رهف خلال مؤتمر صحافي في كندا
رهف خلال مؤتمر صحافي في كندا

د. نجاة السعيد/

إن قضية رهف القنون السعودية الهاربة من أهلها، التي استقبلتها وزيرة الخارجية الكندية كريستيا فريلاند وآخرون بينهم صحافيون وناشطون واستحوذت أخبارها على الإعلام الغربي وخاصة الكندي، تدعونا إلى التفكير في قضية تدفق الأنباء وسيطرة دول الشمال على الثقافة الإعلامية وهو أشبه ما يكون باستعمار ثقافي وإعلامي.

إن إصرار وسائل الإعلام الغربية على سرد رواية رهف من جانب واحد بدون موافاة الجمهور بكل التفاصيل، وتنقل مواقف جميع أفراد العائلة، تؤكد لنا أن تلك الوسائل هي فقط معنية بظهور السعودية على أنها دولة ضد حقوق المرأة ومتخلفة. 

لا أحد في السعودية قال إن وضع المرأة مثالي، وإن الوضع الحقوقي ليس بحاجة إلى إصلاح؛ لكن من الواضح أيضا أن قضية رهف سُيست إلى درجة كبيرة لخدمة الأجندة الكندية بسبب الخلاف السياسي مع السعودية، وإلا لماذا يستدعي خلاف عائلي لفتاة عمرها لا يتجاوز 18 عاما استقبال وزيرة الخارجية بنفسها؟ في حين أن هناك الكثير من اللاجئات والمعنفات اللاتي لم يحصلن على جزء بسيط من المزايا التي حصلت عليها رهف من سكن وتأمين صحي واجتماعي ومبلغ معيشي يصرف لها.

وصف كثير من النشطاء على وسائل التواصل الاجتماعي، عربا وغربيين، ما قامت به كندا بالنفاق السياسي، واعتبروا أن الاستقبال البطولي الذي تلقته رهف وكل الامتيازات التي حصلت عليها، ما هو إلا لإحراج السعودية وتشويه صورتها أمام الرأي العام. وقارن هؤلاء الناشطين ذلك بمعاملة السلطات الكندية للمواطنة اليمنية ندى علي في 2017 وكيف رفض حقها في اللجوء لأن قضيتها إنسانية ولا تخدم مصالح كندا السياسية على حد وصفهم.

غرست وسائل إعلام الكندية وغربية في أذهان المشاهدين أن رهف معنفة من قبل أهلها ولكن المتتبع للمعلومات يجد أن الكثير مما تناقلته وسائل الإعلام معلومات متضاربة. فقد ذُكر أن أسرة رهف منعتها من الدراسة في الجامعة، لكن في نفس الوقت تناقلت وسائل التواصل الاجتماعي بطاقة الطالب لرهف وهي ملتحقة بجامعة حائل مع الرقم الجامعي.

وكانت رهف قد قالت في تصريحات لوسائل إعلامية بعد حصولها على حق اللجوء في كندا، إنها تعرضت للعنف والحبس لعدة أشهر من قبل أسرتها، لكن تناقلت وسائل التواصل الاجتماعي فيديو لرهف مع والدها في سيارتها وبدون غطاء الرأس وقد وأوضح والد الفتاة أن ما ذكرته ابنته عن تعرضها للعنف أو أنه كان ينوي تزويجها رغما عنها، "غير صحيح". 

كما ذكرت تلك الوسائل أن رهف تخشى الإعدام وأنها تعرضت للتهديدات بالقتل بسبب ارتدادها عن الإسلام، لكن رهف تعد قاصرا ولن يأخذ أي نظام قضائي كلامها على محمل الجد وفي هذه الحالات تؤخذ الفتاة إلى عائلتها للتشاور بالتفاهم مع هيئات استشارية وتوجد في وزارة التنمية الاجتماعية كثير من البرامج لمواجهة سوء المعاملة.

