لا حاجة إلى القول إن اليد الطولى في الأزمة أصبحت للجماعات المتطرفة في زمن قياسي، بينما تبخرت الجماعات المعتدلة
لا حاجة إلى القول إن اليد الطولى في الأزمة أصبحت للجماعات المتطرفة في زمن قياسي، بينما تبخرت الجماعات المعتدلة

عمران سلمان/

أتفهم وأتعاطف تماما مع موقف السوريين المعارضين الذين كانوا يتطلعون إلى نظام حكم أفضل في بلادهم، والذين عانى كثير منهم الأمرين بسبب هذا النظام. وأتفهم بالتالي حجم الشعور بالإحباط والمرارة جراء ما آلت إليه الأوضاع، ومن بينها ذلك الإحساس الممض بتخلي المجتمع الدولي عنهم.

لكن ثمة قراءة أخرى للأزمة لا ينبغي أيضا إغفالها. وهي التي سأركز عليها هنا، لأنها برأيي تمثل الصورة الأكبر للمشهد والأهم من الناحية الاستراتيجية.

خطأ تاريخي

سأقول إن المجتمع الدولي كان سيتركب خطأ تاريخيا قاتلا، لو أنه (بقصد أو بدون قصد) قد ساعد الجماعات الإرهابية مثل جبهة النصرة وأحرار الشام وجيش الإسلام وما شابهها على الاستيلاء على السلطة في سوريا.

لنا أن نتصور أي بلد يمكن أن يكون سورية تحت حكم هذه الجماعات، وأي حياة ستكون لمن بقي داخل البلاد، وخاصة الأقليات منهم. وماذا سوف يفعل الجوار السوري مع كل هذه الفوضى وهذا التطرف الديني؟

لا نحتاج إلى إعمال المخيلة، فنماذج الحكم تحت ظل داعش وطالبان وغيرها ماثلة للعيان، ويمكن لمن شاء أن يعود إلى أرشيف أية وسيلة إعلامية في الدنيا للوقوف على حقيقة ذلك.

اقرأ للكاتب أيضا: الطبيعة البشرية أقوى من الأديان

الحقيقة أن هذا للأسف هو البديل عن نظام الأسد، وعاجلا أم آجلا لو تمكنت هذه الجماعات من إسقاط النظام، سوف تكون هي من يحكم البلاد. في البداية سوف تتصارع فيما بينهما، ثم يؤول الحكم إلى أقواها، وهي هنا الجماعات الأكثر تشددا.

ولمن يستغرب إمكانية حدوث ذلك نقول إنه لو لم يجتمع العالم كله لمحاربة تنظيم داعش، لكانت "دولته" قد بقيت حتى اليوم، بل لترسخت وتمددت ووجدت الناس يدخلون تحت حكمها وحدانا وزرافات.

حرب جهادية

والواقع أن هذه الجماعات (وخاصة جبهة النصرة وأحرار الشام وجيش الإسلام) ليست طارئة على مشهد الأزمة. فالنصرة تشكلت في آب/أغسطس عام 2011 بعدما عبرت عناصرها سورية قادمة من العراق وأعلنت رسميا عن وجودها مطلع عام 2012، أي خلال أقل من عام على التحركات المطلبية. بينما تقول حركة أحرار الشام إنها تشكلت في شهر أيار/مايو عام 2011.

والعناصر التي انشقت عن الجيش السوري النظامي، سرعان ما وجدت نفسها إما ضمن الجيش الحر أو الجماعات الجهادية.

وبالتوازي مع ذلك بدأت تدخل إلى سوريا من البوابة التركية كتائب الشيشان والقوقاز والجهاديين القادمين من أوروبا وأميركا والدول العربية، فتحولت الأزمة السورية من ثورة أو مطالبات بالتغيير إلى "حرب جهادية"، هدفها كما يقولون "إقامة حكم الله".

