مسلمون يصلون في الجامع الكبير في الكويت في ليلة القدر
مسلمون يصلون في الجامع الكبير في الكويت في ليلة القدر

محمد المحمود/

لا تصمد التصورات التقليدية المعادية لكل مسارات التعقّل/ العقلانية المُتَأَنْسِنَة، الرائجة حاليا في الواقع الإسلامي، بمجرد اعتمادها خطابا نقليا أثريا مناهضا لهذه المسارات فحسب، وإنما لا بد وأن تضيف إلى ذلك عملية تحشيد منظومة عقائدية استسلامية، تفرض "العقائد المختارة" بكل تفاصيلها كصواب مطلق ابتداء، ثم تشترط تحققها بنفي التساؤلات العقلانية التي يمكن أن تشغب عليها، أو حتى تشغب على أوهى فروعها أهمية وأكثرها هامشية.

بمعنى أن الخضوع الأعمى/ الخضوع الكامل/ الخضوع اللامتسائل لكل تفاصيل المعمار العقائدي في كل خياراته الضيقة يصبح ـ في مثل هذا السياق التقليدي ـ شرطا أوليّا لتحقيق أدنى درجات الإيمان.

هنا، لن نتناول العقائد الميتافيزيقية التي احترب حولها المتكلمون العقائديون منذ العصور الأولى، وتعصب كل واحد منها لتفاصيل معتقده وكأنه يرى "تفاصيل عالم الماوراء" رأي عين. بل سنتحدث عن عقائد تفصيلية/ فرعية، تأسست حول/ وعلى وقائع تاريخية حدثت بالفعل في مجملها، فكانت هذا التعليق العقائدي اللاحق، محاولة لتلوين وتكييف، بل وتزييف الوقائع التي كان "سردها المجرد/ سردها الموضوعي" سيتسبب في كثير من الحرج الديني لمن يرونها تربك "تصوراتهم الحالمة/ المتخيلة" عن زمن ماض مُقدّس بأشخاصه ووقائعه ومقولاته. ويزيدهم حرجا واضطرابا أنه ليس مجرد زمن خاص بهم (أي بصانعي تلك السردية العقائدية)، بل هو "زمن مقدس" مشاع، يتنافس معهم عليه/ على التشرعن به ألدُّ خصومهم العقائديين، أولئك الذين يتدافعون أو يتصارعون معهم على هذا المجال الحيوي الذي يشكل فضاء قُدْسيا للفاعلية على المستوى المادي والمعنوي.

اقرأ للكاتب أيضا: التجديد الديني وأزمة الفقه التقليدي

لقد نجمت الفرق المذاهب التي ستدخل في صراع عقائدي واجتماعي وسياسي عن تلك الوقائع التي تلبست ـ زمنا وأشخاصا ـ بالقداسة. لم يكن سهلا على المسلمين في القرون التي أعقبت تلك الوقائع أن ينظروا إليها كوقائع بشرية خالصة، يختلط فيها الإخلاص الديني بالمطمح السياسي، أو المطمح السياسي بالإرث الثأري الممتد إلى زمن ما قبل الإسلام، أو ما قبل انتصار الإسلام.

لم يكن الوعي الإسلامي في القرون الهجرية الأولى قادرا على استيعاب حقيقة أن أشخاصا تَمثّلهم في وعيه بصورة ملائكية، قد ضرب بعضهم بعضا بالسيوف، وطعن بعضهم بعضا بالرماح، ومزق بعضهم أجساد بعض، وأزهق بعضهم أرواح بعض؛ بينما الصورة المتخيلة (الصورة التي يستمدون ملامحها من صور التعاضد والتناصر في سياق الحضور النبوي المبهر زمن نضال التأسيس) أن أحدهم يؤثر صاحبه على نفسه ولو كان به خَصَاصة، وأن كل واحد منهم يفدي الآخر بنفسه...إلخ الانطباع المُتخيّل الذي يجري تعميمه وتعميقه فيما يتجاوز وقائعه الخاصة، في حده/ مستواه الخاص، وزمنه الخاص.

لقد كان الوعي الإسلامي، اللاحق لزمن تلك الأحداث، يتعرض لمأزق خطير على المستوى النفسي، قبل العقلي. كلما ابتعد المسلمون عن زمن الحدث/ الوقائع؛ ارتفعت درجة قداسة الأشخاص الذين شكّلوا عصب تلك الوقائع، وكلما ارتفعت درجة القداسة؛ ارتفع مستوى التأزم والحيرة والاضطراب.