لقد صرحت المحامية الدولية الأميركية والباحثة في الشؤون الأمنية، إيرينا تسوكرمان، لـ"العربية.نت" بواقعة الفتاة السعودية، رهف القنون: "أن هناك العديد من الملابسات المريبة والغريبة حول هذه القصة بما يجعلها مثالا نموذجيا على كيفية استغلال جانب بسيط من واقعة عادية لكي تتحول إلى حملة تشويه متواصلة. لا يعني هذا أنني أقول إن كل جزء من وقائع القصة هو محض افتراء صريح، ولكن يجب أن نتذكر جيدا أن أفضل حملات التشويه هي تلك التي يكون لها نصيب ولو ضئيلا من بعض الحقيقة. أتصور أن هذه الشابة، فيما يبدو لديها اختلافات عادية مع عائلتها، وعندما أرادت الابتعاد عن الأسرة والهرب للخارج، صادفت عقبات ولذا بدأت في اختلاق القصص التي تسهل حصولها على حق اللجوء".

إن سيطرة وسائل الإعلام الغربية على تدفق الأنباء والمعلومات غرست عند الغربيين وحتى العرب من الأقطار المختلفة السرد السائد بأن السعوديات مضطهدات ويغطيهن السواد من الرأس إلى أخمص القدمين، مع أن كثير منهن لا يفعلن ذلك خاصة في المنطقة الغربية من السعودية. 

إن كثيرا من المتابعين لا يلتفت إلا للصورة النمطية السلبية في وسائل الإعلام المتحيزة، ولو روى أي مواطن سعودي، مهما كان محايدا وبعيدا عن السلطة، أي حدث إيجابي في السعودية، كالسماح للمرأة بقيادة السيارة وتعيين امرأة نائبة لوزير العمل وابتعاث 35,000 طالبة للخارج للدراسة بمنح دراسية حكومية، يوصف بأنه مطبل ويعمل لصالح السلطة.

هنا وضح الكاتب السعودي تركي الحمد في تغريدة له: "البعض يرى أنه كي تكون مثقفا يجب أن تكون ضد السلطة بشكل مطلق، بغض النظر عن القضية المطروحة، وهذا في ظني خطأ محض، وهذا جزء من أزمة المثقف العربي المعاصر. الموقف الصحيح في ظني هو موقفك من القضية المطروحة، لا من مصدر القضية".

كما ذكرت الكاتبة سوسن الشاعر في مقال لها في جريدة الشرق الأوسط بعنوان في "الهجمة على السعودية" بتاريخ 20 كانون الأول/يناير، 2019: "بينما ممنوع على المثقف العربي أن يقف أو يصفق لأي عمل أو إنجاز تقوم به السلطة في صالح الناس، وإلا عدّ تطبيلا لدى البعض لأن السلطة هي عدو الشعب كما يدعي هؤلاء، مسموح للمثقف الغربي أن يشيد بأي إنجاز تقوم به سلطته، واعتبر موضوعيا".

وبسبب السيطرة على سرد المعلومات والقصص في الإعلام حسب رؤية جهة مهيمنة، ذكر كثير من النقاد والمحللين أن النظام الإعلامي العالمي يحتاج إلى إصلاح وثورة حقيقية ضد الاحتكار الغربي لتدفق الأنباء. 

لقد أثيرت قضية تدفق الأنباء والمعلومات خلال السبعينيات والثمانينيات في حملة قادتها دول الجنوب في إطار اليونسكو حيث رأت دول الجنوب أن سيطرة دول الشمال على تدفق الأنباء يؤدي إلى استعمار ثقافي وإعلامي والتقليل من قدرتها على استكمال استقلالها وعدم قدرتها على تحقيق التنمية لكن انتهت هذه النقاشات بدون جدوى.

لقد وضح الدكتور سليمان سالم صالح في كتابه، "وسائل الإعلام والدبلوماسية العامة"، أن اعتماد وسائل الإعلام المكثف في دول الجنوب على وكالات الأنباء العالمية في استقاء الأخبار يحول وسائل الإعلام الجنوبية إلى أدوات لترويج الصور المشوهة لدول الجنوب الأخرى والتي تم صنعها في الغرب والتي دائما تصف الصراع بين دول الشمال والجنوب على أنه صراع بين التقدم والتخلف، كما أن الاعتماد على تلك الوكالات أدى إلى ضعف صناعة الإعلام والاتصال في دول الجنوب ولم تستطع هذه الدول أن تطور قوتها الناعمة وأن تشكل لنفسها صورة إيجابية تتيح لشعوبها إمكانيات التفاهم والتعاون.

