دعا المحافظون الجدد في طاقم عمل الرئيس الأسبق بوش إلى التدخل في العراق، لكن دعوتهم ما كانت لتنجح لولا أن مختلف التوجهات في طاقم بوش مالوا أيضا إلى المنطق الوقائي
دعا المحافظون الجدد في طاقم عمل الرئيس الأسبق بوش إلى التدخل في العراق، لكن دعوتهم ما كانت لتنجح لولا أن مختلف التوجهات في طاقم بوش مالوا أيضا إلى المنطق الوقائي

حسن منيمنة/

لمصطلح "المحافظون الجدد" في السائد من الخطاب السياسي العربي دلالة بعيدة جدا عن المعنى الأول له في سياقه الفكري ضمن البيئة التي نشأ فيها. بل يكاد هذا المصطلح أن يلخّص طرح المؤامرة بكامله، إذ تكفي الإشارة إليه، دون التطرق إلى مضمونه، لافتراض ثبوت المؤامرة بالحجة والبرهان.

لا يتضرر "المحافظون الجدد" أنفسهم من هذا الاستعمال، وهم على أي حال ليسوا اليوم على ما كانوا عليه قبل عقدين من التجانس الفكري والسياسي، إلى حد لم يعد للمصطلح معنى موضوعيا.

غير أن استدعاء هذا المصطلح في الخطاب السياسي العربي، والركون إلى دلالته المستحدثة ضمنه، يشطح بالفكر السياسي العربي في اتجاهات غير مجدية، ويشتت إمكانيات التقدم بقراءات أكثر انسجاما مع الواقع، والذي يحفل فعلا بالمكائد والمؤامرات الموضعية والآنية، والتي من شأنها التسبب بأضرار تفوق بأشواط تلك المنسوبة إلى "المؤامرة" الأسطورية والتي يشكل "المحافظون الجدد" أحد أعمدتها الموثوقة.

"المحافظون الجدد" ليسوا جمعية سرية تسعى إلى الهيمنة على المحيط العربي وموارده، بل هم مجموعة من الشخصيات الفكرية التي كان لها تأثيرا معنويا في الولايات المتحدة في فترة زمنية ماضية. وتبين دورهم قبل قرابة العقدين يتطلب وضع الأمور في سياقها.

اقرأ للكاتب أيضا: مارتن لوثر كينغ ونضال الأفارقة الأميركيين: شهادة لمجتمع حي

يهيمن على الحياة السياسية في الولايات المتحدة نظام الحزبين. ليس هذا النظام نتيجة فرض دستوري بل وليد حاجة انتخابية، ذلك أن الطبيعة المتعددة المستويات للانتخابات، من المحلي إلى الولاية الواحدة فالاتحادي، قد دفعت باتجاه اصطفاف ثنائي لتحسين فرص الفوز في المواجهات الانتخابية. فالحزبان، الديمقراطي والجمهوري، ليسا هنا من جنس الأحزاب في معظم العالم، حيث الحزب عقيدة وقيادة وانتساب والتزام، بل هما أقرب إلى الجبهات الانتخابية، أي ثمة تلاق حول التوجهات العامة، مع إمكانية الخروج عنها، دون قيادة مركزية أو موحدة، وإن اعتبر رئيس الولايات المتحدة "قائدا" عمليا لحزبه، ودون انتساب وانتماء أو استمارات، بل تسجيل طوعي آني دون رقيب على لوائح الشطب، ودون التزام لا مادي ولا معنوي، إذ لا يقتضي التسجيل الحزبي التصويت لأي من المرشحين في الانتخابات العامة.

التعويض عن غياب الأبعاد العقائدية في البنى الحزبية يجري من خلال توجهات فكرية تتماهى إلى درجة مرتفعة مع أحد الحزبين. فالحزب الجمهوري يحتضن التوجهات المحافظة المختلفة، فيما التوجه التقدمي يجد اليوم في الحزب الديمقراطي محفلا له. ليست هذه اصطفافات دائمة، فالحزب الديمقراطي كان حتى ستينيات القرن الماضي مستوعبا للتوجهات المحافظة الداعية إلى الفرز العرقي في الولايات الجنوبية، فيما الحزب الجمهوري، وإن في زمن غابر، كان ملاذ دعاة الإعتاق، وكان جلّ "السود" من المحسوبين عليه.

وفي خضمّ الحرب الباردة، في ثمانينيات القرن الماضي، كان الديمقراطيون أكثر ميلا إلى الدعوة إلى انكفاء للولايات المتحدة عن السياسة التصعيدية إزاء المعسكر الاشتراكي، فيما كان العديد من الجمهوريين، ومنهم الرئيس آنذاك، رونالد ريغان، على قناعة بأن الانتصار على "الشر" الذي يمثله الاتحاد السوفييتي يتطلب المزيد من الإنفاق والانتشار والحضور للولايات المتحدة في أرجاء العالم.

