سيدة معارضة لخروج بريطانيا من الاتحاد الأروبي
سيدة معارضة لخروج بريطانيا من الاتحاد الأروبي

كوليت بهنا/

تحكي إحدى القصص أنه في ليلة تنصيب زعيم جديد لقبيلة من قبائل الهنود الحمر، سأل أفراد القبيلة زعيمهم الذي لا يعرف شيئا عن الأحوال الجوية، هل سيكون الشتاء باردا هذا العام؟ فأجابهم نعم سيكون باردا، اجمعوا الحطب.

وبدأت القبيلة بجمع الحطب. وبعدها اتصل الزعيم تلفونيا بالأرصاد الجوية حتى يتأكد من تخميناته، وسألهم هل سيكون الشتاء باردا هذا العام؟ فأجابوه نعم سيكون باردا جدا جدا، فأمر أفراد قبيلته بجمع كميات أكبر من الحطب حتى لم يعد هناك أي حطب بالقرية.

وبعد مضي فترة من الزمن، اتصل مرة أخرى بالأرصاد الجوية حتى يتقين من معلوماته وسألنهم هل سيكون الشتاء باردا هذا العام؟ فأجابوه نعم سيكون الشتاء الأبرد على الإطلاق. فسألهم من أين تستقون معلوماتكم؟ فأجابوه: رأينا الهنود الحمر يجمعون كميات كبيرة من الحطب.

اقرأ للكاتبة أيضا: لبنان تحت رحمة جوبيتير وأعوانه

أتذكر هذه القصة بمغزاها الساخر حول بعض السياسات التي تدار بناء على معلومات مستقاة من تحليلات أو ملاحظات مضللة أو غير دقيقة، في الوقت الذي تتجه به كل أنظار العالم إلى بريطانيا وهي تواجه واحدة من أقوى الأزمات في تاريخها بعد رفض نواب البرلمان البريطاني في 15 كانون الثاني/يناير الجاري خطة (بريكست ـ British-exit) للخروج من الاتحاد الأوروبي.

للتذكير، فإن هذا الخروج فرضه استفتاء شعبي في حزيران/يونيو 2016. ويطالب اليوم معارضو الخروج إجراء استفتاء جديد، مما يعني تشكيكا مباشرا في الاستفتاء الأول الذي صوتت له نسبة 51.9 في المئة من البريطانيين أي لصالح قرار الخروج من الاتحاد. فأين تكمن المشكلة؟

في العديد من الدول المتقدمة، تُعتمد آلية الاستفتاء الشعبي في مواجهة قضية مصيرية ما تخص الأمة، وهي آلية تشكل جزء رئيسا من آليات الممارسة الديمقراطية، وهو ما تواجهه حكومة رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي في مأزقها، إذ لا يمكنها استبعاد رأي الشعب أو التغافل عنه.

في الوقت عينه، ذكرت عديد من المعلومات التي استقاها أصدقاء مختصون مقيمون في لندن، إضافة إلى بعض ما حملته بعض التحليلات الاعلامية الواردة أن العديد من البريطانيين، حين أيدوا الانسحاب، لم يعرفوا تمام المعرفة، أو لم يطلعوا بما فيه الكفاية على معلومات دقيقة حول عواقبه، وهو انسحاب يمكن أن يوجه ضربة قاصمة لبريطانيا وللتكامل الأوروبي ولجميع المستثمرين الدوليين والحقوق القانونية في بريطانيا، الذين يجلسون اليوم "على كف عفريت" بانتظار نهاية هذا المأزق. والحقيقة أن رؤوس المال لا تنتظر الأقدار، بل باشرت بالتحرك ـ وإن ببطء وحذر ـ إثر قرار الانسحاب 2016 بما يخدم مصالح أصحابها واستثماراتهم الكبيرة في بريطانيا.

لا يمكن أن يقال إن السياسة البريطانية العريقة خدعت، أو تلاعبت بالمعلومات التي وصلت للشعب حول هذا الانسحاب، لكن يمكن الاعتقاد، اعتمادا على الجدل الدائر حول الاستفتاء الذي حدث، بأن الحكومة البريطانية ومن خلفها المؤسسات والأحزاب، ربما لم توضح أو تفسر كفاية، وربما وجهت دفة الاهتمام بقرار الانسحاب في اتجاهات غامضة أو غير مقصودة، مما حرك دوافع الناخبين المؤيدين للانسحاب تبعا لهذه الاتجاهات؛ والدوافع قد تكون عاطفية مثل دغدغة أحاسيس التفوق البريطاني واستعادة أمجاد شمس الامبراطورية عبر التفرد التاريخي لنفوذها، وتحريض النزعات الاستقلالية من حضن الأسرة (الاتحاد الأوربي)، إضافة إلى دوافع اقتصادية كثيرة في مقدمها التلاعب السياسي بـفوبيا "بعبع" المهاجرين واللاجئين وما يمكنه أن يشكل إغراء للناخب لتأييد الانسحاب مثل تقليص الضرائب. وتشير كثير من الدراسات والأبحاث إلى أن "ما يحدث عادة خلال أي استفتاء شعبي هو أن الناخب لا يركز كثيرا على القضية المطروحة بل على الأفكار المبسطة والأحكام المسبقة والمشاعر عوضا عن التركيز على الاعتبارات العملية".

