الممثلة إيمي آدام، والكاتب والمخرج آدم ماكاي والممثلان سام روكويل ستيف كاريل
الممثلة إيمي آدام، والكاتب والمخرج آدم ماكاي والممثلان سام روكويل ستيف كاريل

رياض عصمت/

من غرائب الصدف أن كلمة Vice ـ عنوان الفيلم الذي كتبه وأخرجه آدم ماكاي عن سيرة حياة نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني ـ تحمل معنيين مختلفين تماما لدى ترجمتها إلى اللغة العربية؛ إذ أنها تعني "النائب" كما تعني "الإثم".

في الواقع، يوحي فيلم "النائب" (2018) للمشاهد بتداخل هذين المعنيين، لأنه يصور حياة أشهر نائب رئيس جمهورية في تاريخ الولايات المتحدة حافلة بآثام، ذروتها "أم النوائب" بالنسبة للعالم العربي، وهو غزو العراق وتدميره اقتصاديا وعسكريا واجتماعيا، وإن كان تسليمه للهيمنة الإيرانية على طبق من ذهب، وبالتالي للإرهاب الداعشي على طبق من فضة، إثمان لا يقلان فداحة.

نادرا ما تكون ممارسة السياسة نبيلة الدافع ونابعة من المبادئ السامية. السائد هو أن تكون تلك الممارسة مخادعة ونابعة من المصالح الفردية. هذا ما يجسده سيناريو فيلم "النائب" بجرأة ناقدة وهو يروي صعود ديك تشيني الشاب سلم النجاح تدريجيا عن طريق عمله موظفا لدى دونالد رامسفيلد، ليتقلد بعدها عدة مناصب هامة. يبتعد بعدها لفترة عن المعترك السياسي للعمل لدى شركة بترول كبرى، ثم يعود إلى القمة السياسية عندما يختاره الرئيس جورج دبليو بوش نائبا له، فيصبح أعلى من رامسفيلد نفسه، ويمسك بزمام صلاحيات واسعة لم ينلها أي نائب رئيس قبله أو بعده.

اقرأ للكاتب أيضا: المواجهة الأزلية بين الإعلام والثقافة (2)

في الفيلم، يمر بشكل عابر جدا ذكر قرار تحرير الكويت من قبل إدارة الرئيس جورج بوش الأب، الذي أسهمت فيه قوات عربية ضد الغزو العسكري العراقي لدولة مستقلة ذات شرعية. لكن الفيلم يركز بقوة على قرار غزو العراق فيما بعد، وهو القرار الذي زينه ديك تشيني للرئيس بوش الابن ردا على الاعتداء الإرهابي الشنيع على برجي التجارة في نيويورك بالرغم من أن أحدا من متطرفي "القاعدة" لم يكن عراقيا، ومن أن العراق لم يكن يطوِّر أسلحة دمار شامل على الإطلاق، كما زعم وزير الخارجية كولن باول في الأمم المتحدة، وهو أمر ثبت بطلانه فيما بعد أمام الرأي العام الأميركي والعالمي، مما دفعه إلى التنحي.

ربما وجد السياسي المحنك تبريرا لأفعاله بدافع نبيل ـ كما فعل تشيني في ختام الفيلم مخاطبا الكاميرا، ومن خلالها جمهور المشاهدين ـ لكن أذى الإثم السياسي يطال مصير ملايين البشر، وتظل آثاره حية عشرات السنين.

لا شك أن نهاية الفيلم تعلن بصراحة تأثر مخرجه باتجاه "التغريب" لدى المسرحي الألماني برتولد برشت وكسر ما يسمى في عالم المسرح "الجدار الرابع"، أي جدار الوهم القائم بين المؤدين والجمهور. يذكرنا فيلم "النائب" أيضا ببعض روائع المخرج أوليفر ستون، لكن مخرجه وكاتبه آدم ماكاي يذهب بأسلوبه باتجاه السخرية اللاذعة، كما في مشهد تناول عصبة المحافظين الجدد للعشاء في مطعم يعرض فيه "الميتر" قائمة إجراءات سياسية وعسكرية بدلا من قائمة الطعام، وينتهي المشهد بأن يطلب ديك تشيني جميع الأطباق المطروحة.

تلك هي ذروة التجريب في فيلم ذي أسلوب غير اعتيادي، ممتع بفكاهته السوداء وخياله الفني الجامح. لم يفت المخرج فرصة إلا واستغلها لإضفاء شيء من الإمتاع درءا لتسرب الملل إلى الجمهور، خاصة في بدايات الفيلم الذي تنوس زمنيا جيئة وذهابا عبر رواية مواطن عادي لسيرة حياة ديك تشيني، وهو شخص نراه قبيل النهاية حين يوغل في كشف المستور يتعرض إلى حادثة دهس فظيعة ترديه قتيلا في عرض الشارع، ويعلم الله إن كانت قضاء وقدرا!

في مسرحية شكسبير "ماكبث" تعطي الليدي ماكبث دافعا قويا لإثم زوجها ماكبث في اغتيال الملك حين يحل ضيفا على قلعته، وتزين له اعتلاء عرشه ليمارس الطغيان ضد أي شخص يشكل خطرا على سلطته أو يعارض استبداده، فيقوم بتصفيته هو وعائلته من الوجود، مثلما يفعل زبانيته بصديقه بانكو وبأسرة النبيل ماكدوف.

