الشاعر المصري أحمد فؤاد نجم في تونس عام 2011
الشاعر المصري أحمد فؤاد نجم في تونس عام 2011

كوليت بهنا/

فيما تعتبر الاحتجاجات الشعبية والسماح في استعمال الشارع ومواكبة وسائل الإعلام لها في بعض بلدان العالم حقا عاما وشكلا من أشكال الديمقراطية وحرية التعبير ووسيلة "لتنفيس" الاحتقان العام، الذي ارتفعت وتيرته في عدد كبير من بلدان العالم مؤخرا نتيجة لغلاء المعيشة بشكل خاص، تحرم هذه الممارسات في بلدان أخرى كثيرة، ومن بينها معظم الدول العربية والإسلامية.

وتعتبر هذه الاحتجاجات خطوطا حمرا، ساهم التشدد المستمر والمضطرد في منعها أو سحقها بتوليد أشكال أخرى من وسائل التعبير والاحتجاج الآمنة نسبيا، فولدت النكتة من رحم القمع والاستبداد، وصقلت السنون والقهر حسّ السخرية لدى عامة الناس بمن فيهم أبسط البسطاء وأقلهم تعليما أو ثقافة أو أدلجة.

نجحت السخرية ببراعتها ورشاقتها في التغلغل في القص السردي العربي الشفهي أو المكتوب وفي الأمثال الشعبية المتوارثة عبر الأزمان والعصور، ولم ينج بعض الشعر العربي منها وأجمل ممن برع في السخرية الشاعر العباسي أبو النواس الذي اعترض على المقدمة التقليدية للشعر العربي بالوقوف على الأطلال، ودعا إلى تجديدها بما يتناسب مع عصره بقوله الساخر:

"قل لمن يبكي على رسمٍ دَرَس.. واقفاً ماضرَّ لو كان جلس"

اقرأ للكاتبة أيضا: ما شأننا و'بريكست'؟

في زمننا المعاصر، برع المصريون في التعبير عن السخرية بأشكالها السياسية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها، وسمحت هوامش حرية التعبير التي تفاوتت نسبتها بين نظام سياسي وآخر، بظهور مواهب كثيرة في الأدب والشعر والصحافة والكاريكاتور والدراما تمتلك حسا ساخرا فريدا، مثل الشاعر صلاح جاهين والشاعر أحمد فؤاد نجم الذي كتب على لسان الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك قصيدة طويلة بالعامية يمكن اعتبارها من أجمل تجليات السخرية، يقول في بعض أبياتها:

"يا شعبي حبيبي، يا روحي يا بيبي، يا حاطك في جيبي يا ابن الحلال.. يا شعبي يا شاطر، يا جابر خواطر، يا ساكن مقابر، وصابر وعال.. أحبك محشش، مفرفش مطنش، ودايخ مدوخ، وآخر انسطال.. وأحب اللي ينصب، وأحب اللي يكدب، وأحب اللي ينهب ويسرق تلال.. وأحبك تسافر وتبعد تهاجر وتبعت فلوسك دولار أو ريال".

كما برع كثير من "الساخرين" عبر أزمان مختلفة في بلاد الشام في التعبير عن هموم الشارع، وتفوقت أسماء في الموروث المحكي أو الأدب والشعر مثل القصاص الشعبي الفنان حكمت محسن والفنان نهاد قلعي والقاص حسيب كيالي والأديب محمد الماغوط في سوريا.

فيما تفرد لبنان ولايزال، وبسبب هامش حرية التعبير الأكبر عن سواه، بمواهب ساخرة كبيرة في عالم الصحافة والمسرح والبرامج التلفزيونية والزجل، مثل الفنان حسن علاء الدين المعروف بـ"شوشو" وزياد الرحباني.

أدركت الأنظمة السياسية العربية عبر الأزمان سحر "السخرية " وخطرها، فقامت بملاحقة بعض مواهبها وإسكاتهم، أو قامت في العصر الحديث بتوجيههم بما يخدم سياساتها، وكلفت عددا منهم في أفلام سينمائية أو برامج درامية ذات توجه ناقد ساخر لقيت قبولا شعبيا كبيرا، رغم أن الهدف من إنتاج هذه البرامج كان سياسة "الإسفنجة" القادرة على امتصاص الاحتقان الشعبي من جهة، والظهور بالمظهر الديمقراطي الذي يسمح بحرية التعبير من جهة أخرى. ورغم كل الحرص الرقابي العربي، مرت ضمن هذه البرامج بعض الأفكار الخلاّقة بروح ساخرة، اعتبرها المواطن العربي "فشة خلق" تخفف من همومه قبل النوم.

اليوم، حولت وسائل التواصل الاجتماعي ـ هبة العصر الحديث ـ جميع الناس إلى مشاركين وساخرين بما منحته من هامش مؤثر لممارسة حرية التعبير وتبادل الأفكار والصور الساخرة التي تنشط عقب كل حدث محلي أو عالمي أو تصريح لمسؤول ما، تحرك كلماته حس السخرية لدى شعبه الذي يرد عليه عبر هذه الوسائل بأسرع مما يتوقع، مثل الحملة الشعبية التي ترافقت بوسم #الحق-عالزجاجة، التي انطلقت في الأردن العام الفائت إثر تصريح رئيس الوزراء الأردني بأن الأردن سيخرج من عنق الزجاجة منتصف عام 2019 الجاري.