هذه الاعتبارات العملية هي التي صحا الناخب المؤيد للانسحاب على وقعها اليوم، وكأن لسان حاله يقول: "ربما تسرعت"، وقد يكون أيضا لسان حال الحكومة البريطانية التي قد تجد الحل للخروج من مأزقها بالتراجع وسحب قرار الانسحاب من الاتحاد الأوروبي إثر تبدلات محلية طارئة، ومن يمكنه التكهن بالمفاجآت السياسية؟

اقرأ للكاتبة أيضا: تجارة الصور الإلكترونية

في ظل كل هذا بدت مرونة الاتحاد الأوروبي ملفتة لما تمنحه من صبر واستيعاب للأزمة البريطانية، بحيث بدا الاتحاد الأوروبي وكأنه العائلة ـ المؤسَسَة الحكيمة والمتفهمة لرغبة بريطانيا الخروج من بيتها الكبير دون ضغائن، لكن ليس بمفهوم الطلاق، كما توصّفه العديد من الوسائل الاعلامية، العربية بشكل خاص، فالاتحاد الأوروبي ليس زوجا بالتأكيد، وقد تقلد دولة أوربية أخرى سلوك بريطانيا وتطلب مستقبلا الانسحاب بدورها، فهل سيقال آنذاك إنه طلاق عن الاتحاد، وكأن الاتحاد الأوروبي متزوج بـ 28 دولة على الأقل.

ما شأننا وشأن بريطانيا إن انسحبت أو بقيت في الاتحاد؟ بالتأكيد هو شأن دولي ومفترق تاريخي شديد الحساسية ستصيب تداعياته الجميع بشكل أو بآخر في القرية الكونية التي نعيشها. كما إنه شأن وجداني خاص تشوبه مشاعر الأسف لبدء انفراط عقد الاتحاد الأوروبي الذي شكل نجاح تكتله تحقيق حلم عالمي بإمكانية الاتحاد والسلام والمصالحة والديمقراطية، في الوقت الذي أمضينا فيه أعمارنا نحلم بوحدة عربية، أو أي شكل من أشكال الاتحاد يسمح به للمواطن العربي التجول بحرية بين الخليج إلى المحيط، بيده عملة واحدة، ومعه تأشيرة "بلاد العرب أوطاني".

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

زاوية مستقلة
زاوية مستقلة

هذا هو مقالي الأخير في موقع "الحرة" بعد 6 سنوات تقريبا على كتابة الرأي والتحليل على هذه الصفحات. قرار الموقع وقف صفحة "من زاوية أخرى" سيحرمنا من زملاء ونصوص ألقت الضوء وتميزت في قراءة الحدث العربي والعالمي. 

ولو أنه قرارٌ محزن، فهو يواكب التغييرات الإعلامية والتكنولوجية التي تتبدل في الفضاء الإلكتروني. ففي عالم كثرت فيه الآراء، وأحيانا نقصت فيه الحقائق، وتسارعت فيه النقلة التكنولوجية نحو الفيديو والصور، باتت هذه الوسائل الشغل الشاغل لجيل Gen-Z وكيف يتلقى معلوماته. 

"تيكتوك" و"إنستغرام" استبدلا نجيب محفوظ وجبران خليل جبران. وتغريدات السطر الواحد على تويتر، استبدلت نصوص غسان تويني ونوال السعداوي.  مع ذلك، نغادر هذه الصفحة بحسرة وامتنان لكل ما قدمته الحرة لنا ككتاب، وكأصحاب رأي، أحيانا يتفق وفي كثير من الأحيان يختلف مع سياسة المحطة. 

فراغ "من زاوية أخرى" سيشعر به القارئ والقارئة العربية لناحية الموقف المستقل والذي لا يخضع لرقابة في الكتابة. فالحق يقال أنه وطوال السنوات الـ6 الفائتة وما يتخطى الـ200 مقال، لم يُحذف سطرٌ واحد من النص. 

على هذه الصفحة انتقدنا إيران وأميركا والسعودية وإسرائيل وقطر ومصر وروسيا والصين من دون أن يرن الهاتف لينقل الرسالة بحذف كلمات أو شطب المقال بالكامل. 

هذه الفسحة غير موجودة في أي موقع آخر ناطق باللغة العربية. فالمال الإعلامي بمعظمه حكومي في المنطقة وهذا يحمل معه أجندات ورقابة حكومية، كون الليبرالية الإعلامية غير متأسسة في العالم العربي. فأي موقع اليوم يتيح انتقاد مصر والسعودية وإيران في الوقت نفسه؟ لا شك أن السقف الإعلامي بات أضيق مما كان عليه بعد مع بزوغ الفضائيات العربية. اليوم، الصين وروسيا لهما كلمة في بعض وسائل الإعلام العربية في الدول "الصديقة." 

تسييس الإعلام العربي وضيق المساحة المستقلة هو بحد ذاته إذلال وخوف من المواطن، ووسيلة أخرى للتحكم بما يقرأ ويشاهد ويستمع. 

الكلمة لا تقتل ولا تهد مجتمعات، والنقاش والخلاف بالرأي يغني المجتمعات بدل أن يفسدها. هذا المفهوم سيأخذ عقوداً قبل أن يتحول واقعاً في العالم العربي، مع العلم بأن الانفتاح الاقتصادي سيحتم معه الانفتاح الإعلامي. 

سنفتقد هذه الصفحة، إنما نبقى على أمل بأن الاستقلالية والكلمة الحرة ستجد فسحة أو تغريدة أو تسجيلاً للوصول للمنطقة العربية. حتى ذلك الوقت، شكراً لـ"الحرة" وإلى اللقاء عبر منابرها الأخرى.