ومن خلال ذلك أصبحت وسائل الإعلام الغربية هي التي تضع الأجندة Agenda Setting Agency. فحتى لو كانت تلك الوسائل لا تجعل شعوب الجنوب تفكر كما تريد فإنها تجعلهم يفكرون في القضايا التي تختارها.

والذي حصل في قضية رهف مثال على ذلك، إذ جعلت وسائل الإعلام الغربية اختلاف عائلي عادي قضية دولية. إن سيطرة وسائل الإعلام الغربية للأحداث والقضايا هو الذي يشكل أجندة العالم وبالتالي تهمش قضايا مهمة في مجتمعات الجنوب ويبالغ في استطراد مواضيع أقل أهمية.

وبسبب سيطرة وكالات الأنباء الغربية على تدفق الأنباء والمعلومات تفرض الأجندة حتى على وسائل الإعلام العربية، وإن لم يكن في الطرح والمضمون لكن باختيار القضايا والمواضيع، وهنا يأتي التساؤل هل يقوم الإعلام الجديد كونه غير حكومي وغير رسمي بما لم يقم به الإعلام التقليدي؟ وهل تكون الديبلوماسية الشعبية بما يطرح من مواضيع على التواصل الاجتماعي أكثر تأثيرا وفعالية من الدبلوماسية الرسمية؟

إن أكثر ما يتم تداوله بين السعوديين أن وسائل التواصل الاجتماعي وخاصة موقع تويتر قام بدور فعال في مواجهة الهجمة الأخيرة على السعودية أكثر بكثير من الذي قامت به وسائل الإعلام التقليدي سواء المرئية أو المقروءة. 

تحول جزء من المجتمع السعودي إلى ما يتم تسميته بالمواطنين الصحافيين، وهم مواطنون من عامة الشعب يلعبون دورا نشطا في عملية جمع الأخبار والمعلومات والإبلاغ عنها وتحليلها ونشرها، ومن خلال هذا النشاط يقوم الشعب بدور الدبلوماسية الشعبية؛ وهي تعني اتصال مواطنين بمواطنين من دول أخرى والقيام بجهود فردية تخدم مصالح دولتهم؛ وهذا ما قام به كثير من السعوديين للدفاع عن وطنهم وباللغتين العربية والإنكليزية للوصل إلى الشعوب الغربية والعربية.

بالتالي أصبح السعوديون دبلوماسيين يتشاركون في الدفاع عن قضاياهم، وهذا النوع من الدبلوماسية يكون أحيانا أكثر مصداقية بالنسبة للرأي العام الخارجي من الديبلوماسية التقليدية لأنه خارج الأطر الرسمية.

لقد اهتمت الولايات المتحدة الأميركية بدبلوماسية المواطن منذ بداية القرن الحادي والعشرين وانتشرت فكرة أن كل مواطن يجب أن يعتبر نفسه دبلوماسيا. ففي عام 2004 عقدت في واشنطن القمة الوطنية لديبلوماسية المواطن National Summit on Citizen Diplomacy ثم عقدت القمة الثانية في عام 2008 وفي عام 2010 عقدت القمة الثالثة لدبلوماسية المواطن وأصدرت مبادرة شعارها "كل مواطن دبلوماسي".

كما أطلقت هذه القمة مبادرة 2020 للديبلوماسية الشعبية العالمية التي تهدف إلى مضاعفة عدد الأميركيين الذين يعملون كدبلوماسيين شعبيين من خلال القيام بحملة إعلامية قومية باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي التي تشجع المواطنين على العمل الدبلوماسي ونشر قصص النجاح. 

