صيادون فلسطينيون يفحصون شباك الصيد بعد العاصفة التي ضربت قطاع غزة قبل أيام
صيادون فلسطينيون يفحصون شباك الصيد بعد العاصفة التي ضربت قطاع غزة قبل أيام

داود كتّاب/

في حال نسي بعض الناس، فلا بد أن نذكر الجميع أن هناك منطقة في الشرق الأوسط هي قطاع غزة حيث يعيش نحو مليوني فلسطيني في حالة سيئة. الحالة في القطاع ليست وليدة ظروف طبيعية او مأساة خارجة عن السيطرة بل هي ناتج مباشر لقرارات سياسية ليس أكثر. لا يوجد أي سبب يمنع هذا القطاع الملاصق للبحر الأبيض المتوسط من التمتع باقتصاد سياحي باهر.

إن أساس القرارات السياسية هو الحصار الإسرائيلي غير القانوني والجائر المستمر منذ أكثر من عقد. السبب الرسمي التي تقدمه إسرائيل لاستمرار الحصار هو سيطرة حركة حماس الإسلامية على القطاع. من ناحيتها تعتبر حماس أن مؤيديها نجحوا في الانتخابات التشريعية عام 2006 ولم يُسمح لهم بالحكم.

بالطبع المشكلة ليست بهذه البساطة، إذ كان لقيام ميليشيات حماس بطرد قوات الأمن الرئاسي التابعة للرئيس محمود عباس في حزيران/يونيو عام 2007 الأثر الكبير على تردي الأوضاع بسبب احتكار حماس للحكم في القطاع.

اقرأ للكاتب أيضا: 'أم بي سي' تحتاج إلى بيئة حرة لتنافس 'نتفليكس'

منذ ذلك الوقت فشلت كافة محاولات المصالحة، كما لم يتم السماح من قبل القوى المسيطرة في القطاع، أي حماس، بإجراء أي نوع من الانتخابات لمعرفة رأي الشعب وللالتزام بكون الشعب مصدر السلطات وليس العسكر أو السياسيين.

فشل المصالحة ليس مرتبطا فقط برفض حماس لإجراء لانتخابات، بل برفض القيادة الفلسطينية في رام الله القبول بحلول تشمل فكرة التشاركية.

الوضع زاد سوءا مؤخرا بعد قرار القيادة في رام الله الدخول في مواجهة مباشرة مع حماس بهدف تركيع الحركة والإصرار على تسلم السلطة سلاح حماس كي تستطيع السلطة الفلسطينية إدارة شؤون غزة إداريا وأمنيا.

أثرت الضغوط على حماس على الشعب الفلسطيني في غزة، واعتبرها البعض نوعا من أنواع العقاب الجماعي. فما ذنب سكان غزة ليدفعوا ثمن الخلاف الحمساوي مع السلطة؟ وما هي الفائدة المرجوة من وقف المساعدات المالية لتشغيل مولدات الكهرباء الأمر الذي انعكس على السكان الذين كان يحصلون على ساعات محدودة من التغذية الكهربائية أصلا. تبرر القيادة في رام الله موقفها من أن حماس تجبي ثمن الكهرباء، فلماذا على القيادة في رام الله دفع ثمن الكهرباء. ينطبق الأمر على وقف دفع الرواتب وهو ما رفضه المجلسان المركزي والوطني الفلسطيني.

وجاء قرار المحكمة الدستورية بحل المجلس التشريعي وإجراء انتخابات تشريعية دون رئاسية ليرفع حدة التوتر بدلا من خفضها، وتلاه سحب الحرس الرئاسي من معبر رفح. وتتردد معلومات بوجود نية لإعلان القطاع كـ"منطقة متمردة"، وكأننا دولة مستقلة لها الرفاهية أن تعلن عن مناطق حرة ومناطق متمردة في حين أن الرئيس لا يزال بحاجة إلى تنسيق مع إسرائيل لضمان حريته في السفر داخل أو خارج المقاطعة في رام الله.

قد يقول البعض إن همّ الرئيس عباس هو أن لا نقع في المستنقع ذاته الذي وجد لبنان نفسه فيه حيث توجد سلطاتان بسبب التسامح مع ميليشيات حزب الله. قد يكون هذا صحيحا جزئيا.

لمن لا يعرف أو يحاول أن يتناسى فإن سكان قطاع غزة جزء لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني وحقوقهم في العيش الكريم مسؤولية كل من هم في السلطة، سواء كانوا في المواقع القيادية في رام الله أو في غزة.

من المستبعد جدا ان تنجح محاولات الرئيس لدفع حركة حماس للتنازل من خلال العقاب الجماعي للشعب في غزة، بل كل ما يحدث يزيد من الغضب والإحباط. فمن أهم مسؤوليات من هم في القيادة توفير بصيص أمل لشعبهم ولكن كل ما يجري اليوم يزيد من الإحباط ولا يوفر الحد الأدنى من الأمل.

وفي غياب أي بصيص أمل داخليا نرى أن المجتمع الدولي غير مبال بما يحدث في القطاع من تجويع وتمريض وموت بطيء لشعب يحاصر حصارا ظالما وغير قانوني، كل ذلك بحجة أن حماس حركة إرهابية. ولا يوجد أي محاولة لتغيير الموقف العالمي من حماس. لماذا لا يتحرك المجتمع الدولي ويدخل في حوار مع القيادة الفلسطينية ومع حماس لإلغاء هذه الصفة عن حركة أبدت ـ ولأكثر من مرة ـ رغبتها باتخاذ مواقف معتدلة من الصراع الفلسطيني الاسرائيلي على أساس حل الدولتين؟ وهو أمر يتماشى مع مطالب الغالبية العظمى من دول العالم.

اقرأ للكاتب أيضا: عندما تتراجع 'فتح' عن 'عبقريتها'

نواجه اليوم عقابا على شعب غزة على أساس ظالم وغير منطقي دون أي محاولة للتعامل الإيجابي وإقناع حماس بأن المجتمع الدولي مستعد لتبادل الاعتراف معها في حال التزمت بالإشارات التي تصدرها مؤخرا حول الحلول الوسطية للصراع مع إسرائيل. 

قد ينتج عن ذلك إنهاء الحصار والتحضير لانتخابات محلية وتشريعية ورئاسية وبذلك يعود القرار فيما يتعلق بالمستقبل الفلسطيني إلى يد أبنائه وبناته وليس أيدي عدو أو صديق يحتكر القرار ولا يوفر فرصة للمواطن بالمشاركة في صنع قرار مصيره.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.