عشوائيّة يُكمِل سرعتها صوت "توم وايتس" مردّداً عبارات متتالية مع انقطاع ملحوظ في الشهيق والزفير "الله غائب، الله غائب، الله غائب في عمل" (God's Away On Business)

 الكتاب المصوّر "وايتس/كوربيجن 77-11"

كانت الصورة الأولى الملتقطة من قبل المصوّر والمخرج السينمائي الهولندي أنطون كوربيجين لتوم وايتس، والتي تعود لعام 1977 في هولندا نقطة البداية التي ساهمت فيما بعد بتعاون فنّي دام سنوات طويلة.

التعاون الذي بدأ بالتقاط صورة باللون الأحادي، الطابع الذي تم اعتماده فيما بعد ليكوّن أغلبية المشاهد المتدرّجة بتكثيف لوني بين مختلف درجات السواد والرمادي والبياض الخارج عن نقائه المعتاد. التدرّج الذي كان له دور في خدمة سياق المشاهد وعبثية تشكيلها. جُمعت المشاهد في أرشيف موثّق ليتم إطلاق مجموعة مصوّرة بكتاب واحد تحت عنوان:  "وايتس/كوربيجن77-11" الكتاب الصوري المصنوع غلافه من الكتّان.

يضم الكتاب أكثر من 275 صفحة لمشاهد تمّ التقاطها على مدار ما يقارب 35 سنة. توثيق لحياة وايتس بين عمر الـ 27 لـ 61 تقريباً. المفارقة أن تسلسل المشاهد يختلف زمانياً ويبدو الأمر جليّاً في ملامحه، التجاعيد، بعض الانحناءات والاكتناز في بعض مناطق جسده، ثقل الحركات البلهوانيّة التي أصبحت أكثر انضباطاً من مشهد لمشهد، لكن اللعب واللهو والسحر في حركاته لم يخفت نهائيّاً، إن قلّ ارتفاعه وجنونه في المشاهد المصوّرة في عمرٍ أصغر. يتسلّق أغصان الأشجار، يعتدي على البرك المائيّة الراكدة بقدمين حافيتين، وعلى وجهه تعابير تسخيف طفوليّة لكل ما هو موجود، وكأنما جسده يؤدي دور المقاوم أمام التقدّم في العمر. مقاومة جسديّة ساخرة أمام تدفّق الزمن المتسارع الجدي. التحرّر من سلطة الوقت والنضج بروح الدعابة المحارب أحياناً في عدد من المنصات الثقافيّة والفنيّة على أنها تقليل من قيمة ومعنى كل من يتورّط في هذه المجالات.

تتنوّع المشاهد بين عناصر مختلفة من نسور وأشجار عارية مائلة متدليّة نحو ظلّها، تكاد تبدو ميّتة.

غربان وشوارع فارغة وحصان ثابت كأنه دمية أو زينة موضوعة كتجهيز فنّي إلى جانب سيارة مركونة، تستدعي للتساؤل عما إذا كانت مصادفة أم عن قصد وجود عنصرين يشكلان مفارقة زمانيّة وتاريخيّة.

بقع متفشية مجهولة التكوين. ظلال بشريّة والكثير من العناصر المجتزأة من سياقها. ولكن المشترك بين هذه الأشياء؛ ثباتها ضمن فضاء يحتضن عنصرا أساسيا مفعما بالحركة، جسد توم وايتس المتسم بالخفّة، المتحرّر من كادر الصورة. وجهه وحركاته البهلوانيّة الهائمة في الهواء. إن لم يكن جسده فظلّه. إن لم يكن ظلّه، تتفاجأ بأن الصورة ملتقطة عن طريقه متعدّياً على صديقه المصوّر لكي يضعه خارجاً، مبعداً إياه عن أي صلة بالنتيجة البصريّة المحتملة أو النهائيّة.

تتضّمن بعض الصور اقتباسات من بعض أغاني وايتس، سطور نثريّة أو عناوين طويلة تبدو كأنها نصوص قصيرة جدّاً لوصف الصورة أو لإكمال كادرها لغويّاً. غالبية الصورة غير مجهزة، لكن حتى المشاهد المجهزة تبدو ساحرة غير مفتعلة أو بالغة في التركيب كالمشهد المصوّر في أحد شواطئ أوروبا معلّقاً كرسيّا خشبيّا حول رقبته، وممسكاً بآلة موسيقية نفخيّة أقرب إلى رأسه موازية لكتفه في يد، وآلة الكمان في اليد الأخرى الأقرب إلى القسم الأسفل من جسده باتجاه الأرض.

أكثر من 50 صفحة موزعة تضم صور التقطها وايتس بنفسه، تكمن الدهشة في هذه الصور بأنها ليست احترافيّة، مشاهد أكثر استرخاء، خارجة عن نطاق قواعد الصورة، أنصاف كوارد، مائلة قليلاً. تماماً كما يبدو وايتس في مقابلاته ومقاطع الفيديو المرافقة لموسيقاه المغناة.