وهناك عدة منظمات تعمل في مجال الدبلوماسية الشعبية وتقوم على استخدام الشباب والعمل على التأثير عليهم من أهمها منظمة سولايا Soliya وهي منظمة لا تبغى الربح وتستخدم وسائل التواصل الاجتماعي والتكنولوجيا الجديدة في تسهيل الحوار بين الطلاب عبر العالم من خلال المؤتمرات التي تعقد بشكل افتراضي على الإنترنت Web Conferencing Technology وذلك لتجسير الفجوة بين طلاب الجامعات في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وأوروبا والولايات المتحدة.

وبحسب كتاب صالح، قدر المركز الأميركي للدبلوماسية الشعبية عدد المنظمات التي تعمل في مجال الاتصال بين الشعوب على المستوى الدولي بألف منظمة في الولايات المتحدة وحدها. وقد فعلت تلك المنظمات دور المهنيين من أطباء ومحاميين ودور الفنانين، والإعلاميين، والرياضيين، والباحثين والعلماء في مجال الديبلوماسية الشعبية. واعترف المركز بأن معظم أنشطة الدبلوماسية الشعبية الأميركية تتم تحت إشراف الحكومة الأميركية وتمولها لإدراك الحكومة بأهمية الدبلوماسية الشعبية في زيادة الأمن القومي الأميركي.

وفي حين تقوم الحكومة الأميركية بكل هذه الجهود لتفعيل دور المواطن عبر الدبلوماسية الشعبية تقوم جهات رسمية أميركية باتهام السعودية بأن التغريدات المدافعة عن السعودية ليست من مواطنين سعوديين بل روبوتات إلكترونية تقف وراء آلاف الحسابات الوهمية التي تنشر تغريدات دعائية.

إن استقلال النظام الإعلامي العالمي من سيطرة دول الشمال يحتم على دول الجنوب تطوير وكالاتهم للأنباء وتشجيع التعاون فيما بينهم. حتى الآن وكالات الأنباء في الدول الجنوبية لم تستطع أن تشكل مصدرا بديلا لوكالات الأنباء العالمية، كما على دول الجنوب أن تدرك أن المنظمات العالمية مثل الأمم المتحدة واليونسكو لم تعد صالحة لإدارة الحوار والمناقشة حول إصلاح النظام الإعلامي العالمي، لذلك لا بد أن تقوم الجامعات في دول الجنوب بفتح المجال لهذه المناقشة التي يجب أن تقوم على البحث العلمي وتطوير التعاون في مجال تبادل الأخبار والمعلومات.

كما على دول الجنوب تطوير وتنظيم الديبلوماسية الشعبية من خلال الإعلام الجديد تحت إشراف هيئات ومنظمات محترفة تكون أكثر صراحة وشفافية من الدبلوماسية الرسمية والإعلام التقليدي.

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

Turkish President Recep Tayyip Erdogan speaks during a press conference held after the coordination meeting to fight against…

في أغسطس 2019، أسس ميكاييل يوكسيل، وهو سياسي سويدي من أصول تركية، حزبا جديدا في السويد يدعى "نيانس" (Nyans). أنشأ يوكسيل، العضو السابق في حزب الوسط السويدي الليبرالي الصغير ذي الميول اليسارية، الحزب الجديد بعد إرغامه على الاستقالة على أعتاب انتخاب الممثلين السويديين في البرلمان الأوروبي، وفيها كان يوكسيل مرشحا بارزا. 

وقد أُقصي يوكسيل على خلفية روابطه المزعومة بتنظيم "الذئاب الرمادية" التركي، وهو ذراع الشباب المسلح في حزب الحركة القومية التركي المتطرف الذي كان والده عضوا فيه وشريكا في ائتلاف حزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه الرئيس رجب طيب إردوغان. أسس يوكسيل حزب "نيانس" ليركز بشكل خاص على المسائل التي يعتبر مؤسسوه بأنها تؤثر في مسلمي السويد.

يمثل حزب "نيانس" ومؤسسه دراسة حالة مثيرة للاهتمام بما أن الحزب يشكل نقطة مرجعية جديدة ضمن نزعة مثيرة للقلق في السياسات الأوروبية: يبدي إردوغان والقيادة السياسية التركية اهتماما بالغا في عدد من الأحزاب الأوروبية الصغيرة المنسجمة مع رؤية إردوغان السياسية قيد التنفيذ في تركيا. وفي أوروبا، يحصل ذلك في إطار "استثمار" تركيا الكبير في المحافظة على الروابط السياسية مع الجالية التركية الكبرى في أوروبا، لا بل السيطرة عليها.

