خلال مبارات الأردن وفلسطين في كأس آسيا
خلال مبارات الأردن وفلسطين في كأس آسيا

نضال منصور/

زمان كنا نقول "لا صوت يعلو على صوت المعركة"، في الأردن اليوم لا صوت يعلو على صوت مشجعي منتخب كرة القدم الذي يُطلق عليه "النشامى".

بعد الفوز الأول المستحق لمنتخب النشامى على بطل كأس أمم آسيا المنتخب الأسترالي انتشت الجماهير الأردنية، وتلاشت واختفت كل الأصوات التي كانت تلوث الرياضة بهتافات "إقليمية" منفرة، وتُحدث شروخا في بنية المجتمع.

الأداء المميّز لمنتخب الأردن استقطب اهتمام الشارع بشكل لافت ليطغى على مواجع وهموم الناس الاقتصادية، وليكبح جماح الأصوات المعارضة للحكومة، ويسهم في الحد أو تراجع منسوب احتجاجات "الخميس" الأسبوعية ضد حكومة الرئيس عمر الرزاز.

همس بأذني صديق معارض "محظوظة حكومة الرزاز، في الأسابيع الماضية كان الطقس كل خميس ينتصر لها، فالأمطار قوية، والثلوج تنذر بالتساقط، والشتاء بارد وقارص مما يحد من حركة الاحتجاج، ويضع صعوبات أمام مشاركة الغاضبين، وتلاها فوز لمنتخب النشامى والتفاف الناس حوله داعمين، وهذا نقل بؤرة الاهتمام والحدث إلى اتجاه آخر غير الهواجس السياسية والاقتصادية والمشاغبة على الحكومة ومناكفتها".

اقرأ للكاتب أيضا: تقرير 'حالة البلاد' ينكش 'جراح' الدولة الأردنية

في الأردن مزاج كروي جديد يظهر وكأنه لا يعرف الصراعات والانقسامات، وراية "النشامى" تعلو ولا يعلى عليها، ولذلك استحوذت صورة "عامل الوطن" ـ وهو الاسم الذي يفخر الأردنيون بأنهم أطلقوه على عمال النظافة الذين يجمعون النفايات ـ وهو يشاهد مباراة الأردن وأستراليا من خلف زجاج أحد المقاهي وسط أمطار الشتاء القارص على اهتمام مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي، ولم يتردد العاهل الأردني عبد الله الثاني وولي عهده من اقتناص اللحظة و"تسجيل هدف" في الذاكرة الشعبية، حيث استضافا هذا العامل واسمه "خالد الشوملي" في القصر الملكي ليحضر معهما المباراة النارية بين المنتخب الأردني ومنتخب سوريا، والتي أحرز بها "النشامى" فوزا مؤزرا، وضعهم في صدارة مجموعتهم التي تضم أستراليا وفلسطين وسوريا.

ضمن المنتخب الأردني التأهل للمرحلة الثانية من بطولة كأس أمم آسيا التي تضم كل دول آسيا باستثناء تركيا وإسرائيل.

ومن المفهوم أن تركيا خارج هذه البطولة لأنها تقع أيضا في أوروبا، ولكن إسرائيل، التي لعبت بهذه البطولة واستضافتها وفازت بها عام 1964، تعرضت لعزلة ومقاطعة عربية مما أجبرها على الخروج من الاتحاد الأسيوي وانضمامها للاتحاد الأوروبي.

بطولة أمم آسيا المقامة حاليا في دولة الإمارات، والتي انطلقت عام 1956 من كوريا الجنوبية، لم تنته بعد لكنها سجلت حتى الآن مفارقات تعكس الحالة الوجدانية للجماهير العربية.

فالعالم العربي الذي يعيش أسوأ حالاته وانقساماته، تنتقل في أحيان كثيرة عدوى هذه الصراعات إلى الملاعب، وتعزز الشروخ التي كرستها الحدود والسلطة الحاكمة.

وما يستحق أن يُروى أن الحالة الأردنية الفلسطينية في بطولة أمم آسيا خرجت عن المألوف العربي، وقبيل المواجهة بين الفريقين والتي انتهت بالتعادل كانت وسائل التواصل الاجتماعي مثيرة ومبهجة في تعاطيها مع المباراة، فحين تقرأ "تغريدة" لسيدة تدعى هبة تقول "يتحدثون عن مباراة بين الأردن وفلسطين، من ستشجع يومها شرق القلب أم غربه؟" وتكمل "لا يهم من ستشجع فأبناء الحي الواحد كانوا يلعبون من العصر وحتى الغروب فريقان، ثم عند المساء أخوة وصحبة... لا يهم من ستشجع، فإذا ذكر النشامى انتشينا فخرا، وإذا رأينا علم فلسطين انتشينا فخرا وشوقا".

ويذهب وليد الكردي في تغريدته لتكريس حالة الوحدة بالقول "أنا بحكي يوم مباراة الأردن وفلسطين جمهور الفريقين يكونوا قاعدين مع بعض، الأردني يحمل علم فلسطين، والفلسطيني يحمل علم الأردن، وبتوقع راح يكون أحلى منظر بالتاريخ"، وأكثر من ذلك يقول كاتب آخر اسمه عمر عبد الله في تغريدة "لأول مرة في التاريخ منتخب سيلعب ضد نفسه... الأردن وفلسطين".