وباختصار، وقع الوعي الإسلامي في حالة تمزق شديد بين "ما كان ينبغي أن يكون" وفق تصوره المتخيّل، وبين "ما كان فعلا". أي بين ما يرونه (وفق تصورهم المحدود) يليق ـ ديانة وأخلاقا ـ بهؤلاء المتوهجين بإيحاءات القداسة على مستوى الافتراض الأخلاقي والديني، وبين ما جرى على أيديهم حقيقة؛ مما هو متواتر مؤكّد معزّز بكثير من شواهد التاريخ.

طبعا، اختلفت الفرق والمذاهب في محاولاتها لرأب هذا الصدع الكبير المؤلم على المستوى النفسي والعقلي، ومن ثم على المستوى العقائدي. وكان لكل فريق مذاهبه وطرائقه في التزييف والتحوير والتبرير من أجل بناء المعمار التديّني المتناسق القادر على توفير الحد الأدنى من الإقناع للاتباع. وبما أن ما يهمنا في هذا السياق هو المحاولات السنية التي يعتمدها أغلبية المسلمين الآن، وتؤثر ـ بالتفاعل الإيجابي معها، أو السلبي ضدها ـ على بقية المسلمين.

حاول المسلمون السنة في البداية فرض عقيدة السكوت/ الصمت (الإمساك عما شجر بين الصحابة)، أي الادعاء بأن هذه خصومات الكبار، صراع بين الآباء المؤسسين، وليس للصغار (والصغار هنا هم كل المسلمين من غير الصحابة) التحدث بما فعله الكبار؛ لأن الكبار أعلم بما يفعلون، وهم مصيبون على أي حال!

هكذا جرى تديين الصمت كفاعلية سلبية، وترفيعه ليكون عقيدة الأمة في رؤية هذه الوقائع. وطبعا، الصمت هنا نابع من يقين ناجز بأن مجرد الكلام على ما حدث في الزمن القريب المشهود بأحداثه الطازجة كفيل بإرباك المشهد الذي بدأ في نمذجة اللحظة السابقة؛ تلك النمذجة الحالمة الواهمة التي كانت جزءا من حركة الاعتراض على الحاضر، حاضر الأمويين والعباسيين المتخم بكل صور الظلم والطغيان والقهر والصراع الدامي على السلطة، بين الأشقاء من جهة، وبينهم وبين أبناء العم وبقية الطوائف من جهة أخرى.

حقا، لم تستطع "عقيدة الصمت التام" أن تصمد أمام اشتعال النقاشات التي تريد خلق مشروعيتها من ذلك الصراع التاريخي. أصبح الجميع يتحدثون عن تلك الأحداث، يحللونها، بل ويتخذون مواقف دينية وأخلاقية حيالها. لهذا، عمد السلفيون الأثريون من أهل السنة إلى تعديل "عقيدة الصمت التام"، أو تحويرها؛ لتكون "عقيدة الصمت عن تقييم ما فعله الكبار"، أي أن يكتفوا برواية الأحداث وفق ما يرونه موثوقا، ثم يكفون عن تقديم أي رأي تقييمي حيالها؛ لأن مثل هذا التقييم كان يعني قلبا للتصور الزمني السائد رأسا على عقب، ومن ورائه التصور الأخلاقي. فلا شيء أفدح، وبل ولا شيء أشد وقاحة ـ وفق هذا التصور التقليدي الأبوي ـ من أن يقوم الصغار/ الأبناء بتقييم ما فعله الكبار/ الآباء. هذا اجتراء على أصول المرجعية، اجتراء يحكم الوعي التقليدي باستحالته أخلاقيا، إن لم يكن باستحالته ـ وفق ما يتوهمون ـ معرفيا.