تضطلع حكومة إردوغان بدور كبير في بناء جسور اقتصادية واجتماعية ودينية مع الأحزاب الأوروبية التي تعتبرها متوائمة سياسيا مع مصالحها. هذا وقد لخص إردوغان بصراحة سياسته على القناة الألبانية (Albania TV) في يونيو 2017، مؤكدا أنه ما من عيب على الإطلاق في دعم الأحزاب السياسية في دول البلقان والدول الأوروبية الأخرى التي تتشارك عقيدة مماثلة مع حزب العدالة والتنمية الإسلامي الذي يترأسه، وأن "هذه الجهود يجب ألا تثير امتعاض أي طرف".

يرى إردوغان على الأرجح أن أحزابا مثل "نيانس" ستكون بمثابة وسيلة فعالة للتأثير على الدول الأوروبية عبر المنظمات التي تعتبرها بوضوح من وكلائها السياسيين

إلى جانب الروابط مع إسلاميين معروفين أصلا في السويد، على غرار وزير الإسكان محمد كابلان والناشط يسري خان (اللذين كانا سابقا في "حزب الخضر")، ترتبط منصة "نيانس" أيضا بأحزاب إسلامية أوروبية أخرى يعتبر إردوغان أنها تخدم مصالحه. 

تعمل المنصة جاهدة على جعل المسلمين أقلية متجانسة رسمية بناء على تعريف محدد للإسلام؛ ومنح المسلمين (وفقا لهذا التعريف المحدد) منزلة مميّزة ومحمية يتمتّع بها حاليا اليهود والسكان السويديون الأصليون، لا الأقليات الأخرى؛ واعتبار الانتقادات الموجهة ضد الإسلام جريمة كراهية؛ واعتبار رهاب الإسلام جريمة محددة. 

لا يُعدّ "نيانس" المثال الأول في السويد عن حزب يركز خصيصا على هذه المسائل، بما أن حزب "ياسين" (Jasin)  سبقه في عام 2017، وقد أعلن بصراحة عن نيته اتباع الشريعة، إلا أن الأخير لم يحصد العدد اللازم من التواقيع للمشاركة في الانتخابات الوطنية اللاحقة في السويد. ولكن لا ينبغي الافتراض أن هذه الأحزاب تمثل بالضرورة المسلمين كهيئة موحدة متجانسة، إذ أن أغلبية واسعة من المسلمين في السويد لا تنتمي لأي منظمة مسلمة.

شهدت السويد أيضا جهودا سياسية من قبل الإسلاميين في خلال اتفاق عام 1999 بين حركة "الإيمان والتضامن" ("Tro & Solidaritet") الديمقراطية الاشتراكية و"المجلس الإسلامي السويدي" ("Sveriges Muslimska Råd")، الذي اعتبر مراقبون أنه تابع لجماعة "الإخوان المسلمين" الإسلامية. 

وبموجب هذا الاتفاق، حصل "المجلس الإسلامي السويدي" ("Sveriges Muslimska Råd") على عدد من المراكز الآمنة على قوائم الأحزاب مقابل دعمه للديمقراطيين الاشتراكيين. اعتُبرت هذه التجربة ناجحة للغاية من منظور "الإخوان المسلمين"، ومذاك، تزايد عدد الحركات والجماعات التابعة لـ "الإخوان المسلمين"، وحصلت على تمويل من الخزانة العامة، وفرضت نفسها على أنها أبرز هيئة ممثلة للمسلمين في السويد.

ولكن في البيئة السياسية الراهنة في السويد، يتمتع "نيانس" بحظوظ أكبر بكثير من حزب "ياسين" من ناحية تحقيق تمثيل سياسي، وسيبدأ بالترشح إلى الانتخابات البرلمانية والانتخابات المحلية في ستوكهولم وغوتنبرغ ومالمو المزمع عقدها كلها في عام 2022. وترتكز ميزات "نيانس" على قوة المنظمات المحلية في هذه المدن السويدية الرئيسية الثلاث، كما في مدن أصغر مثل أوربرو وفاكسيو، حيث يعتزم أيضا المشاركة.

