طفل عراقي كردي يلعب بطائرة من ورق في ساحة أربيل
طفل عراقي كردي يلعب بطائرة من ورق في ساحة أربيل

رستم محمود/

طوال الشهور الثلاثة الماضية، بقيت مشغولا بالإعداد لفيلم وثائقي يحكي قصة مشاركة السياسي الكردي العراقي المخضرم الدكتور محمود عثمان في العشرات من جولات المفاوضات بين الحركة القومية الكردية ومختلف السلطات والحكومات المركزية في العراق، منذ أوائل الستينيات وحتى الراهن. اطلعت خلال فترة الإعداد هذه على العشرات من الكتب والبحوث والمئات من الوثائق المتعلقة بالموضوع، وقابلت العديد من الشهود من مختلف الحساسيات والجهات السياسية.

سيرة محمود عثمان السياسية، الذي كان قياديا في الحزب الديمقراطي الكردستاني العراقي منذ أوائل الستينيات من القرن المنصرم، الحزب الذي قاد الحركة القومية التحررية الكردية في العراق، وبقي عثمان في ذلك الموقع لعقود، ثم غدا مؤسسا وأمينا عاما للحزب الاشتراكي الكردستاني، إلى أن تخلى عن الحياة الحزبية وأصبح سياسيا كرديا عراقيا مستقلا منذ أواسط التسعينيات.

حافظت الثنائية الجامدة، بين سلطة مركزية متهافتة للهيمنة، ونزعة قومية كردية ساعية لأكبر قدر من الاستقلال عن المركز، على طاقتها وأدواتها على الدوام

​​تشكل سيرته السياسية طوال هذه العقود المديدة شهادة حاضرة على العلاقة المُركبة والمعقدة والمستعصية بين الحركة القومية الكردية والسلطة و"الدولة" العراقية، وبالتالي تكشف الكثير من الطبائع والخصائص الجوهرية لهوية الكيان وبُنية السلطة في العراق الحديث، وفيها مؤشرات على نمط وديناميكية العلاقة بين المكونات المُجتمعية والجهوية والمناطقية العراقية، التي تعتبر بدورها مثالا ونموذجا عما يُماثلها من علاقات في دول الجوار والمنطقة.

حينما يسرد الدكتور محمود عثمان سير تلك الجولات من المفاوضات، يحس المرء وكأنه ثمة حلقات متطابقة من تلك الجولات، تستعاد وكأنها نفسها كل مرة، بوتيرة عقدية تقريبا، تتجدد فيها نفس القضايا والخلافات التي كانت وما تزال بين الطرفين.

شكلت قضايا الصراع على تابعية محافظة كركوك، وباقي المناطق المتنازع على هويتها وعائديتها بين الكرد وهذه السلطة المركزية، وكذلك على شكل الدولة العراقية وهويتها الرمزية وطبيعة قراراها الاستراتيجي وموقعها وموقفها من التناقضات والصراعات الإقليمية، بالذات فيما خص دور الكرد وباقي الجماعات الأهلية غير المركزية في هذه الدولة ومواثيقها التأسيسية ومؤسساتها التشريعية والتنفيذية، بالإضافة إلى لطبيعة ديناميكيات العمل السياسي الداخلي، مثل الحريات العامة والمدنية، شكلت جوهر التصارع الدائم وشبه المفتوح بين الكرد والسلطة المركزية في العراق.

طوال ثلاثة أرباع قرن تواتر ذلك الصراع بين شكليه المسلح ونظيره السياسي التفاوضي على الدوام، لكنه حافظ على حضوره وحيويته الدائمة، دون أن يلاقي حلولا واضحة ونهائية قط. حتى يبدو ذلك الصراع وكأنه الهوية الأبرز الدالة على هذا الكيان العراقي.

الدكتور محمود عثمان مع حفيده

​​خلال هذه السنوات نازعت الدولة والسلطة المركزية العراقية عديد أنماط الحكم والأيديولوجيات، من ملكية أبوية برجوازية، منذ التأسيس وحتى النصف الثاني من الخمسينيات، ومن ثورية وطنية بدءا من انقلاب عبد الكريم قاسم عام 1958 على تلك الملكية، ومرورا بالقوميين العسكريين الذين انقلبوا على قاسم نفسه عام 1963، وطوال عقود السلطوية الدكتاتورية أثناء حكم صدام حسين، وانتهاء بنمط الهيمنة الطائفية منذ العام 2003 وحتى الراهن. طوال تلك السنين تغير الشكل الظاهر للدولة والسلطة المركزية في العراق عشرات المرات، لكن تلك القضايا التي كانت تجر الكرد والسلطة المركزية إلى صراع شبه دائم، بقيت محافظة على حضورها وحيويتها الدائمة.