لكن، ومع كل هذا، اتضح أن "عقيدة الصمت عن تقييم ما فعله الكبار"، لم تكن مجدية، خاصة وأن الآخرين المخالفين يَتحدّثون ويُقيّمون، فكيف يكتفون برواية الأحداث، ويتركون التقييم لخصومهم؟!. لهذا، بدأ السلفيون التقليديون/ الأثريون في فرض قراءة تقييمه خاصة بهم، وتنازلوا عن عقيدة الصمت فعليا، حتى وإن استمروا في التأكيد عليها نظريا (بقيت كنظرية يجري تمريرها على العوام؛ حتى لا ينفتح باب الأسئلة البريئة المحرجة التي تصدر عن مبادئ أخلاقية فطرية)، فكانت العقيدة المُقرِّرَة للقراءة الخاصة، تفترض تحييد العقل في هذا المجال، ونقل تقييم الوقائع من عالمها الفعلي: عالم الواقع المرئي/ المشاهد، عالم الشهادة، عالم البشر، إلى عالم آخر، عالم الماوراء/ عالم الغيب، العالم الذي يستطيعون تشكيله وتكييفه وفق تصوراتهم الخاصة؛ دونما ارتهان إلى تفاصيل ما حدث فعلا في الواقع.

اقرأ للكاتب أيضا: تساؤلات حول الإجماع الفقهي

هكذا فرض السلفيون التقليديون تصورا متعاليا على الأحداث. لقد وضعوا تصوراتهم/ عقائدهم عن الأحداث وشخصياتها فوق الأحداث وشخصياتها، أي أنهم عكسوا المنطق/ المنهج الاستقرائي في مثل هذه الأمور، فأنت تبحث في الأمر، وتجمع الوثائق فيه، وتفحصها، ثم تبني تصورّك/ عقيدتك عنه بناء على ما توفر لديك من معلومات موثوقة. بينما السلفيون التقليديون هنا ساروا في اتجاه معاكس تماما لأي منهج بحثي أو تصور منطقي، فقد قرروا عقيدتهم في الأشخاص والوقائع أولا، ثم وضعوا الأحداث والوقائع تحت رحمة الفرز والتفسير والتكييف العقائدي الخاص المتشكل سلفا. فمثلا، افترضوا نزاهة قادة الأحداث وتجردهم التام من أي مطمح سياسي أو مطمع دنيوي؛ قبل أن يبحثوا في دلالة الوقائع والمقولات والقرائن على ذلك، بل دون أن يهتموا بكون الوقائع والأحداث والمقولات والقرائن تقول صراحة بعكس ذلك.

هنا، لا يجري تزييف التاريخ، ولا تزوير الوقائع فحسب، وإنما يجري ـ في العمق ـ تزييف الوعي وتجريف العقل، وخلق حالة من "الدروشة البحثية" التي تتزيّا بزيّ العلم، بينما هي تنقض منطق العلم من أساسه. إنهم يريدون من أبتاعهم أن يُصدّقوا بالمستحيلات؛ لا من مبدأ إيماني خالص فحسب (فهذا مقبول في حدود منطق الإيمان)، وإنما أن يسحبوا هذا المبدأ اللاّعقلي على منطق البحث العلمي ليجبروه ـ ومن حيث هو علم تحديدا ـ على التصديق بالمستحيلات، بل وعلى افتراض كل هذا العبث علما. بمعنى أنهم يريدون، وبمنطق عقائدي خاص، تغيير الوقائع المتواترة في كتب التاريخ، مع الزعم ـ في الوقت نفسه ـ أنها هكذا يجب أن تكون في كتب التاريخ، وليس فقط في كتب العقائد!.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

A man walks past a mural as the spread of coronavirus disease (COVID-19) continues, in the Fremont Street section of historic…

هناك شبه إجماع أن العالم بعد جائحة كوفيد-19 لن يكون كما كان عليه قبلها.

كثر يخشون "التغيير المرتقب"، لأنّ مقدماته التي بدأت تتكوّن غير مشجّعة على الإطلاق، بل... مرعبة.

الخائفون من التغيير يشعرون بعجزهم عن تصحيح المسار والتحكم بمجرى الأمور، فيلجؤون إلى استنباط أي فكرة حتى يخففوا عن أنفسهم عناء التوجس من الآتي.

يدفع هؤلاء الخائفون إلى المقدمة مفهوم "النسيان" لدى الإنسان. في اعتقادهم أن هذه "النعمة" قد تعيد العالم، رويدا رويدا، إلى ما كان عليه قبل انتشار فيروس كورونا المستجد. حجة هذا البعض على ذلك أنّ التأملات الفردية، في أثناء مراسم دفن قريب أو نسيب أو صديق، عن سخافة الطموح وعبثية الصراع، سرعان ما تتلاشى مع عودة المرء إلى يومياته.

