رهف خلال مؤتمر صحافي في كندا
رهف خلال مؤتمر صحافي في كندا

د. نجاة السعيد/

إن قضية رهف القنون السعودية الهاربة من أهلها، التي استقبلتها وزيرة الخارجية الكندية كريستيا فريلاند وآخرون بينهم صحافيون وناشطون واستحوذت أخبارها على الإعلام الغربي وخاصة الكندي، تدعونا إلى التفكير في قضية تدفق الأنباء وسيطرة دول الشمال على الثقافة الإعلامية وهو أشبه ما يكون باستعمار ثقافي وإعلامي.

إن إصرار وسائل الإعلام الغربية على سرد رواية رهف من جانب واحد بدون موافاة الجمهور بكل التفاصيل، وتنقل مواقف جميع أفراد العائلة، تؤكد لنا أن تلك الوسائل هي فقط معنية بظهور السعودية على أنها دولة ضد حقوق المرأة ومتخلفة. 

لا أحد في السعودية قال إن وضع المرأة مثالي، وإن الوضع الحقوقي ليس بحاجة إلى إصلاح؛ لكن من الواضح أيضا أن قضية رهف سُيست إلى درجة كبيرة لخدمة الأجندة الكندية بسبب الخلاف السياسي مع السعودية، وإلا لماذا يستدعي خلاف عائلي لفتاة عمرها لا يتجاوز 18 عاما استقبال وزيرة الخارجية بنفسها؟ في حين أن هناك الكثير من اللاجئات والمعنفات اللاتي لم يحصلن على جزء بسيط من المزايا التي حصلت عليها رهف من سكن وتأمين صحي واجتماعي ومبلغ معيشي يصرف لها.

وصف كثير من النشطاء على وسائل التواصل الاجتماعي، عربا وغربيين، ما قامت به كندا بالنفاق السياسي، واعتبروا أن الاستقبال البطولي الذي تلقته رهف وكل الامتيازات التي حصلت عليها، ما هو إلا لإحراج السعودية وتشويه صورتها أمام الرأي العام. وقارن هؤلاء الناشطين ذلك بمعاملة السلطات الكندية للمواطنة اليمنية ندى علي في 2017 وكيف رفض حقها في اللجوء لأن قضيتها إنسانية ولا تخدم مصالح كندا السياسية على حد وصفهم.

غرست وسائل إعلام الكندية وغربية في أذهان المشاهدين أن رهف معنفة من قبل أهلها ولكن المتتبع للمعلومات يجد أن الكثير مما تناقلته وسائل الإعلام معلومات متضاربة. فقد ذُكر أن أسرة رهف منعتها من الدراسة في الجامعة، لكن في نفس الوقت تناقلت وسائل التواصل الاجتماعي بطاقة الطالب لرهف وهي ملتحقة بجامعة حائل مع الرقم الجامعي.

وكانت رهف قد قالت في تصريحات لوسائل إعلامية بعد حصولها على حق اللجوء في كندا، إنها تعرضت للعنف والحبس لعدة أشهر من قبل أسرتها، لكن تناقلت وسائل التواصل الاجتماعي فيديو لرهف مع والدها في سيارتها وبدون غطاء الرأس وقد وأوضح والد الفتاة أن ما ذكرته ابنته عن تعرضها للعنف أو أنه كان ينوي تزويجها رغما عنها، "غير صحيح". 

كما ذكرت تلك الوسائل أن رهف تخشى الإعدام وأنها تعرضت للتهديدات بالقتل بسبب ارتدادها عن الإسلام، لكن رهف تعد قاصرا ولن يأخذ أي نظام قضائي كلامها على محمل الجد وفي هذه الحالات تؤخذ الفتاة إلى عائلتها للتشاور بالتفاهم مع هيئات استشارية وتوجد في وزارة التنمية الاجتماعية كثير من البرامج لمواجهة سوء المعاملة.

لقد صرحت المحامية الدولية الأميركية والباحثة في الشؤون الأمنية، إيرينا تسوكرمان، لـ"العربية.نت" بواقعة الفتاة السعودية، رهف القنون: "أن هناك العديد من الملابسات المريبة والغريبة حول هذه القصة بما يجعلها مثالا نموذجيا على كيفية استغلال جانب بسيط من واقعة عادية لكي تتحول إلى حملة تشويه متواصلة. لا يعني هذا أنني أقول إن كل جزء من وقائع القصة هو محض افتراء صريح، ولكن يجب أن نتذكر جيدا أن أفضل حملات التشويه هي تلك التي يكون لها نصيب ولو ضئيلا من بعض الحقيقة. أتصور أن هذه الشابة، فيما يبدو لديها اختلافات عادية مع عائلتها، وعندما أرادت الابتعاد عن الأسرة والهرب للخارج، صادفت عقبات ولذا بدأت في اختلاق القصص التي تسهل حصولها على حق اللجوء".