اقرأ للكاتبة أيضا: تجارة الصور الإلكترونية

كما يتنافس السوريون منذ سنوات في التعليقات أو الصور التي تسخر من وضعهم المعيشي المتردي، والتي ازدادت وتيرتها شتاء هذا العام الذي يعد الأكثر صقيعا من سنين، بسبب غلاء المعيشة الباهظ وشح التيار الكهربائي وبعض المواد الأولية وبشكل خاص الغاز الخاص بالتدفئة والاستعمالات المنزلية. فتبادل السوريون رسما لخاتم ذهبي استبدلت الماسة فوقه بأسطوانة غاز، أو التقطوا لأنفسهم صور "سيلفي" طريفة وخلفهم أسطوانات الغاز، وعبرت واحدة من الصور عن أجمل تجليات السخرية ظهرت فيها أسطوانة غاز مرفقة بأزرار رقمية كتب عليها "أدخل الرقم السري" وطفل يطلب من أبيه إعطاءه "الباسوورد" (كلمة السر) ليغلي كأس شاي.

السخرية التي وصفت بأنها أعلى درجات الفلسفة، ووصفت بالكوميديا السوداء والاحتجاج الناعم والتحايل على المفارقات واللعب مع الوجع، ستبقى لغة المسحوقين و"الغلابة" وصديقة الشعوب المقهورة، ومهما اتخذت من أشكال اجتماعية أو اقتصادية أو ثقافية، تبقى في جوهرها لغة سياسية سلمية ومؤثرة تحرض ابتسامتك المبللة بالدموع.

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

زاوية مستقلة
زاوية مستقلة

هذا هو مقالي الأخير في موقع "الحرة" بعد 6 سنوات تقريبا على كتابة الرأي والتحليل على هذه الصفحات. قرار الموقع وقف صفحة "من زاوية أخرى" سيحرمنا من زملاء ونصوص ألقت الضوء وتميزت في قراءة الحدث العربي والعالمي. 

ولو أنه قرارٌ محزن، فهو يواكب التغييرات الإعلامية والتكنولوجية التي تتبدل في الفضاء الإلكتروني. ففي عالم كثرت فيه الآراء، وأحيانا نقصت فيه الحقائق، وتسارعت فيه النقلة التكنولوجية نحو الفيديو والصور، باتت هذه الوسائل الشغل الشاغل لجيل Gen-Z وكيف يتلقى معلوماته. 

"تيكتوك" و"إنستغرام" استبدلا نجيب محفوظ وجبران خليل جبران. وتغريدات السطر الواحد على تويتر، استبدلت نصوص غسان تويني ونوال السعداوي.  مع ذلك، نغادر هذه الصفحة بحسرة وامتنان لكل ما قدمته الحرة لنا ككتاب، وكأصحاب رأي، أحيانا يتفق وفي كثير من الأحيان يختلف مع سياسة المحطة. 

فراغ "من زاوية أخرى" سيشعر به القارئ والقارئة العربية لناحية الموقف المستقل والذي لا يخضع لرقابة في الكتابة. فالحق يقال أنه وطوال السنوات الـ6 الفائتة وما يتخطى الـ200 مقال، لم يُحذف سطرٌ واحد من النص. 

على هذه الصفحة انتقدنا إيران وأميركا والسعودية وإسرائيل وقطر ومصر وروسيا والصين من دون أن يرن الهاتف لينقل الرسالة بحذف كلمات أو شطب المقال بالكامل. 

هذه الفسحة غير موجودة في أي موقع آخر ناطق باللغة العربية. فالمال الإعلامي بمعظمه حكومي في المنطقة وهذا يحمل معه أجندات ورقابة حكومية، كون الليبرالية الإعلامية غير متأسسة في العالم العربي. فأي موقع اليوم يتيح انتقاد مصر والسعودية وإيران في الوقت نفسه؟ لا شك أن السقف الإعلامي بات أضيق مما كان عليه بعد مع بزوغ الفضائيات العربية. اليوم، الصين وروسيا لهما كلمة في بعض وسائل الإعلام العربية في الدول "الصديقة." 

تسييس الإعلام العربي وضيق المساحة المستقلة هو بحد ذاته إذلال وخوف من المواطن، ووسيلة أخرى للتحكم بما يقرأ ويشاهد ويستمع. 

الكلمة لا تقتل ولا تهد مجتمعات، والنقاش والخلاف بالرأي يغني المجتمعات بدل أن يفسدها. هذا المفهوم سيأخذ عقوداً قبل أن يتحول واقعاً في العالم العربي، مع العلم بأن الانفتاح الاقتصادي سيحتم معه الانفتاح الإعلامي. 

سنفتقد هذه الصفحة، إنما نبقى على أمل بأن الاستقلالية والكلمة الحرة ستجد فسحة أو تغريدة أو تسجيلاً للوصول للمنطقة العربية. حتى ذلك الوقت، شكراً لـ"الحرة" وإلى اللقاء عبر منابرها الأخرى.