روابط يوكسيل بتركيا وحزب العدالة والتنمية مشهورة بمدى عمقها

بالإضافة إلى ذلك، شكّل رد يوكسيل على إقصائه من حزب الوسط خير دليل على روابطه المستمرة بأنقرة. فبعد إقالته من الحزب، حاول بطبيعة الحال نسج رواية خروجه القسري، إلا أنه وجه هذه الرواية بشكل خاص للجمهور التركي المؤيد لإردوغان. 

ففي مقابلة مع وكالة "الأناضول" الرسمية التركية للأنباء، زعم أن حزب الوسط حاول إرغامه على التحدث ضد تركيا. وعندما رفض، واجه مشاكل ضمن الحزب أدت إلى استبعاده. وزعم أيضا أنه طُلب منه التحدث ضد الرئيس التركي إردوغان مباشرة، الأمر الذي رفضه مجددا. وبحسب المقابلة، واجه يوكسيل لهذه الأسباب حملة سلبية في السويد.

ومن المثير للاهتمام أن هذه المزاعم لاقت دعما في الإعلام التركي وليس السويدي، فلو انتشرت هذه المزاعم على نطاق واسع في السويد، لكان من السهل تجاهلها. ولكن بالنسبة إلى جمهور تركي، اعتُبرت هذه المزاعم، لا سيما في غياب أي سياق إضافي، قابلة أكثر للتصديق. ويمكن أيضا الافتراض بسهولة أن منصة "نيانس" لن تشارك قط في انتقاد تركيا في عهد إردوغان.

تشبه قصة يوكسيل قصص أفراد آخرين مؤيدين علنا للإسلاميين بصورة عامة وناشطين في سياسات الأحزاب السويدية خارج حزب الوسط. ومن الأمثلة الشهيرة على ذلك عمر مصطفى الذي كان على وشك أن يُنتخب في المجلس الحاكم للديمقراطيين الاشتراكيين في عام 2013. 

أشارت احتجاجات داخل الحزب وخارجه إلى روابطه المتعددة بالإسلاميين، بمن فيهم دعاة إسلاميين مناهضين للسامية ومعادين للمثليين، فاستقال من الحزب. ومن الأمثلة الأخرى وزير الإسكان السويدي السابق المذكور آنفا محمد كابلان، الذي توجب عليه أيضا الاستقالة عندما أُفيد عن ارتباطه بتنظيم "الذئاب الرمادية"، إذ حضر عشاءً مع أعضاء التنظيم في السويد. 

برزت أمثلة أخرى من مقاطعات الأحزاب المحلية من وقت إلى آخر، وأشارت "اللجنة السويدية الوطنية لمناهضة معاداة السامية" بصورة خاصة إلى أنه غالبا ما يجري التغاضي عن معاداة السامية المنبثقة عن السياسيين والناشطين التابعين للأحزاب السياسية من قبل قيادات الأحزاب في السويد.

في دول أوروبية أخرى، واجهت أحزاب مثل حزب دينك في هولندا انتقادات من العديد من السياسيين الهولنديين البارزين لعلاقاتهم الوثيقة مع تركيا، حيث رفض قادة "دينك" فرصا متعددة لانتقاد سجل إردوغان السيئ في مجال حقوق الإنسان، خاصة منذ محاولة الانقلاب التي حصلت في عام 2016.

لكن روابط يوكسيل بتركيا وحزب العدالة والتنمية مشهورة بمدى عمقها، ولاقى ترشحه لحزب الوسط (للانتخابات الأوروبية) تغطية واسعة من وكالة "الأناضول" الرسمية التركية للأنباء. 