تعود أصول "المحافظين الجدد" إلى هذا السجال السياسي. إذ تطورت الطروحات السياسية لبعض الكتاب والمفكرين المندرجين في الصف الديمقراطي والتقدمي باتجاه القبول بأن السبيل إلى تحقيق العدالة على المستوى العالمي، والتي يتكرر بروزها في أدبياتهم، ليس الانكفاء، بل الانخراط الصريح والفاعل للولايات المتحدة كقوة خير لاعتراض النفاق الذي يمارسه الطغاة في أرجاء العالم تحت شعارات تحقيق صالح الشعوب.

فخلافا للتقدميين ومعظم الجمهوريين، والذين كانوا يطالبون بالتروي بل بالامتناع عن التصعيد إزاء المنظومة الاشتراكية، وبالتباين مع المحافظين "الوطنيين"، والذين كانوا يحبذون سياسة ريغان التصعيدية انطلاقا من حسابات الربح والخسارة للولايات المتحدة أولا أو دون غيرها، فإن المحافظين الجدد أرادوا التدخل انطلاقا من قناعات مبدئية، أي أنهم احتفظوا بالطابع العالمي الإنساني لعقائدية التقدميين، ولكن مع ربطه بالتوجه المحافظ "الوطني" الداعي إلى الفعل التدخلي.

لم يكن المحافظون الجدد، ومعظمهم من الكتاب وصنّاع الرأي وحسب، هم من صاغ السياسة التي أطاحت بالاتحاد السوفييتي وأخرجته من دائرة نفوذه، غير أن سقوطه شكّل دون شك حافزا لهم للدعوة إلى نمط جديد من السياسة الخارجية يجمع الوجهين، المبدئي والمصلحي، بما ينسجم مع تحولات أوسع نطاقا على مستوى الفكر السياسي في الولايات المتحدة في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، وفي عهد بيل كلينتون. فكان لهم يومئذ الحضور الفكري والإعلامي في إصرارهم على تأطير الفعل السياسي بالمبادئ.

هي السياسات التي أبرزتها الولايات المتحدة، بصفتها القوة العظمى الوحيدة عند التدخل في البلقان. ولكنها سياسات انتقائية إذ تخلفت حكومة الرئيس الأسبق بيل كلينتون بشكل مفجع عن التطرق إلى "الحرب العالمية الأفريقية" في التسعينيات والتي تورطت بها دول عديدة وأودت بحياة الملايين في رواندا والكونغو وأوغندا وغيرها، دون أن تخترق غشاء التجاهل العالمي.

التسعينيات كانت كذلك عقد اتفاق أوسلو بين الإسرائيليين والفلسطينيين، والذي نظر إليه الكثير من المحافظين الجدد على أنه خديعة وحسب. واقع الأمر أن افتقاد الجانبين لصفاء النوايا هو أمر انكشف في المراحل التالية، حيث أن منطق القيادة الفلسطينية كان الحصول على ما يمكن الحصول عليه للتوّ ثم معاودة المطالبة، فيما الموقف الإسرائيلي كان الاستفادة من المكافأة المتمثلة بإنهاء المقاطعة العالمية، مع التأجيل قدر الإمكان لتسديد المستحقات، أي الانسحاب من الأراضي المحتلة، بانتظار استتباب أمر استيطان واقع يبطل إمكانية هذا الانسحاب.

لا بد هنا من التشديد على قرابة الإجماع الراسخ في الثقافة والمجتمع في الولايات المتحدة، والذي يعتبر بأن إسرائيل، الدولة القائمة منذ أجيال والساعية إلى تحقيق العدالة الاجتماعية والتمثيل السياسي الصادق، هي صاحبة الحق والمعتدى عليها من جانب أنظمة استبدادية توظّف القضية الفلسطينية لأغراضها الخاصة ولا تسعى إلى إيجاد الحلول لها. للفلسطينيين حقوق بالطبع وفق هذه القراءة، ولكن تجنيدهم بالاعتداء القاتل على إسرائيل يرجئ أهمية هذه الحقوق ويبرز الحق الإسرائيلي بالحياة والوجود.

موقف معظم المصنفين "محافظون جدد" إزاء إسرائيل لم يكن بالتالي خارجا عن التوجهات العامة، ولكنهم، انطلاقا من دعوتهم إلى الوضوح الفكري والأخلاقي إزاء القضايا، كانوا أكثر صرامة في تصريحاتهم المساندة لإسرائيل، والتي كانت تتعرض يومها لهجمات إرهابية تقتل مواطنيها في شوارعهم وحافلاتهم ومطاعمهم. صدر بالتالي عن مجموعة من "المحافظين الجدد" في نهاية التسعينيات مذكرة موجهة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو بعنوان "الدفاع عن النطاق" تدعوه إلى سياسة مبدئية إقدامية لمعالجة حالة الحصار الأمني المفروضة على إسرائيل، وتسمّي الحكومات الاستبدادية التي يجب أن تزول كي تحظى إسرائيل بالأمن.