لكنّ أصحاب "النبوءة التغييرية"، ومن بينهم مخضرمون ومجرّبون وخبراء وعلماء ومؤرخون، لا يقيمون وزنا للتجارب الفردية في استنباط ما سيكون عليه المستقبل، لأن الفرد، مهما كانت فرادته، فمنطقه ووجدانياته وتفاعلاته مع الحوادث، تختلف كليا عن آليات صناعة القرار في الدول، وهي التي تفرض نفسها وإيقاعها على الأفراد والجماعات والشعوب.

إذا تُركت الدول لمنحاها الحالي، فإن شعوبا كثيرة تضطر حاليا أن تعيش في "الحَجر"، ستجد نفسها، غدا بين خيارين: العبودية أو الموت

إذن، فالتغيير، في عرف هؤلاء، ليس خيارا، بل قدرا. العوامل المتحكمة به كثيرة وقوية وضاغطة، من بينها: التدهور الاقتصادي، الأزمة المالية، ارتفاع المديونية، نمو البطالة، انخفاض الاستهلاك، الاستياء من "العوملة"، سيئات الـ"نيوليبرالية"، وعدم فاعلية التجمعات الإقليمية.

بناء عليه، أي مستقبل ينتظرنا؟

المشهد "أبوكاليبسي": كورونا فيروس سيقضي على ما تبقى من عقبات أمام ازدهار "الشعبوية" التي بيّنت تجارب التاريخ أنها "رحم الحروب"، وسيُنقذ أعتى الديكتاتوريات، في ظل تعويم النظريات المعادية لكل أشكال الديمقراطية.

في واقع الأمر، إن عوارض "وباءي" الشعبوية والديكتاتورية سبقت ظهور "كورونا فيروس"، لكنّ الديمقراطية كانت تملك ما يكفي من مناعة للصمود، وليس للتصدّي.

و"الشعبوية" كانت قد دخلت، على سبيل المثال، إلى "الاتحاد الأوروبي" من بوابة رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، كما على البرازيل من بوابة رئيسها جايير بولسونارو. وتعزّزت النظم القمعية مع الصمت الكوني على إعلان الرئيس الصيني نفسه "رئيسا مدى الحياة"، فيما كاد يسلّم الجميع ببقاء النظام السوري، على الرغم من الأدلة الوافرة على حجم الجرائم التي ارتكبها بحق شعبه.

ومع انتشار جائحة "كوفيد-19"، تعزّزت الشعبوية والديكتاتورية، فبات، مثلا، مقبولا هذا التزوير وتداعياته الخطرة مستقبلا، في بعض الدول والأنظمة، بخصوص مدى التفشي الفعلي كورونا فيروس بين السكان، في إطار ادّعاء الشعبويين بطولات وهمية وقدرات خارقة، يدعمها إعلام "ممسوك" وجماهير مرعوبة تلهث وراء "حبل النجاة"، حتى لو كان خادعا وكاذبا، كما بات متاحا، وعلى سبيل المثال أيضا وأيضا، حتى في الأنظمة التي ترفع لواء الديمقراطية، وبحجة الخوف على حياة المواطنين، أن يتم رصد حركة جميع الناس، من خلال التحكم بداتا الاتصالات، في مشهد كوني أعاد إلى الأذهان، وبقوة، نهج "الأخ الأكبر" في رواية جورج أورويل "1984".

أمام "الفقر" هنا و"الانعزال" هناك، سوف تنتعش الديكتاتورية من جديد، ويعود زمن الصمت على سحق الشعوب

والأدهى أن هذه الاتجاهات يكثر مؤيدوها والمدافعون عنها والمروّجون لها. وهذا بديهي، لأنه من النتائج المباشرة، للتعامل مع جائحة "كوفيد-19" على أساس أنها عدو وليست مرضا، وأن مواجهتها هي حرب وليست مكافحة.

وإعلان الحرب على العدو، يحتاج إلى عقيدة، إلى بروباغندا، والأهم إلى... جنرالات. ومن يظهر أنه الأقوى والأفعل يفرض وجهة نظره على الآخرين.

وفي هذا السياق "الحربي"، يتميّز الشعبويون لأنهم الأكثر حرفية في البروباغندا، ويتعاظم الديكتاتوريون لأنهم الأكثر أهلية لاستغلال شعار "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة"، فيما يُرهق الديمقراطيون الذين يخضعون لقواعد أنظمتهم حيث الشفافية، الانتقاد، التهجّم، تسخيف الإنجاز، تضخيم نقاط الضعف، المساءلة البرلمانية، انطباعات الرأي العام، الاستحقاقات الانتخابية، استطلاعات الرأي المستقلة، ومروحة واسعة من الحريات ومن بينها حرية الإعلام والتعبير.

