جدار يفصل إحدى المدارس في القاهرة عن مدينة صفيح ملاصقة
جدار يفصل إحدى المدارس في القاهرة عن مدينة صفيح ملاصقة

مالك العثامنة/

تقول الطرفة التي انتشرت أواخر ثمانينيات القرن الماضي في ما كان يعرف بالاتحاد السوفييتي، أن نيكيتا خروتشوف وجوزيف ستالين كانا في العالم الآخر يستمعان إلى كل هذا الضجيج القادم من موسكو والمتعلق بإعادة البناء "البيروسترويكا" والتحدث بصوت مرتفع "الغلاسنوست".

خروتشوف لم يستوعب الأصوات والمفردات، فسأل ستالين:

ـ رفيق ستالين، ماذا يفعلون؟

أجاب ستالين بابتسامة صفراء: إنهم يعيدون البناء.

فرد خروتشوف باستنكار: لكن لا يوجد شيء بنيناه، فما هو الذي سيعيدون بناءه؟

أتذكر تلك النكتة القاسية كلما سمعت أو قرأت في العالم العربي عن مطالبات الإصلاح السياسي، والاقتصادي، متسائلا عن أي إصلاح يتحدث المطالبون به؟ وهل هناك بنية قائمة أساسا ليتم إصلاحها أم أن هناك حاجة إلى إعادة بناء من جديد؟ أم أن المأساة أكبر وحسب تعليق خروتشوف الساخر فإنه لا يوجد ما يمكن إعادة بناؤه أصلا؟

نحن نتحدث هنا عن بنى سياسية واقتصادية صالحة لأن تكون دولا متكاملة بالمفهوم الأصح للدولة وبعلاقات سوية بين الحكام والمحكومين، فهل العالم العربي لديه بنية تحتية سياسية واقتصادية يمكن القول بعدها إن عملية الإصلاح أو إعادة البناء ممكنة؟

البنية السياسية لا تتعلق فقط بالحاكم (وهو هنا غالبا الفرد المستبد)، بل تتعلق أيضا بالمؤسسات والمواطنين وإدراك مفهوم المواطنة المختلف عن مفهوم التبعية أو التابعية، وهو مفهوم يجد له من يروج له من نخب موجودة فعلا في عالمنا العربي وتكتب أدبيات متخصصة تخدم فكرة الحاكم المستبد والتابعية لا المواطنة.

اقرأ للكاتب أيضا: ولاية الرجل على المرأة: انتقاص في كرامة الإنسان

في الأردن كان هناك إعلامي مقرب من السلطة دوما يتحدث عن فكرة الحكم الهاشمي كنظرية عالمية تتجاوز الدولة والجغرافيا والتاريخ.

واليوم نجد شيئا قريبا من ذلك في السودان مثلا، والذي عانى من أكبر عملية هدم مستمرة لبناه السياسية والاقتصادية على مر عقود طويلة بدءا من الدكتاتور السابق جعفر نميري وانتهاء بطاغية السودان الحالي عمر حسن البشير والذي يتمسك بالسلطة بشكل دموي مصرا على أن لا يترك حجرا على حجر في السودان قبل أن يرحل.

فما الذي سيعيد السودانيون بناؤه في السودان بعد ثلاث عقود استبداد تم فيها تقويض كل البنى السياسية من أحزاب وتيارات ومؤسسات والأخطر تم فيها تشويه وعي لأجيال عاصرت البشير طوال حكمه ولم تعرف معنى تداول السلطة أو الدولة المدنية؟

في مصر..

قام المصريون بثورة يناير.. وانتخبوا رئيسا من الإخوان المسلمين، وهذا تحصيل طبيعي لوعي تم تزويره وتشويهه ومسخه طوال عقود من الاستبداد بدءا من عبد الناصر وانتهاء بحسني مبارك، ليتقبل كثير من هذا الوعي الممسوخ بديلا عن استبداد الجماعة باستبداد العسكر في انقلاب لا أراه على الشرعية كما يحب البعض أن يتغنى بل انقلابا على أول فرصة للخروج من متاهات الاستبداد والتي أيضا قوضت البنى السياسية في مصر حتى وصلت إلى حالها الراهن، دولة بوليسية قمعية اقتصادها يكاد ينزل عن مؤشر الكفاف.

اقرأ للكاتب أيضا: 2019: عام للتسامح أو مبادرة أممية لعالم جديد

تونس، التي كانت أول الأمل بسبب بنية حقيقية من فكرة الدولة المدنية كان أسسها الحبيب بورقيبة في حكمه الطويل (والمستبد أيضا)، لتأتي دولة البوليس القمعية والمدججة بالفساد في حكم بن علي لتقوض تلك البنى السياسية والفكرية فسمحت لتيارات الإخوان أن تشكل المعادل الموضوعي بعد الثورة لتتسلل إلى السلطة بعد اختطاف الثورة (وهي مهارة يتقنها الإخوان المسلمون)، فتزرع ألغامها في مفاصل الدولة ونصل إلى ما تم الكشف عنه مؤخرا من جهاز سري موازي لأجهزة الدولة يبطش ويقمع ويقوم بالتصفيات، والوعي السياسي التونسي يتوه في لعبة الأحزاب والسلطة على نسق لعبة الكراسي الموسيقية.

يمكن سحب الحديث على ما شئتم من بلدان ودول وبتفاوتات نسبية بين هنا وهناك، لكن يبقى السؤال الخروتشوفي صالحا لكل دولة عربية:

ما الذي يمكن إعادة بناؤه؟ وما الذي يمكن إصلاحه؟

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