يستنفد مرض السكري نسبة مهمة من موارد العالم حيث تجاوزت كلفته 800 مليار دولار سنويا
يستنفد مرض السكري نسبة مهمة من موارد العالم حيث تجاوزت كلفته 800 مليار دولار سنويا

د. عماد بوظو/

خلال السنوات الأخيرة أصبح مرض السكري مشكلة عالمية ملحّة مع الارتفاع الحاد في عدد المصابين الذي قارب نصف مليار إنسان. من بين الدول العشر التي سجلت أعلى نسبة للإصابة هناك سبع دول عربية هي: السعودية والإمارات والبحرين وقطر والكويت وعمان ومصر، حيث تتراوح نسبة الإصابة عند البالغين من عمر 20 حتى 79 عاما بين 15 إلى أكثر من 20 في المئة، وأعداد المصابين في ازدياد سريع سنويا.

هذا يعني أن هناك مريضا بين كل 4 أشخاص تجاوزوا سن الخمسين، يُضاف لهم حالات ما قبل السكري ـ أي الأشخاص المعرضون للإصابة بالمرض وأعدادهم في المتوسط قريبة من أعداد المصابين. هكذا، تكاد لا تخلو أي عائلة في هذه البلدان من قريب يعاني من مرض السكري أو ما قبل السكري.

يستنفد هذا المرض نسبة مهمة من موارد العالم حيث تجاوزت كلفته 800 مليار دولار سنويا. تشكل في السعودية حصة مرض السكري 40 في المئة من ميزانية وزارة الصحة. في مصر، التي يتراوح عدد المصابين فيها بين 8 و11 مليونا، أنفق على مرض السكري عام 2015 بحدود 25.2 مليار جنيه، بينما تبلغ كامل موازنة وزارة الصحة 48 مليار جنيه، وهذا يوضح الكلفة الاقتصادية الباهظة لهذا المرض.

مرض السكري هو اضطراب في استقلاب سكر الدم (الغلوكوز) ناتج عن نقص الإنسولين أو انخفاض تجاوب الجسم له، مما يرفع سكر الدم الذي يؤدي بعد سنوات إلى أضرار بالأوعية الدموية الصغيرة والأعصاب تنعكس بمضاعفات خطيرة تشمل عددا من أعضاء الجسم الحيوية.

يوجد نوعان من السكري؛ يصيب النوع الأول الأطفال وأسبابه بشكل رئيسي تتعلق بالمناعة الذاتية، والنوع الثاني، أو سكري البالغين، والذي يشكل أكثر من 90 في المئة من مرضى السكر وهو موضوعنا.

تضاعف عدد المصابين مرض السكري في العالم، لكن الارتفاع في دول الخليج كان قياسيا

​​رغم أنه حتى الآن لا يوجد علاج نهائي لمرض السكري ولكن الفترة الطويلة في مرحلة ما قبل السكري، والمدة الطويلة نسبيا التي يحتاجها المستوى العالي من سكر الدم لكي يحدث آثاره الضارة على الأوعية الدموية والأعصاب وهي "بحدود 10 سنوات"، بالإضافة لتوفر عشرات الأصناف من الأدوية الخافضة لسكر الدم، ومنها حقن الإنسولين عندما لا تكفي الأدوية التقليدية لتنظيم السكر، كلها تجعل من إمكانية أن يعيش مريض السكري حياة طبيعية مديدة أمرا ممكنا، ولذلك فإن مرض السكري من الأمثلة على نجاح الطب في تغيير حياة ومصير مئات ملايين البشر نحو الأفضل.

اقرأ للكاتب أيضا: مواجهة عبر الموسيقى بين التشدد والاعتدال

تضاعف عدد المصابين بمرض السكري في العالم، لكن الارتفاع في دول الخليج كان قياسيا. فقد كانت نسبة الإصابة به قبل الثمانينيات أقل من 5 في المئة، بشكل قريب من وضع مرض السكري في اليمن عام 2013 حين كانت نسبة الإصابة منخفضة إلى حدود 3 في المئة فقط، أي أن انتشارا وبائيا لمرض السكري قد اجتاح دول الخليج منذ عقد الثمانينيات. ولم تقتصر الإصابة في دول الخليج على المواطنين بل شملت كذلك الوافدين، فكل من عمل هناك أصبح عرضة للإصابة بمرض السكري بشكل يتناسب طردا مع طول مدة إقامته هناك.