هذا المسار المساند للديكتاتوريات، والذي بدأ يتبلور في حمأة أزمة كورونا، سوف يترسخ ويتطوّر في المستقبل، فالدول التي تدافع عن الديمقراطية ومبادئها، ستجد نفسها "منعزلة" عن مشاكل الكون، لتركّز اهتمامها ومواردها في محاولاتها تعويض ما لحق بها من خسائر فادحة، كما هي حال فرنسا التي تتحدّث عن إمكان وصولها إلى تلك الوضعية التي كانت عليها في العام 1945، أي بعد سنوات من الاحتلال النازي وبعيد تحريرها بأضخم العمليات العسكرية في التاريخ.

أما الدول الفقيرة والمأزومة، فسوف تشهد تفاقما في أزماتها المالية والاقتصادية والاجتماعية، مما يرفع نسبة الفقر إلى مستويات تاريخية، ويقدّم هموم الرغيف على مبادئ الحرية والأنظمة الناشئة عنها.

وأمام "الفقر" هنا و"الانعزال" هناك، سوف تنتعش الديكتاتورية من جديد، ويعود زمن الصمت على سحق الشعوب.

وآفة الصمت التي ستزدهر مجددا، سبق واختبرت شعوب كثيرة تأثيراتها القاتلة، ولعلّ سوريا، في ظل نظام آل الأسد، أكبر الشواهد عليها.

فمن يتصفّح "الشق السوري" من كتاب الرئيس الأسبق لجهاز المخابرات الخارجية الفرنسية السفير برنار باجوله "الشمس لا تشرق أبدا في الشرق" يصيبه الإحباط من الديمقراطية وحاملي ألويتها.

هذا الدبلوماسي ـ الأمني لم يكن هامشيا في مركز صناعة القرار في فرنسا، إذ كان مقربا من أربعة رؤساء فرنسيين تعاقبوا على قصر الإليزيه، وكان آخرهم فرانسوا هولاند.

ماذا تحتاج الأنظمة القمعية أكثر من هذه النتائج الباهرة، حتى تقع في عشق كورونا؟

في كتابه الصادر قبل سنة، يروي باجوله مستندا إلى ما عاشه كرقم 2 في السفارة الفرنسية في دمشق ومن ثم ما عرفه كرئيس لجهاز المخابرات الخارجي، (يروي) أمورا من المخجل أن تكون قد مرّت على فرنسا وحلفائها في "العالم الحر" مرور الكرام، كنوعية الاعتقالات والابتزاز والتشليح والاغتيالات والمجازر والطائفية والعائلية والسرقة والفساد و"العقد النفسية" و"الإتجار" بالعداء لإسرائيل والإرهاب.

هذه الوقائع المدوّنة في السجلات الرسمية، بالتفاصيل والأسماء والحقائق، مرّت كأنها أحداث رواية متخيّلة، عندما كانت الدول منشغلة بالتفتيش عن "عظمتها" وغارقة في "الواقعية السياسية" ولاهثة إلى تقاسم "الجبنة الاستثمارية"، فماذا تراه سوف يحصل، عندما "تعزل" الدول نفسها، بعد مرور عاصفة كورونا، من أجل لملمة خسائرها الفادحة؟

ليس من فراغ أو عن عبث، أنّ المخضرم هنري كيسنجر، ومن خلال مقاله الأخير (3 أبريل) في صحيفة "وول ستريت جورنال"، قد دعا "الديمقراطيات في العالم إلى الدفاع والمحافظة على القيم التي ورثتها من عصر الأنوار"، مشددا على "وجوب أنّ يعالج قادة العالم الأزمة الراهنة، فيما هم يبنون المستقبل".

إذا تُركت الدول لمنحاها الحالي، فإن شعوبا كثيرة تضطر حاليا أن تعيش في "الحَجر" حتى تحفظ حياتها، ستجد نفسها، غدا بين خيارين: العبودية أو الموت.

والحالة هذه، ماذا تحتاج الأنظمة القمعية أكثر من هذه النتائج الباهرة، حتى تقع في عشق كورونا؟