حين أقارن أحلام صغيرتي، التي تعتز بأميركيتها وتفتخر في الوقت ذاته بأصولها الأفريقية، بطموحاتي في سنين الطفولة، لا أجد فيهما اختلافا كبيرا
حين أقارن أحلام صغيرتي، التي تعتز بأميركيتها وتفتخر في الوقت ذاته بأصولها الأفريقية، بطموحاتي في سنين الطفولة، لا أجد فيهما اختلافا كبيرا

منصور الحاج/

لطالما كانت طموحات صغيرتي ذات الأعوام السبعة محل إعجاب ومدخلا للسرور إلى قلبي؛ فعلى الرغم من حداثة سنها إلا أن أحلامها ليس لها حدود. صغيرتي التي تعشق العلوم والرسم والغناء تطمح أن تكون عالمة فلك وتفكر في اكتشاف كواكب جديدة، وقررت تسمية إحداها باسمي.

أحلام مريم "الصغرى" قد لا تختلف عن أحلام قريناتها في أي مكان في هذا العالم. فالأطفال لا يعترفون بالحدود أو الفوارق ويخترق خيالهم كل الجدران ويعلو فوق كل الحواجز والأسقف. لا تتردد صغيرتي أبدا ولا تتوانى في التعبير عن اعتراضها على سياسات الرئيس دونالد ترامب وخاصة مواقفه تجاه الأجانب، بل وحتى على شخصيته وطريقة إدارته للبلاد؛ وقد حزنت كثيرا حين لم تفز مرشحة الحزب الديمقراطي هيلاري كلينتون برئاسة الولايات المتحدة وأخبرتني حينها أن كلينتون كانت الأجدر بقيادة البلاد.

إن حق صغيرتي الأميركية في الحلم، لا يتقيد بميول من يحكم أميركا إنما يستند إلى دستور يعطي الجميع الحق في الحياة والحرية

​​وحين أقارن أحلام صغيرتي، التي تعتز بأميركيتها وتفتخر في الوقت ذاته بأصولها الأفريقية، بطموحاتي في سنين الطفولة، لا أجد فيهما اختلافا كبيرا. فقد كنت أحب الغناء وكانت أول أمنية لي أن أصبح ملكا، ولكن سرعان ما تلاشى ذلك الحلم حين أخبرتني أمي، مريم "الكبرى"، باستحالة تحقق ذلك؛ فتبنيت حلما آخرا وقررت أن أصبح طيارا، ربما للتحليق في فضاءات لا نهائية لا تعترف بأي حدود للأمنيات.

اقرأ للكاتب أيضا: 'تسقط تسقط تسقط بس'

صغيرتي تؤمن بقدراتها وتعرف ما تحب وما لا تحب. فحين أطلب منها تقييم موهبتي الغنائية، لا تتردد في منحي درجات متدنية والإشارة إلى أن حدة نبرة صوتي أو فرط النعومة فيه. وحين نتسابق من المصعد إلى باب الشقة، تركض بأقصى سرعتها لتسبقني في الوصول إليه.

طموحات صغيرتي أحلام مشروعة لكل أطفال العالم، لكنها عادة ما تتكسر أمام جدران القيود التي يفرضها واقع بعض المجتمعات، وتطال هذه القيود الأقليات بشكل خاص، التي لا يتمتع أفرادها بحقوق كالتي تتوفر في الدول المتقدمة الحريصة على تعزيز مبدأ المساواة بين جميع الطبقات والشرائح من أجل خلق بيئة صحية تتيح فرصا متساوية لجميع المواطنين والمواطنات لتحقيق الأحلام التي يصبون إليها.

سعيدة الحظ هي صغيرتي، لأنها ولدت ونشأت في دولة لا تساوي فقط بين أبنائها بل تحرص أيضا على تقديم نماذج مشرفة في شتى المجالات وتفخر بأبنائها وبناتها المنتمين إلى الأقليات المختلفة الذين تمكنوا من الوصول إلى مناصب رفيعة وحققوا نجاحات كبيرة لإثبات أن الحق في الحلم والطموح لا يجب أن يقتصر على شرائح معينة.

