أيزيديون عراقيون يضيؤون الشموع خارج معبد لاليش في أحد الوديان القريبة من دهوك
أيزيديون عراقيون يضيؤون الشموع خارج معبد لاليش في أحد الوديان القريبة من دهوك

عمران سلمان/

كلما تأمل الإنسان في أحوال وثقافات وأديان الأقليات المختلفة في المنطقة العربية، كلما أدرك مدى الغنى والثراء الروحي والحضاري الذي تتمتع به، وأدرك معه أيضا مدى قسوة الأكثريات وتغولها من جهة، وفداحة الخسارة التي مني بها الإنسان في هذه المنطقة من العالم جراء جهله أو تجهيله. من جهة أخرى.

خرافات وأكاذيب

أما الملاحظة الأبرز هنا فهي حجم الأكاذيب والتزييف والدعايات السوداء التي أطلقها بعض المؤرخين ورجال الدين والسياسيين بحق أديان ومعتقدات هذه الأقليات، حتى أصبح الإنسان العربي والمسلم المعاصر مستفز حين يسمع أو يقرأ أي شيء عن الدروز والأيزيديين والإسماعيليين والعلويين والبهائيين والصابئة وغيرهم. أو في أضعف الأحوال يعتبر الحديث عن ذلك مجرد ترف زائد لا لزوم له.

فأول ما يتوارد إلى ذهنه أن هذه إما أديان شركية أو طوائف منحرفة أو جماعات زرعها "الاستعمار والصهيونية العالمية" لإضعاف الإسلام والمسلمين وتشتيت قضاياهم!

من المعيب أن مناهجنا مثلا لا تتضمن أي إشارة إلى مذاهب أو أديان الأقليات من أبناء مجتمعاتنا وبلسان أتباعها

​​والحقيقة أن الانسان العربي والمسلم معذور في ذلك. فالناس أعداء ما جهلوا. التعليم الرسمي والخطب الدينية والإعلام قلما تهتم بالأقليات في العالم العربي أو تسعى للتعريف بها، أو تقديمها بصورة إيجابية. ما نشاهده في كثير من الأحيان هو العكس من ذلك تماما. حيث الترويج للأساطير والخرافات والتدليس على هذه الأقليات، والعمل بمختلف الطرق والحيل للتضييق على أتباعها. وثمة شواهد كثيرة على التحريض ضد هؤلاء ومحاولة إيقاع الأذى بهم، لا لشيء سوى اختلافهم.

تشويه متعمد

فالبهائيون مثلا وهم من أكثر أهل الأرض طيبة ومسالمة وإبداعا، يجري اضطهادهم ومعاقبتهم على نحو مستمر في إيران وفي بعض الدول العربية مثل اليمن ومصر، بسبب دينهم. ويحسبهم بعض المتأدلجين والتكفيريين عنوة وبإصرار غير مفهوم على الشيعة، فيما يربطهم آخرون بإسرائيل بسبب وجود مقرهم الرئيسي في حيفا. وهو أمر لا يد لهم فيه، حيث نفى العثمانيون نبيهم بهاء الله إلى عكا في القرن التاسع عشر.

اقرأ للكاتب أيضا: الطبيعة البشرية أقوى من الأديان

والدروز (أو الموحدون) وهم من أنضج شعوب الشرق روحانية، فيتم حياكة الخرافات حول معتقداتهم، ويتم اتهامهم بالاعتقاد في ألوهية الخليفة الفاطمي "الحاكم بأمر الله"، وبأنهم تارة مسلمين "مرتدين" وتارة غير مسلمين.

أما الأيزيديون وهم أكثر الشعوب في هذه المنطقة اتصالا بالطبيعية وإدراكا لأهميتها، فيجري تشويه ديانتهم بصورة متعمدة، ولم تتوقف حملات الإبادة الجماعية ضدهم، والتي كان آخرها الحملة التي قادها تنظيم داعش.

بارومتر التحضر 

ما أوردته هنا مجرد أمثلة، والقائمة تطول، لكن المغزى الحقيقي لقضية الأقليات ليس في حجمهم العددي أو مدى تأثيرهم في أوضاع بلدانهم، وإنما في كون التعامل معهم سواء من قبل الحكومات أو مجتمعات الأكثرية، يعتبر بارومترا يقيس مدى تحضر أو تخلف هذه المجتمعات.