إن سيطرة وسائل الإعلام الغربية على تدفق الأنباء والمعلومات غرست عند الغربيين وحتى العرب من الأقطار المختلفة السرد السائد بأن السعوديات مضطهدات ويغطيهن السواد من الرأس إلى أخمص القدمين، مع أن كثير منهن لا يفعلن ذلك خاصة في المنطقة الغربية من السعودية. 

إن كثيرا من المتابعين لا يلتفت إلا للصورة النمطية السلبية في وسائل الإعلام المتحيزة، ولو روى أي مواطن سعودي، مهما كان محايدا وبعيدا عن السلطة، أي حدث إيجابي في السعودية، كالسماح للمرأة بقيادة السيارة وتعيين امرأة نائبة لوزير العمل وابتعاث 35,000 طالبة للخارج للدراسة بمنح دراسية حكومية، يوصف بأنه مطبل ويعمل لصالح السلطة.

هنا وضح الكاتب السعودي تركي الحمد في تغريدة له: "البعض يرى أنه كي تكون مثقفا يجب أن تكون ضد السلطة بشكل مطلق، بغض النظر عن القضية المطروحة، وهذا في ظني خطأ محض، وهذا جزء من أزمة المثقف العربي المعاصر. الموقف الصحيح في ظني هو موقفك من القضية المطروحة، لا من مصدر القضية".

كما ذكرت الكاتبة سوسن الشاعر في مقال لها في جريدة الشرق الأوسط بعنوان في "الهجمة على السعودية" بتاريخ 20 كانون الأول/يناير، 2019: "بينما ممنوع على المثقف العربي أن يقف أو يصفق لأي عمل أو إنجاز تقوم به السلطة في صالح الناس، وإلا عدّ تطبيلا لدى البعض لأن السلطة هي عدو الشعب كما يدعي هؤلاء، مسموح للمثقف الغربي أن يشيد بأي إنجاز تقوم به سلطته، واعتبر موضوعيا".

وبسبب السيطرة على سرد المعلومات والقصص في الإعلام حسب رؤية جهة مهيمنة، ذكر كثير من النقاد والمحللين أن النظام الإعلامي العالمي يحتاج إلى إصلاح وثورة حقيقية ضد الاحتكار الغربي لتدفق الأنباء. 

لقد أثيرت قضية تدفق الأنباء والمعلومات خلال السبعينيات والثمانينيات في حملة قادتها دول الجنوب في إطار اليونسكو حيث رأت دول الجنوب أن سيطرة دول الشمال على تدفق الأنباء يؤدي إلى استعمار ثقافي وإعلامي والتقليل من قدرتها على استكمال استقلالها وعدم قدرتها على تحقيق التنمية لكن انتهت هذه النقاشات بدون جدوى.

لقد وضح الدكتور سليمان سالم صالح في كتابه، "وسائل الإعلام والدبلوماسية العامة"، أن اعتماد وسائل الإعلام المكثف في دول الجنوب على وكالات الأنباء العالمية في استقاء الأخبار يحول وسائل الإعلام الجنوبية إلى أدوات لترويج الصور المشوهة لدول الجنوب الأخرى والتي تم صنعها في الغرب والتي دائما تصف الصراع بين دول الشمال والجنوب على أنه صراع بين التقدم والتخلف، كما أن الاعتماد على تلك الوكالات أدى إلى ضعف صناعة الإعلام والاتصال في دول الجنوب ولم تستطع هذه الدول أن تطور قوتها الناعمة وأن تشكل لنفسها صورة إيجابية تتيح لشعوبها إمكانيات التفاهم والتعاون.

ومن خلال ذلك أصبحت وسائل الإعلام الغربية هي التي تضع الأجندة Agenda Setting Agency. فحتى لو كانت تلك الوسائل لا تجعل شعوب الجنوب تفكر كما تريد فإنها تجعلهم يفكرون في القضايا التي تختارها.

والذي حصل في قضية رهف مثال على ذلك، إذ جعلت وسائل الإعلام الغربية اختلاف عائلي عادي قضية دولية. إن سيطرة وسائل الإعلام الغربية للأحداث والقضايا هو الذي يشكل أجندة العالم وبالتالي تهمش قضايا مهمة في مجتمعات الجنوب ويبالغ في استطراد مواضيع أقل أهمية.

وبسبب سيطرة وكالات الأنباء الغربية على تدفق الأنباء والمعلومات تفرض الأجندة حتى على وسائل الإعلام العربية، وإن لم يكن في الطرح والمضمون لكن باختيار القضايا والمواضيع، وهنا يأتي التساؤل هل يقوم الإعلام الجديد كونه غير حكومي وغير رسمي بما لم يقم به الإعلام التقليدي؟ وهل تكون الديبلوماسية الشعبية بما يطرح من مواضيع على التواصل الاجتماعي أكثر تأثيرا وفعالية من الدبلوماسية الرسمية؟

إن أكثر ما يتم تداوله بين السعوديين أن وسائل التواصل الاجتماعي وخاصة موقع تويتر قام بدور فعال في مواجهة الهجمة الأخيرة على السعودية أكثر بكثير من الذي قامت به وسائل الإعلام التقليدي سواء المرئية أو المقروءة. 