بعد إقالته من الحزب، حاول بطبيعة الحال نسج رواية خروجه القسري، إلا أنه وجه هذه الرواية بشكل خاص للجمهور التركي المؤيد لإردوغان

على وجه التحديد، أقام حملته في بلدة كولو، الواقعة في محافظة قونية التركية، التي هاجر الآلاف من سكانها مذاك إلى السويد، كما هو معروف. وتجدر الإشارة إلى أن والد يوكسيل، أورهان يوكسيل، هو رئيس البلدية السابق لكولو (1999 ـ 2004) وشخصية بارزة في حزب الحركة القومية التركي المتطرف. وبالرغم من أن أورهان ترشح أيضا للانتخابات البلدية اللاحقة في عاميْ 2009 و2014، إلا أنه خسر في المرتين.

رد أورهان على التحديات التي واجهها ابنه في السياسة السويدية من خلال إلقاء اللوم على المعارضة التركية، ما يسلط الضوء أكثر على الروابط القائمة بين السياسة التركية والجالية التركية. فقد وجّه أورهان اللوم إلى حزب المعارضة الرئيسي في تركيا، وهو حزب الشعب الجمهوري (CHP) وحملات حزب العمال الكردستاني (PKK) المحظور الذي صنّفته تركيا كمنظمة إرهابية، حيث اتهمه بالمسؤولية عن الجدل الدائر في السويد حول ابنه.

قد يحظى يوكسيل أيضا بالمزيد من الدعم الانتخابي في المستقبل مع تعزيز تركيا انخراطها غير المباشر في السياسة السويدية. ويظهر هذا الانخراط بوضوح: في خلال الانتخابات السويدية، يجري تشجيع الأتراك الذين يحملون جوازات سفر سويدية على التصويت في تركيا. 

يجري ذلك تحت إشراف الاستخبارات التركية، وقد توجه سياسيون مثل يوكسيل وكابلان إلى تلك المنطقة لإقامة حملات فيها أيضا. وقد تتلقى الأحزاب التي تُعتبر داعمة للمصالح والحكومة التركية مساعدة بأشكال متعددة. بحسب رئيس التحرير السابق لصحيفة "Today’s Zaman" في أنقرة التي أوقفت اليوم عن العمل، عبد الله بوزكورت، الذي يعيش في المنفى في السويد منذ عام 2016، يُعدّ التصويت المدعوم من قبل الدولة التركية أمرا شائعا أيضا في مختلف أنحاء أوروبا.

تعكس هذه الجهود التوترات السابقة التي أحاطت بالانتخابات البلغارية في عام 2017، إذ برزت تقارير عن الضغط الذي مارسه وزير تركي لصالح حزب "دوست" (DOST)  البلغاري بين المواطنين البلغاريين المقيمين في اسطنبول. فضلا عن ذلك، حرصت تركيا على توطيد علاقاتها السياسية مع أصحاب الجنسية المزدوجة من خلال السماح لأي مواطنين أتراك مقيمين في الخارج بالتصويت في الانتخابات التركية منذ عام 2014، وهذه ممارسة تشجعها بشكل ناشط لدى الجالية التركية في أوروبا، التي تُعتبر في أغلب الأحيان مؤيدة لحزب العدالة والتنمية. 

في الواقع، أتت هذه السياسة بثمارها في خلال الانتخابات التركية الأخيرة في عام 2018 إذ أن حوالي نصف المواطنين الأتراك المقيمين في السويد الذين يحق لهم التصويت والذين صوتوا في الانتخابات التركية، اقترعوا لصالح حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية.

أدى دعم إردوغان للأحزاب الأوروبية تماشيا مع مصالحه إلى تعزيز نزعة أخرى في السياسات الأوروبية ألا وهي بروز الأحزاب الإسلامية الداعمة لإدراج تقاليد القانون الإسلامي ضمن قانون الدولة العلماني. 

وقد اضطلعت جماعة "الإخوان المسلمين" بدور أساسي في انتشار هذه النزعة في أوروبا، كونها نجحت إلى حد كبير في تقديم نفسها كممثلة رئيسية للمجتمعات المسلمة في دول أوروبية متعددة. 