يتوجب على الحكومات تقديم وجبات صحية للأطفال والطلاب في جميع مراحل التعليم

​​في الثمانينيات حدثت فورة أسعار النفط وارتفع دخل دول الخليج بشكل كبير، ما انعكس على نمط الحياة، من انخفاض في النشاط الجسدي لمواطني هذه الدول مع استقدام العمالة من الخارج لتقوم بالأعمال التي تتطلب أقل مجهود عضلي، وتغيير في نوعية وكمية الطعام الذي يتناوله أبناء هذه البلاد، كما ترافق هذا الثراء مع انتشار شكل متشدد من التدين، أدى إلى توقف الكثير من النشاطات الاجتماعية والثقافية، فقد أغلقت دور السينما في بعض الدول وانخفض عدد روادها في بعضها الآخر، كما قلّت أو توقفت النشاطات الفنية كالحفلات الموسيقية أو المسرحيات والمعارض الفنية. حتى الرياضة لم تسلم من هجوم المتشددين، خصوصا على الشباب الذين كانوا يتابعون المباريات الدولية حيث اعتبر رجال الدين أن هذه الهوايات غير مستحبّة لأنها تلهي عن العبادات. بهذا المعنى، لم يبق مباحا أمام أبناء هذه البلاد سوى الطعام، لذلك كان يتم التفنن فيه للتعويض عن غياب كل ما يمكن أن يدخل البهجة إلى القلوب، فانتشرت مظاهر مبالغ فيها من الإسراف والتبذير.

كما تغير نمط حياة الأطفال والمراهقين حيث استبدل اللعب مع الأقرباء والأصدقاء في الحارات بالتسمّر أمام الشاشات في الغرف لممارسة الألعاب الإلكترونية، كما تعودت ذائقتهم منذ الطفولة على أنواع من الحلويات والأطعمة الدسمة مما جعل السيطرة على هذه الشهية وعلى تفضيلهم لهذه الأنواع من الطعام فيما بعد بالغ الصعوبة، فارتفعت نسبة السمنة وتهيأت الأرضية للإصابة بالسكري.

أما في مصر فقد انتشر السكري بين سكان المدن وبشكل خاص عند الطبقات الأدنى دخلا، لأربع أضعاف سكان الأرياف. قالت صحيفة واشنطن بوست "إن معدلات انتشار مرض السكري قد ارتفعت بشدة خلال السنوات الماضية، لكن الفئة السكانية التي تتعرض للمرض قد تغيرت، من مشكلة تصيب الدول الغنية إلى طاعون يضاف إلى الويلات التي تعاني منها الدول الفقيرة". كان السبب في ذلك أن الناس عندما كانوا في الأرياف كان طعامهم يتكون من الخضار والفواكه الطازجة المتوفرة والرخيصة وكانوا يتنقلون مشيا على الأقدام ويقومون بأعمال تتطلب مجهودا عضليا، ولكنهم فقدوا كل ذلك عند انتقالهم للسكن في المدن، ومع فقرهم أصبحت إمكانية حصولهم على أغذية صحية أقل احتمالا.

مرض السكري الذي يصيب سنويا ملايين الأشخاص في الشرق الأوسط، ويستنزف جزءا كبيرا من ميزانية دولها، بالإمكان الوقاية منه ومنع حدوث تداعياته وجعل المصاب يعيش حياة طبيعية بتكاليف أقل، وذلك عير تغيير نمط التغذية وممارسة الرياضة ومكافحة السمنة والابتعاد عن التدخين والمشروبات الكحولية وإقامة الدورات التثقيفية والندوات واستخدام وسائل الإعلام للتوعية بالسكري ومشاركة الجمعيات الأهلية في هذه النشاطات. ولكن، هذه الوسائل رغم أهميتها، غير كافية للتعامل مع المرحلة الوبائية التي وصل إليها انتشار مرض السكري في هذه البلدان، ولا بد من إجراءات حكومية تتناسب مع حجم المشكلة.

على رأس هذه الإجراءات اعتبار جميع السكان مصابين بمرض السكري من ناحية الالتزام بالحمية الغذائية والرياضة، بدل الاستمرار في حياة الشراهة والكسل حتى ظهور أعراض المرض للقيام بذلك، وتوفير التحاليل المجانية لجميع المواطنين وابتكار وسائل لتشجيع أوسع شريحة من السكان على إجرائها، وجعلها إلزامية عند الفئات الأكثر عرضة للإصابة بالمرض مثل أصحاب الوزن الزائد أو من لديهم قريب مصاب بالمرض.