تحول جزء من المجتمع السعودي إلى ما يتم تسميته بالمواطنين الصحافيين، وهم مواطنون من عامة الشعب يلعبون دورا نشطا في عملية جمع الأخبار والمعلومات والإبلاغ عنها وتحليلها ونشرها، ومن خلال هذا النشاط يقوم الشعب بدور الدبلوماسية الشعبية؛ وهي تعني اتصال مواطنين بمواطنين من دول أخرى والقيام بجهود فردية تخدم مصالح دولتهم؛ وهذا ما قام به كثير من السعوديين للدفاع عن وطنهم وباللغتين العربية والإنكليزية للوصل إلى الشعوب الغربية والعربية.

بالتالي أصبح السعوديون دبلوماسيين يتشاركون في الدفاع عن قضاياهم، وهذا النوع من الدبلوماسية يكون أحيانا أكثر مصداقية بالنسبة للرأي العام الخارجي من الديبلوماسية التقليدية لأنه خارج الأطر الرسمية.

لقد اهتمت الولايات المتحدة الأميركية بدبلوماسية المواطن منذ بداية القرن الحادي والعشرين وانتشرت فكرة أن كل مواطن يجب أن يعتبر نفسه دبلوماسيا. ففي عام 2004 عقدت في واشنطن القمة الوطنية لديبلوماسية المواطن National Summit on Citizen Diplomacy ثم عقدت القمة الثانية في عام 2008 وفي عام 2010 عقدت القمة الثالثة لدبلوماسية المواطن وأصدرت مبادرة شعارها "كل مواطن دبلوماسي".

كما أطلقت هذه القمة مبادرة 2020 للديبلوماسية الشعبية العالمية التي تهدف إلى مضاعفة عدد الأميركيين الذين يعملون كدبلوماسيين شعبيين من خلال القيام بحملة إعلامية قومية باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي التي تشجع المواطنين على العمل الدبلوماسي ونشر قصص النجاح. 

وهناك عدة منظمات تعمل في مجال الدبلوماسية الشعبية وتقوم على استخدام الشباب والعمل على التأثير عليهم من أهمها منظمة سولايا Soliya وهي منظمة لا تبغى الربح وتستخدم وسائل التواصل الاجتماعي والتكنولوجيا الجديدة في تسهيل الحوار بين الطلاب عبر العالم من خلال المؤتمرات التي تعقد بشكل افتراضي على الإنترنت Web Conferencing Technology وذلك لتجسير الفجوة بين طلاب الجامعات في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وأوروبا والولايات المتحدة.

وبحسب كتاب صالح، قدر المركز الأميركي للدبلوماسية الشعبية عدد المنظمات التي تعمل في مجال الاتصال بين الشعوب على المستوى الدولي بألف منظمة في الولايات المتحدة وحدها. وقد فعلت تلك المنظمات دور المهنيين من أطباء ومحاميين ودور الفنانين، والإعلاميين، والرياضيين، والباحثين والعلماء في مجال الديبلوماسية الشعبية. واعترف المركز بأن معظم أنشطة الدبلوماسية الشعبية الأميركية تتم تحت إشراف الحكومة الأميركية وتمولها لإدراك الحكومة بأهمية الدبلوماسية الشعبية في زيادة الأمن القومي الأميركي.

وفي حين تقوم الحكومة الأميركية بكل هذه الجهود لتفعيل دور المواطن عبر الدبلوماسية الشعبية تقوم جهات رسمية أميركية باتهام السعودية بأن التغريدات المدافعة عن السعودية ليست من مواطنين سعوديين بل روبوتات إلكترونية تقف وراء آلاف الحسابات الوهمية التي تنشر تغريدات دعائية.

إن استقلال النظام الإعلامي العالمي من سيطرة دول الشمال يحتم على دول الجنوب تطوير وكالاتهم للأنباء وتشجيع التعاون فيما بينهم. حتى الآن وكالات الأنباء في الدول الجنوبية لم تستطع أن تشكل مصدرا بديلا لوكالات الأنباء العالمية، كما على دول الجنوب أن تدرك أن المنظمات العالمية مثل الأمم المتحدة واليونسكو لم تعد صالحة لإدارة الحوار والمناقشة حول إصلاح النظام الإعلامي العالمي، لذلك لا بد أن تقوم الجامعات في دول الجنوب بفتح المجال لهذه المناقشة التي يجب أن تقوم على البحث العلمي وتطوير التعاون في مجال تبادل الأخبار والمعلومات.

كما على دول الجنوب تطوير وتنظيم الديبلوماسية الشعبية من خلال الإعلام الجديد تحت إشراف هيئات ومنظمات محترفة تكون أكثر صراحة وشفافية من الدبلوماسية الرسمية والإعلام التقليدي.

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