قد لا تكثر الإشارة المباشرة إلى هذه المذكرة في أدبيات "المؤامرة الكبرى" العربية، ولكنها بيت القصيد عند الحاجة، إذ هي قد نصّت على وجوب إسقاط نظام تصدير الثورة في إيران، وكل من نظامي البعث في بغداد ودمشق. وعليه، وفق القراءة الواهمة، فإن ما جرى في العقدين التاليين لصياغة هذه المذكرة هو صلب "المؤامرة" في مراحلها التنفيذية.

لا اعتبار هنا لأن تكون هذه مذكرة تعبّر عن رأي لبعض الكتاب والمفكرين، في مرحلة زمنية ما، لا خطة تفصيلية من جانب صانعي القرار. ولا اعتبار كذلك لأن الدعوة إلى إسقاط هذه الأنظمة كانت مطلبا يتجاوز الاعتبارات السياسية والبلدان ويشمل العديد من التقدميين العرب. بل يكفي أن تكون الدعوة قد وردت لإدراج حوادث الأعوام التالية، وهي الخارجة جملة وتفصيلا عن تصور هذه المجموعة الصغيرة من أصحاب الرأي، على أنها حصيلة فعلهم وقولهم.

دون شك، كان لبعض المحافظين الجدد، إذ جرى تعيينهم ضمن طاقم عمل الرئيس جورج دبليو بوش عام 2001، دور في دفع القرار، بعد اعتداءات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر، باتجاه التركيز على استهداف نظام صدام حسين، انطلاقا من تحقق إمكانية تصنيعه لسلاح الدمار الشامل مع احتمال تلاقيه مع تنظيم القاعدة، والذي كان يسعى حثيثا لكسبه.

فالسياسة الإقدامية التي نادى بها المحافظون الجدد كانت تعتبر أن التقاء العدو القادر على إنزال الأذى بالولايات المتحدة، أي العراق، مع العدو الراغب بالاعتداء عليها، أي تنظيم القاعدة، أمر لا يحتمل الانتظار لتحقق حصوله، بل لا بد من معالجة وقائية. وبناء على حسابات اعتبرت أن إسقاط نظام صدام حسين من شأنه إنتاج عراق جديد متقدم منسجم مع الرؤية المبدئية المصلحية، بما في ذلك الامتناع عن معاداة إسرائيل، دعا المحافظون الجدد في طاقم عمل الرئيس الأسبق بوش إلى التدخل في العراق. لكن دعوتهم ما كانت لتنجح لولا أن مختلف التوجهات في طاقم بوش، بما في ذلك "الوطنيين" وعلى رأسهم نائب الرئيس ديك تشيني، و"الواقعيين" ولا سيما منهم وزير الخارجية كولن پاول ومستشارة الأمن الوطني كوندوليزا رايس، مالوا أيضا إلى المنطق الوقائي، نظرا لفداحة نتائج الاعتداء الإرهابي وخشية تكرارها مضاعفة، بعيدا عن الاقتصار على الاستباقية التي كان يلحظها النظام الدولي.

اقرأ للكاتب أيضا: اختزال التاريخ: بين الولايات المتحدة والمحيط العربي

وبغضّ النظر عن تقييم خطوة التدخل في العراق، وإسقاط النظام الاستبدادي فيه، مع ما تلا ذلك من الأخطاء والنجاحات، فإن القراءة الموضوعية لمجريات الأحداث تفيد بأن دور المحافظين الجدد، على أهميته الأولية، سرعان ما تراجع في طاقم الرئيس وخارجه، وصولا إلى الاختلاف في التقييم في صفوفهم أنفسهم لجدوى إسقاط النظام وأثرها الممكن في تغذية الإرهاب. فلا يمكن الحديث، ابتداء من المراحل الأخيرة من ولاية الرئيس الأسبق جورج دبليو بوش، أي من عقد ونيّف، عن المحافظين الجدد ككتلة في موقع التأثير على القرار.

المحافظون الجدد في التاريخ المعاصر الأميركي هم بالتالي مجموعة كانت ذات وزن ورؤية وموقف عقائدي سمحت لها الظروف لوهلة قصيرة بدفع السياسة باتجاهات منسجمة مع ما تدعو إليه، قبل أن تتجاوزها الوقائع والأحداث.

أما في السائد من الخطاب السياسي العربي، فـ"المحافظون الجدد" هم أصحاب القرار، السابق والحالي والتالي، بالدفع باتجاه تطبيق "المؤامرة"، وإذ هم يفشلون، فلصمود المقاومين والممانعين والذين لهم بالمرصاد. هي انتصارات وهمية في معارك وهمية تنفخ أوجها من الماضي فينتفي معها رؤية ما يستحق المتابعة والتقصي والتصدي له اليوم.

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