على الإدارات المعنية زيادة ساعات الرياضة في المدارس للفتيان والفتيات ودراسة تخصيص وقت للرياضة في أماكن العمل

​​كما يتوجب على الحكومات تقديم وجبات صحية للأطفال والطلاب في جميع مراحل التعليم، وللموظفين في أماكن العمل، حتى يكون هناك قدر من الإشراف الحكومي على التغذية في محاولة لتوجيه المجتمع نحو الطعام الصحي، كذلك فرض رقابة على المنتجات الغذائية التي يتم تحضيرها محليا في المعامل أو المطاعم أو ما يتم استيراده من الخارج لمنع الأصناف التي تحوي نسبة عالية من الدسم أو السعرات الحرارية وبشكل خاص الأطعمة والحلويات التي تقدم للأطفال.

وعلى الحكومات العمل على تجنب الوجبات السريعة غير الصحية الرائجة في دول الغرب واستبدالها بما يطلق عليه اسم غذاء البحر المتوسط، المكون من الخضار والفواكه الطازجة وزيت الزيتون، إذ يمكن استنادا لهذه المكونات مع أنواع مناسبة من اللحوم تحضير وجبات صحية ولذيذة الطعم؛ ومما يؤكد على فوائد غذاء البحر المتوسط أن إيطاليا واليونان من بين الدول الأوروبية ذات المعدل المنخفض للإصابة بمرض السكري، وللتشجيع على استخدام هذا النوع من الأغذية من الممكن فرض رسوم على الزيوت والسمون المهدرجة والسكر والدقيق الأبيض والوجبات والعصائر الجاهزة، مقابل دعم أسعار الخضار والفواكه ودقيق القمح الكامل وأمثالها من الأغذية الصحية.

اقرأ للكاتب أيضا: هل أصبح العالم فعلا ثنائي القطب؟

وعلى الإدارات المعنية في الحكومة زيادة ساعات الرياضة في المدارس للفتيان والفتيات ودراسة تخصيص وقت للرياضة في أماكن العمل، والتشجيع على الانفتاح الاجتماعي وتنظيم نشاطات رياضية وثقافية مختلفة مثل المسيرات الصباحية والمسائية لجميع الأعمار ومن الجنسين، وهو ما يجعل الرجال والنساء أكثر اهتماما بمظهرهم ووزنهم بدل الحياة في أجواء مغلقة ولبس ملابس واسعة لإخفاء السمنة للإيحاء بأن كل شيء على ما يرام في الوقت الذي تتغلغل فيه الأمراض الصامتة والخطيرة داخل الجسم.

هناك دولة تتفوق على دول الخليج وتحتل المرتبة الأولى عالميا في انتشار مرض السكري وهي جزيرة في المحيط الهادي اسمها ناورو عدد سكانها 15 ألفا جميعهم أصبحوا مصابين بالسكري نتيجة اعتمادهم في غذائهم على أطعمة محفوظة تأتيهم كمساعدات دولية بما يوضح مخاطر هذا النوع من الغذاء، والوضع في بعض الدول العربية لن يختلف عن هذا المصير إذا ما استمرت على نمط حياتها الحالي، ولذلك مهما ارتفعت تكاليف هذه الأساليب الوقائية فإنها تبقى أقل بكثير من كلفة المرض نفسه.

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

جندي أوكراني مصاب يسير قرب موقع مخصص لإحباء ذكرى جنود كييف المقتولين في الغزو الروسي
جندي أوكراني مصاب يسير قرب موقع مخصص لإحباء ذكرى جنود كييف المقتولين في الغزو الروسي

يصادف يوم الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسمّاها عملية عسكرية خاصة، كان إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها، كييف، ومدنها الكبرى وإسقاط حكومتها وتنصيب أخرى موالية لموسكو ونزع سلاح الجيش الأوكراني واعتقال المئات، وربما الآلاف، من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم.

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل، أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير.

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو وهما فنلندا والسويد والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا.

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية.

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعياتها.

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية "إن المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أمانا" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي سوف تظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة.

ولذلك لم تكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب.

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك بوتين أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى.

في حين قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول إن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي، وفي الوقت ذاته فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي سوف تنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.