هل كان هذا نتيجة حتمية؟ لا أدري. ولكن ثمة شواهد على أنه في الوقت الذي كانت فيه الاحتجاجات السلمية تتواصل ضد حكم الرئيس بشار الأسد، والذي لم يتردد على أية حال في استخدم القوة لمواجهتها، كانت تجري في الوقت نفسه عمليات محمومة لتأسيس وتشكيل الكثير من الجماعات والكتائب والألوية الإسلامية وتحت مختلف المسميات والعناوين والتي كانت طوال سنوات الأزمة تتحد وتنقسم ثم تنقسم مرة أخرى، مثل الخلايا السرطانية.

ولا حاجة إلى القول إن هذه الجماعات أصبحت لها اليد الطولى في الأزمة في زمن قياسي، بينما تبخرت الجماعات المعتدلة. وبسبب تطلعها إلى الأموال الخليجية لم تتوان تلك الجماعات عن استخدام الورقة الطائفية في الأزمة بصورة مخيفة. وهو أمر لاقى هوى أيضا لدى الأطراف المقابلة في إيران والميليشيات التابعة لها.

مأزق التدخل الغربي

هذا الواقع هو الذي يفسر ما يسميه البعض بنجاح روسيا في سوريا وفشل الولايات المتحدة. الحقيقة أن الأخيرة لم تفشل لأنها لم تدخل أساسا في الأزمة ولم يكن لها أن تدخل فيها. ففي الوقت الذي كانت روسيا تساعد الحكومة السورية (المعترف بها دوليا)، فمن كانت ستساعد الولايات المتحدة؟

لا يمكنها بالطبع أن تقف مع جبهة النصرة، وهي الفصيل الأقوى بين المسلحين الجهاديين، ولا يمكنها أن تقف مع حركة أحرار الشام أو جيش الفتح أو جند الأقصى أو غيرها.

حتى المجموعات "المعتدلة" التي حاولت الولايات المتحدة أن تسلحها وتدربها (وهو جهد أقل من متواضع) سرعان ما سحقت على أيدي مسلحي النصرة، وتم الاستيلاء على أسلحتها.

اقرأ للكاتب أيضا: التاريخ لا يسعف المتجادلين!

لذلك، انصب الدور الأميركي في سورية على مسألتين. الأولى هي محاربة تنظيم داعش والقضاء على العناصر الخطيرة في تنظيم القاعدة، والثانية هي ضمان أن لا تلحق العمليات التي يقوم بها الجيش السوري الأذى بالمدنيين على نطاق واسع. ولا يستبعد أن يكون هناك ضوء أميركي أخضر للحكومة بإخراج الجماعات الجهادية من مناطق تواجدها السابقة في عدد من المحافظات السورية ولا سيما في ريف دمشق وجنوب سوريا.

حكم الدولة وحكم العصابات

أيا يكن الحال وأيا تكن نتيجة الأزمة، من الواضح أن وجود الدولة يظل أفضل ألف مرة من حكم العصابات والجماعات الإرهابية. وهذا الأمر يصح في سوريا وغير سوريا. إن المقارنة هنا ليست بين حكم ديكتاتوري عسكري وآخر ديمقراطي مدني، لكنها مقارنة بين وجود دولة أو عدم وجودها. وما حدث خلال السبع سنوات الأخيرة على الأقل كان محاولة واضحة لتقويض الدولة السورية، واستبدالها بحكم الجماعات والمسلحين، تحت عناوين "إقامة الدولة الدينية وإحلال الشريعة الإسلامية" والقضاء على الأقليات المذهبية والدينية الأخرى. وهذه الجماعات على كثرتها وتعدد مموليها لم تكن تخفي هذه الأهداف، فهي واضحة ومعلنة في أسمائها وبياناتها وراياتها وانتماءات قادتها وعناصرها.

ولا ريب أن النظام السوري قد استغل وجود هذه الجماعات لمصلحته وتبرير ضرب معارضيه السلميين، لكن هذا لا يغير من واقع أن هذه الجماعات كانت تشكل خطرا محدقا على سوريا والمنطقة والعالم. وينبغي على السوريين قبل غيرهم أن يحمدوا الله على أنها لم تتمكن من الوصول إلى الحكم في بلادهم.

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.