إن طريقة التعامل معهم تعطي مؤشرا لا تخطئه العين، على نوعية الحياة في هذه المجتمعات، وهو يكشف المدى الذي يمكن أن تذهب إليه في التعامل مع المختلفين والمخالفين من مذاهب وأديان أخرى أو حتى من داخل نفس المذهب أو نفس الدين.

ليس صدفة أن نسبة لا بأس بها من العرب والمسلمين لا تحبذ الحديث عن الأقليات الموجودة بين ظهرانينا أو الاستماع إلى معاناتها، لأن ذلك ببساطة يظهر الجانب المخفي في شخصياتنا. فنحن نشتكي باستمرار من ظلم حكوماتنا، ولكننا لا نتحرج عن ظلم من هم أضعف منا إذا وجدنا إلى ذلك سبيلا.

وبالطبع نحن نريد لقصة ظلم حكوماتنا أن تستأثر بكل الاهتمام، ولا نريد لمشاكل الأقليات أن تزاحم مشاكلنا أو تصرف الانتباه عنها. رغم أن الوقوف إلى جانب الأقليات المضطهدة هو شرط أساسي لأي تمدن أو نهضة منشودة في بلداننا.

مطلوب مبادرات حكومية

طبعا الحديث عن الأقليات هنا ليس الهدف منه استرجاع الماضي أو تبرير البحث عن أسباب انتقامية وإنما هدفه استشراف المستقبل. وأفضل وسيلة لذلك أن تتولى الحكومات الحالية زمام المبادرة وأن تبادر إلى معالجة هذه القضايا على أساس العدل والمواطنة، ويبدأ ذلك من التعليم.

تعامل الدول مع مواطنيها هو المعيار الأساسي للتعامل الحقيقي معها من قبل دول العالم

​​من المعيب أن مناهجنا مثلا لا تتضمن أي إشارة إلى مذاهب أو أديان الأقليات من أبناء مجتمعاتنا وبلسان أتباعها، بهدف التعريف بها وغرس قيم التسامح والمساواة والعدالة في نفوس الأطفال.

من الإشارات أو اللفتات المناسبة كذلك أن تقوم دول المنطقة بالاعتراف رسميا بالأديان والمذاهب الأخرى، وتعمل على إصلاح ما لحق من دمار بأماكن عبادتها ومعالمها الدينية والثقافية وإنهاء كافة أشكال التمييز ضد أبنائها.

اقرأ للكاتب أيضا: الأزمة السورية من منظور الصورة الأكبر

على سبيل المثال لا أفهم لماذا لا تتولى الحكومة العراقية زمام المبادرة في مساعدة الأيزيديين في إعادة بناء ما دمره تظيم داعش والأنظمة العراقية السابقة. ولا أفهم لماذا تواصل الحكومة الإيرانية ظلم واضطهاد البهائيين بدلا من الاعتراف بديانتهم ومعاملتهم بوصفهم مواطنين إيرانيين لهم نفس حقوق باقي المواطنين.

لا يمكن لدول المنطقة أن تطالب المجتمع الدولي باحترامها وتقديرها في الوقت الذي تقوم هي بالتمييز ضد مواطنيها على أساس الدين والطائفة. فتعامل الدول مع مواطنيها هو المعيار الأساسي للتعامل الحقيقي معها من قبل دول العالم. أما العقود والتجارة وشركات الدعاية والعلاقات العامة فهي مجرد مصالح ونفاق وعمليات تجميل سرعان ما تتبخر عند أول أزمة.

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

جندي أوكراني مصاب يسير قرب موقع مخصص لإحباء ذكرى جنود كييف المقتولين في الغزو الروسي
جندي أوكراني مصاب يسير قرب موقع مخصص لإحباء ذكرى جنود كييف المقتولين في الغزو الروسي

يصادف يوم الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسمّاها عملية عسكرية خاصة، كان إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها، كييف، ومدنها الكبرى وإسقاط حكومتها وتنصيب أخرى موالية لموسكو ونزع سلاح الجيش الأوكراني واعتقال المئات، وربما الآلاف، من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم.

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل، أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير.

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو وهما فنلندا والسويد والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا.

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية.

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعياتها.

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية "إن المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أمانا" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي سوف تظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة.

ولذلك لم تكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب.

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك بوتين أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى.

في حين قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول إن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي، وفي الوقت ذاته فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي سوف تنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.