إن وصول الأميركية من أصول صومالية إلهان عمر وزميلتها رشيدة طالب صاحبة الأصول الفلسطينية بعضوية مجلس النواب الأميركي مثالان بسيطان يؤكدان أن أميركا هي بلد الأحلام لجميع أبناء الأقليات، مهما حاول المشككون تشويه صورة البلاد والترويج بأن وصول ترامب إلى الحكم أنهى معه أحلام كل أبناء اللاجئين المهاجرين والأجانب.

تؤمن صغيرتي أن من حقها أن تحلم وأن حظوظها في تحقيق ما تطمح إليه لا تتوقف على مزاج الحاكم أو شخصية المسؤولين

​​إن حق صغيرتي الأميركية في الحلم، لا يتقيد بميول من يحكم أميركا إنما يستند إلى دستور يعطي الجميع الحق في الحياة والحرية والسعي نحو تحقيق الرخاء والرفاهية في وطن، شاءت الأقدار أن يكون مسقط رأسها داخل حدوده، وهو حق يشملني أنا أيضا المهاجر الذي حالفه الحظ بالفوز في برنامج الهجرة، وكذلك ابني المولود في تشاد والناشئ في السودان، الذي حصل على الجنسية بسببي، ويدرك الآن أن بإمكانه تحقيق كل أحلامه بالجد والاجتهاد والتفاني في سبيل ذلك. ويؤمن أن لون بشرته وأصله وديانته قد تمثل تحديا، لكنها ليست موانع تلقائية تحول دون وصوله إلى ما يطمح للوصول إليه.

اقرأ للكاتب أيضا: تعددت الرقصات والإحساس واحد (2)

وبالإضافة إلى تغير واقعي وواقع أبنائي بسبب وصولي إلى الولايات المتحدة، فقد تغير أيضا واقع والدتي، التي تمكنت من الحصول على الإقامة الدائمة في الولايات المتحدة بسببي، والتي قامت بدورها بإحضار شقيقاي وهما في مقتبل العمر، ويدركان الآن أن بإمكانهما تحقيق كل ما يطمحان إليه لو بذلا الجهد اللازم واستوفيا الشروط المطلوبة.

تشابهت أحلامي وأحلام مريم كحال أحلام معظم الأطفال في أي مكان، وفي الوقت الذي اصطدمت فيه أحلامي بجدران الأنظمة العنصرية التي لا تساوي بين مواطنيها، تؤمن صغيرتي أن من حقها أن تحلم وأن حظوظها في تحقيق ما تطمح إليه لا تتوقف على مزاج الحاكم أو شخصية المسؤولين وإنما على قوانين وأنظمة ودستور يساوي فعليا بين البشر ويحرص على تعزيز التنوع الثقافي والعرقي ومساعدة أبناء الأقليات على تحقيق أمنياتهم وأحلاهم.

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

جندي أوكراني مصاب يسير قرب موقع مخصص لإحباء ذكرى جنود كييف المقتولين في الغزو الروسي
جندي أوكراني مصاب يسير قرب موقع مخصص لإحباء ذكرى جنود كييف المقتولين في الغزو الروسي

يصادف يوم الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسمّاها عملية عسكرية خاصة، كان إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها، كييف، ومدنها الكبرى وإسقاط حكومتها وتنصيب أخرى موالية لموسكو ونزع سلاح الجيش الأوكراني واعتقال المئات، وربما الآلاف، من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم.

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل، أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير.

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو وهما فنلندا والسويد والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا.

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية.

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعياتها.

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية "إن المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أمانا" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي سوف تظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة.

ولذلك لم تكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب.

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك بوتين أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى.

في حين قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول إن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي، وفي الوقت ذاته فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي سوف تنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.