في فيلم "النائب"، تلعب زوجته لين (لعبت دورها إيمي آدامز) دورا محرضا من طراز آخر، يختلف عن تحريض الليدي ماكبث على إراقة الدم. إنها امرأة طموحة لدرجة الأنانية، لكنها هي من يحفز زوجها في سني الضياع كي يغير سلوكه وينهج مسيرة تجعل منه إنسانا ناضجا ذا شأن في المجتمع. بالتالي، تبدو لين تشيني للوهلة الأولى زوجة وأما مثالية، محافظة ونشطة اجتماعيا، لكن مشكلتها الأخلاقية أنها تغض النظر تماما عن آثام زوجها النابعة من مصالحه النفعية مع شركة بترول كبرى، ولا تهديه إلى الاختيارات التي يمليها الضمير وتقتضيها المصلحة العامة. إن نجاحه هو غايتها الوحيدة، وفي سبيله ترى جميع التنازلات مقبولة، بل مباركة.

عندما يأتي ديك ليخبر زوجته أن الرئيس بوش الابن عرض عليه منصب النائب، تعلق لين بتشاؤم: "منصب النائب هو منصب اللاشيء." لكن زوجها ديك تشيني يثبت لها العكس، ويجعل من اللاشيء سلطة فعالة ومؤثرة، ليس في الولايات المتحدة فحسب، بل في العالم بأسره. نراه يتخذ قرار شن الحرب على "القاعدة" في أفغانستان دون الرجوع إلى أحد، مسلحا بتفسير قانوني للدستور استوحاه من صديقه المحامي الداهية. إنه نموذج الرجل الذي أتقن لعبة السياسة، بغض النظر عما تتضمنه من مؤامرات وخداع وطعن في الظهر.

تكمن صعوبة وجرأة فيلم "النائب" (2018) في تجسيده لشخصيات معاصرة ما زال معظمها على قيد الحياة، ولم تغرب بعد عن ذاكرة الناس، بل يحصد العالم بأسره ثمار ما بذروه. يمر بعضهم في الفيلم بشكل عابر، مثل الرئيسين نيكسون وجورج بوش الأب ووزير الخارجية هنري كيسنجر، بينما تلعب بعض الشخصيات السياسية الأخرى أدواراً متفاوتة الأهمية والحجم ضمن السيناريو، وفي طليعتها دونالد رامسفيلد (ستيف كاريل) وجورج دبليو بوش الابن (سام روكويل)، إضافة إلى تقمص فني متقن مماثل لشخصيات كولن باول، غوندوليزا رايس، بول وولفيتز، جيرالد فورد وسواها.

لا شك أن محور فيلم "النائب" ودعامته هو أداء الممثل الأسترالي كريستيان بيل (الذي اشتهر بتجسيده شخصية باتمان عبر ثلاثة أفلام أخرجها كريستوفر نولان) ونجده هنا قد زاد وزنه 45 رطلا، حلق شعر رأسه، صبغ حاجبيه، ضخَّم حجم رقبته، وأتقن النظرة والإيماءة والنبرة والمشية والوقفة ليتقمص شخصية ديك تشيني بإعجاز.

كما اقترح كريستيان بيل على المخرج قفلة الفيلم الغريبة، بل أسهم في كتابة مونولوجها قبل يوم واحد من التصوير، فسايره المخرج وهو متردد بين الإبقاء على المشهد أو حذفه، إلا أنه أبقاه مندهشا من حضور وتألق كريستيان بيل، أقوى المرشحين لجائزة أوسكار أفضل ممثل.

اقرأ للكاتب أيضا: هل آن الأوان لإغلاق وزارات الإعلام؟ (1)

أما الممثلة الموهوبة إيمي آدامز، فعملت وفق مدرسة "المنهج" الأميركية في التمثيل، وحافظت على شخصية لين تشيني حتى خارج مواعيد التصوير، بل قيل إنها كانت كثيرا ما تخوض نقاشات سياسية مسهبة مع مخرج الفيلم آدم ماكاي دون أن تخرج من شخصيتها في الفيلم.

جدير بالذكر أن ديك تشيني عانى أكثر من مرة من جلطات كادت أن تودي بحياته، لكنه نجا منها جميعا، ولم يتوقف عن متابعة جهده السياسي الطموح. هل يحمل التركيز على عطب القلب في الفيلم دلالة رمزية على عطب في الوجدان؟ نرى ديك تشيني لا يتخلى كأب عن مساندة ابنته الكبرى عندما تفصح لوالديها عن كونها مثلية، بل يتوازن أمام المجتمع المحافظ بمهارة لاعب أكروبات على سلك مشدود.

أما عندما تواجه ابنته الصغرى الموقف ذاته وهي تخوض حملتها لدخول معترك السياسة بعد أن بلغت مبلغ الشباب، فتنقلب لتتبنى موقفا مضادا لقناعاتها، نابعا من المصلحة، وليس من المبدأ. توحي لنا نهاية الفيلم أن ميراث اللعبة السياسية يتجه نحو مستقبل مكفهر بالغيوم المنذرة بعواصف قادمة.

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

جندي أوكراني مصاب يسير قرب موقع مخصص لإحباء ذكرى جنود كييف المقتولين في الغزو الروسي
جندي أوكراني مصاب يسير قرب موقع مخصص لإحباء ذكرى جنود كييف المقتولين في الغزو الروسي

يصادف يوم الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسمّاها عملية عسكرية خاصة، كان إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها، كييف، ومدنها الكبرى وإسقاط حكومتها وتنصيب أخرى موالية لموسكو ونزع سلاح الجيش الأوكراني واعتقال المئات، وربما الآلاف، من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم.

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل، أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير.

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو وهما فنلندا والسويد والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا.

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية.

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعياتها.

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية "إن المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أمانا" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي سوف تظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة.

ولذلك لم تكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب.

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك بوتين أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى.

في حين قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول إن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي، وفي الوقت ذاته فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي سوف تنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.