ويبرز هذا التأثير بشكل خاص في "اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا" الذي أسسته جماعة "الإخوان المسلمين"، والذي يشرف على عشرات المنظمات في أوروبا. كما أثارت أحزاب صغيرة، مثل "حزب الإسلام" البلجيكي المؤيد للشريعة، مخاوف بشأن الطرق التي تولي من خلالها الأحزاب الإسلامية الأولوية للشريعة الدينية ضمن منصتها السياسية.

تبرز هذه النزعة على الرغم من أن الأحزاب السياسية الأوروبية المعاصرة، ولا سيّما في اسكندينافيا، غالبا ما تبني عملها على خصائص أساسية للأفكار والعقائد، على الرغم من أمثلة معينة مثل الأحزاب المصطفة مع حركة "الديمقراطية المسيحية" أو الانقسام اللغوي ـ السياسي في بلجيكا. ولكن جماعة "الإخوان المسلمين"، بصفتها أحد الأصوات الأكثر تنظيما في العالم الأوروبي المسلم، نجحت في تقديم نفسها كممثلة حصرية للمجتمعات المسلمة في أوروبا عبر الطيف الأيديولوجي الأوروبي، وقد ساهم التركيز السياسي مؤخرا على سياسة الهوية والتقاطع في هذا النجاح. ويشكل "اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا" (FIOE) خير مثال على هذا التقاطع.

اضطلعت جماعة "الإخوان المسلمين" بدور أساسي في انتشار هذه النزعة في أوروبا، كونها نجحت إلى حد كبير في تقديم نفسها كممثلة رئيسية للمجتمعات المسلمة في دول أوروبية متعددة

سرعان ما لاحظت تركيا في عهد إردوغان، الذي غيّر الطابع السياسي العلماني بشكل ملحوظ في تركيا ليصبح أقرب إلى الإسلام في خلال فترة حكمه، المنافع السياسية لقوة الإقناع والنفوذ لدى السياسيين الإسلاميين في أوروبا. 

تبدو الأحزاب السياسية مثل "نيانس" عازمة على حصد ثمار هذه العمليات والانضمام للمجالس التشريعية على الصعيد المحلي وربما الوطني أيضا. ومن الممكن جدا أن تستحصل "نيانس"، في غضون بضع سنوات، على أصوات من الديمقراطيين الاشتراكيين والخضر وحزب اليسار، وينضم إلى البرلمان أو، على الأقل، المجالس المحلية. ومن المرجح أن يعتبر إردوغان هذه النقلة في السياسة السويدية مكسبا لسياسته تجاه أوروبا.

على هذا النحو، يرى إردوغان على الأرجح أن أحزابا مثل "نيانس" ستكون بمثابة وسيلة فعالة للتأثير على الدول الأوروبية عبر المنظمات التي تعتبرها بوضوح من وكلائها السياسيين. 

لا يعني ذلك أن الأحزاب لا تعمل على قضايا شرعية أو ليس لديها أسئلة فعلية تستوجب المعالجة. فإلى جانب القضايا الفعلية المتمثلة بالتمييز (الفعلي أو الوهمي) وقضايا الفصل والعزل وافتقار السلطات لسياسات الدمج، سهلت السياسة الرسمية التي تعود لما يقارب 40 عاما والقائمة على تشجيع التعددية الثقافية وتبدية الجماعة على الفرد، وبذلك مناقضة أفكار الدمج والاستيعاب المعروضة أيضا، مهمة الأحزاب على غرار "نيانس" الذي يطالب بجعل الانتماء الديني للفرد، في هذه الحالة، العامل الحاسم في السياسة. بالتالي، يمكن لحزب "نيانس" أن يظهر على أنه "الورقة الرابحة" ويستقطب الناخبين الذين كانوا ليختاروا حزبا تقليديا آخرا في حالات أخرى.

ويعني هذا التطور أنه ينبغي على الهيئات الأوروبية الناظمة للسياسات أن تدرس بشكل معمق ومطول كيف يجب أن تتعامل بناها الديمقراطية مع سوء استخدام السلطة والمحاولات العدائية، خصوصا من قبل القوى الخارجية، لفرض تصنيف إسلامي غير مرغوب به على سكانها المسلمين.

المصدر: منتدى فكرة