جسد منتشٍ، مترنّح من تأثير الكحول. مسترخٍ على كرسي في مقابلة تلفزيونيّة، غير مهتم لقواعد المقابلات المعتادة بأن يكون ثابتا، لمّاحا، حاضر للإجابة. لا على الإطلاق، لا يهتم بالفضاء المحيط به وأنه محط أنظار، يبحث عن عود ثقاب ليشعل سيجارته بينما المقدّم والجمهور الحاضر ينتظر إجابته.

يأتي الكتاب مكمّلاً وليس منفصلاً عن موسيقى وايتس، تلك الموسيقى التي تستدعي وجود وقت يجري بانسيابيّة وتدفّق، دون معرفة زمانه المحدّد. موسيقى مختلطة يقطعها صوت صارم كمنشار منمّق، صعوداً وهبوطاً كأنه منبّه للابتعاد عن نمطيات الموسيقى المعتادة مع صوت المؤدّي الذي يكون عادةّ مدروسا ومضبوطا مع قواعد الموسيقى.

مشاهد كوربيجن تتسم بأسلوب اللعب واللهو. تنمو تباعاً وفقاً لجاهزيّة جسد وايتس في تطويع العناصر المحيطة به. هنا يظهر أسلوب كوربيجن في قدرته  والمهمة الشاقة قليلاً في الرغبة على إظهار أسلوبه الخاص بالتوازي مع موضوع متحرّك غير قابل للسيطرة كوايتس، سواء سيطرة جسديّة أو على أفكاره التي من الواضح أنه يبتكر معظمها دون استشارة أو الرجوع لمن خلف عدسة الكاميرا.

يبني كوربيجن نظريته الخاصة في اختيار وايتس ليكون محورا لمشاهده على مدار ثلاثة عقود من عمريهما معاً، مبتعداً عن الجانب الشخصي الوثيق بينهما ليكون سببا هامشيا وليس أساسيا رغم التطوّر المرافق للسنوات التي تمت أرشفتها فيما بعد لتجمع بكتاب مصّور. آخذاً عدّة تشعبات وأبعاد متفاوتة الأشكال. العلاقة الثنائيّة الفنيّة المرتبطة بأداة ثالثة خارجيّة جامدة بينهما وهي آلة التصوير. إنّ تموضع وايتس أمام العدسة والتصرّف بتحرّر وكأنه لوحده وبذات الوقت قدرته على تطويع نفسه بما تحمل من مزاجيات مختلفة لـ للمصوّر وأداته أحد الأسباب، ولعله الجوهري، في استمرارية ديمومة عملهما معاً لسنوات متتالية.

"من الصعب التقاط أو توثيق حياة شخص من خلال الصور لمدة تتجاوز الثلاثين سنة، هو فعل موجود في الأوساط الفنيّة أو الثقافيّة، لكن ليس شائعاً. عملنا معاً تطوّر كما تتطور الأشياء بمسارها الطبيعي، أي المسار غير المثالي، وهذا الأمر الجميل بذاته، الشوائب والأخطاء وسوء التفاهم. كلٌ منّا كان جديّاً تجاه عمله، لكن عندما يأتي الأمر للعمل سويّا، يختلف الأمر قليلاً ونصبح كالأطفال، متحرّرين من القوانين التي تسود عالم الناضجين" (كوربيجن معلّقاً عن الكتاب.)

 

Photo from the illustrated book "Tom Waits by Matt Mahurin". Copyright: Matt Mahurin

 

يتركنا الكتاب بما يحتوي من مشاهد للتساؤل عن طبيعة الفعل الأدائي لوايتس بوجهة نظر بصريّة مختلفة. مصورون/ات، أو فنانون/ات آخرون. لتأتي صور ورسومات غرائبيّة متداخلة بعوالم مختلفة شكّلها خيال مات ماهورين. أنصاف بشريّة بأطراف آلية، شخصيّات تحرّرت من سلطة الشكل الاعتيادي للأجسام البشريّة التي من السهل توقع حركاتها ومعرفة فعلها وردة فعلها على السواء. مات ماهورين مصوّر، رسام ومخرج أفلام، وأغاني مصوّرة لفرق موسيقيّة كفرقة "ميتاليكا".

يبدو وايتس بأسلوب ماهورين مختلفاً تماماً عن أسلوب كوربيجن. وايتس بصوره جزء من كُل، هذا الكل يأتي في سياقات مختلفة لكن مكمّلة لبعضها في المشهد الواحد، بخاصيّة زمنيّة كأنها قصة تجري أحداثها أو مسرحيّة بشخوص تمارس أفعالها اليوميّة. سواء أكان رسماً أم تصويراً. حيث كل تفصيل له دلالة ورمزية ومبرّر دراميّ يفسّر تموضعه في اللوحة أو الصورة. بعكس الأجواء الموجودة في صور كوربيجن، التي تبدو كأنّها التقطت خصيصاً لإظهار وايتس وتوثيق حركات جسده ووجه كعنصر أساسي يَصعُب التخلّي عنه، أما بقيّة الكادر مهمّش، أقرب إلى الديكور من السهل اجتزاؤه، تبديله أو التخلّص منه على حساب وايتس.