صحيح أن الكرد قد توصلوا إلى عشرات الاتفاقيات والمعاهدات والمواثيق مع مختلف هذه السلطات المركزية، منذ إعلان عبد الكريم قاسم الدستوري عن شراكة الكرد والعرب في الدولة العراقية، مرورا بيان العاشر من شباط/فبراير عام 1964 مع حكومة عبد السلام عارف، وحتى بيان آذار/مارس الشهير عام 1970 الذي تعهد فيه البعثيون بمنح الكرد حكما ذاتيا، وليس انتهاء بتوافقات عام 1991 ودستور عام 2005؛ لكنها جميعا كانت خالية من أي مضمون ذو معنى.

إذ على الدوام كان ثمة ديناميكية في شكل تعامل السلطة المركزية مع التطلعات والمطالب الكردية. كانت هذه السلطة تستجيب للمطالب الكردية حينما تكون هذه السلطة في شهورها وسنواتها التأسيسية، حينما لا تكون مستقرة وواثقة من نفسها بما فيه الكفاية؛ لكنها ما تلبث أن تتملص من ذلك، وتستعيد غريزة الهيمنة من جديد، وتفعل كثير الأشياء في سبيل ذلك.

لم تفعل مختلف أنظمة الحكم العراقية المركزية ذلك فقط لنزعة قومية عربية في ذاتها، وإن كانت كلها تستحوذ على قدر واضحٍ من تلك النزعة، بل أولا لمّا كانت، وما تزال، تعتقد هذه السلطة أن مساحة الاستقلالية والشراكة الكردية لها في السلطة، مثلها مثل أية استقلالية أو شراكة لأية جماعة أو جهوية عراقية أخرى، إنما تشكل خطرا عضويا ودائما على مركزية وديمومة هذه السلطة.

إذ كان الكرد بنسبتهم الديموغرافية ومنطقتهم الجغرافية العصية، والروح القومية العصبوية الجامعة فيما بينهم، كانوا يشكلون تحديا دائما ومتولدا لأية سلطة عراقية ساعية للمركزية والهيمنة على الكيان العراقي.

صحيح أن الكرد قد توصلوا إلى عشرات الاتفاقيات مع مختلف السلطات المركزية لكنها كانت خالية من أي مضمون ذو معنى

​​لكن الدلالة الأعمق لهذا السياق التاريخي إنما تشير إلى استعصاء حدوث أي تراكم للتنمية السياسية والمُجتمعية والدولتية في هذا الكيان. إذ بقيت هذه الثنائية الجامدة، بين سلطة مركزية متهافتة للهيمنة، ونزعة قومية كردية جهوية ساعية لأكبر قدر من الاستقلال عن هذا المركز، بقيت هذه الثنائية محافظة على طاقتها وأدواتها على الدوام؛ دون أن تتأثر بحركة التاريخ المتطور والمتغير باستطراد، أو أن تتأثر بالتجارب العالمية التي اجترحت عشرات النماذج والمبادرات الرائدة في هذا المجال.

لم ينتج استعصاء التراكم في التجربة العراقية من خصائص ذاتية في المجتمع العراقي، بل من طيف من الأسباب والعوامل الفاعلة، داخل الكيان العراقي ومحيطه القريب.

فنموذج الاقتصاد النفطي الريعي، الذي لا يشيد إلا ملايين العاطلين عن العمل، الذين لا يُستوعبون إلا في الجيوش والمؤسسات الأمنية والميليشوية يدفع على الدوام إلى ذلك. كذلك يفعل وقوع العراق في البرزخ الفاصل بين ضفتي العالم الإسلامي المتصارعتين، السُنيّة والشيعية. ولعوامل أكثر تركيبا، تتعلق بتأثيرات المسألة الكردية في دول الجوار مثلا، وإرث الذاكرة الدموية المشتركة العصية على النسيان بسهولة.

أثناء تصوير الفيلم، بقيت جالسا قبالة الدكتور محمود عثمان لساعات طويلة، إلى أن وصلت للسؤال الأخير: "لكن بعد كل هذا، ما الأفق!". وقتها صار الدكتور محمود يتنهد بعمق، وكانت عيناه اللامعتان تقول شيئا مطابقا لباقي الآلام العراقية، من أهل الموصل الذين لا يلقون بيوتا يسكنون فيها، إلى أهل البصرة الذين لا يجدون ماء صالحة للشرب.

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

جندي أوكراني مصاب يسير قرب موقع مخصص لإحباء ذكرى جنود كييف المقتولين في الغزو الروسي
جندي أوكراني مصاب يسير قرب موقع مخصص لإحباء ذكرى جنود كييف المقتولين في الغزو الروسي

يصادف يوم الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسمّاها عملية عسكرية خاصة، كان إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها، كييف، ومدنها الكبرى وإسقاط حكومتها وتنصيب أخرى موالية لموسكو ونزع سلاح الجيش الأوكراني واعتقال المئات، وربما الآلاف، من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم.

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل، أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير.

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو وهما فنلندا والسويد والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا.

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية.

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعياتها.

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية "إن المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أمانا" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي سوف تظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة.

ولذلك لم تكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب.

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك بوتين أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى.

في حين قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول إن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي، وفي الوقت ذاته فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي سوف تنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.