لم أفهم بصراحة حالة التسامي في الشارع قبيل مباراة منتخب الأردن وفلسطين. هل هذا هو الواقع الحقيقي، وما نسمعه من تشاحن "نعيق" مُصنّع ومُوجّه، أم أن الحالة الحالمة لا تعكس الواقع؟!

في هذا الجو الحماسي انتجت قناة "الأردن اليوم" المستقلة أغنية اسمها "حيهم النشامى" تحلق بسماء وحدة الشعبين حتى شعرت لوهلة أن مشروعا سياسيا للكونفدرالية نضج وأصبح قاب قوسين أو أدنى.

تقول كلمات الأغنية "حمر وبيض الكوفية... نشامى فدائية... بدنا نشجع الطرفين... أردنية فلسطينية... النشمي عيني اليسار... فدائي عيني اليمين... وفي الملعب نرفع شعار... الأردن أختك يا فلسطين".

الروح الرياضية التي تجلت قبيل مباراة منتخب "النشامى" الأردني و"الفدائي" الفلسطيني سابقة تستحق أن تُسجل، والمفارقة التي توثق في هذا السياق أنها على النقيض والعكس من بعض المباريات التي تجمع فريقي "الفيصلي" و"الوحدات" وكلا الفريقين أردني، ولكنها تلقي بظلال التعصب، وتؤجج مشاعر الصراع الإقليمي، وتشهد أحيانا هتافات مثيرة للنعرات، وتوحي بأن هناك صراعا بين جماهير الفيصلي التي توسم بأنها تعبر عن الأردنيين شرق النهر، والوحدات فريق المخيم الفلسطيني الذي يوسم بأنه يعبر عن هوية من هم أردنيين من أصول فلسطينية.

♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦

قصة منتخب فلسطين الذي هُزم من أستراليا وتعادل مع سوريا والأردن مفجرة للشجون والأسئلة، فحين شارك في البطولة السابقة بأستراليا تعرض لثلاث هزائم متتالية، وهو اليوم يسعى لإثبات حضوره وجدارته، وبذات الوقت يُذكّر العالم بالقضية الفلسطينية.

حين تدقق الرؤية في المنتخب الفلسطيني ستُدهش حين تعلم أن أربعة لاعبين يحملون هويات "زرقاء" إسرائيلية، لكنهم يفاخرون أنهم من "فلسطينيي الداخل".

نشر الكاتب الإسرائيلي أوري ليفي مقالا بجريدة هآرتس وترجمته جريدة الغد الأردنية تحت عنوان "ولد في الطيبة ويقود اليوم منتخب فلسطين"، وهو بذلك يتحدث عن اللاعب عبد الله جابر الذي يحمل الهوية الإسرائيلية وهو كابتن المنتخب الفلسطيني، وربما يصلح واقع المنتخب الفلسطيني لفيلم يعكس التراجيديا السوداء.

عدا طرح ليفي لمفارقة أن لاعبا يحمل هوية إسرائيلية يقود منتخب فلسطين، في إشارة غير مباشرة الى أن ولاء هؤلاء لفلسطين وليس لدولة يحملون جواز سفرها، فإنه يتساءل أيضا في نهاية مقاله "ماذا كان سيحدث لو أن إسرائيل استمرت في اللعب بآسيا ضد منتخبات المنطقة؟".

اقرأ للكاتب أيضا: العرب يهرولون مجددا.. هذه المرة إلى دمشق

سؤال ليفي طريف ومُفخَخ، فربما كانت شعارات مقاومة التطبيع قد تهاوت مبكرا، بعد التسابق العربي على استضافة اللاعبين الإسرائيليين في البطولات تحت حجة التعليمات الدولية، في وقت يعلن الرئيس الماليزي مهاتير محمد أن بلاده لن تمنح الرياضيين الإسرائيليين تأشيرات لدخول بلاده للمشاركة في بطولة دولية، معتبرا أن ذلك خرق لمبادئ السيادة الماليزية.

المنتخب الفلسطيني حالة فريدة، فالأمر لا يتوقف عند حدود هذه المفارقة، بل يضم المنتخب في صفوفه لاعبين آخرين من تشيلي وسلوفينيا وأميركا، فكل فلسطينيي العالم في الشتات مهما كانت جنسيتهم لا يعرفون "قبلة" غير فلسطين، إنه "الكل" الفلسطيني كما يصفه الكاتب برهوم جرايسي.

♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦

عبر الرياضة، تسمع وترى كل شيء ممكن وغير ممكن، فإن كانت الحالة الأردنية الفلسطينية بعثت رسالة وفاق، فإن أصوات الانتقاد وحتى "الردح" ارتفعت بعد فوز الأردن على سوريا، وحُمّلت المباراة ووظفت عند البعض لبث رسائل سياسية أكثر منها رياضية.

على وقع طبول مشجعي بطولة أمم آسيا اقتنعت اليوم أكثر مما مضى أن الرياضة أيضا "أفيون الشعوب" وليس الدين أفيون الشعوب وحده.

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.