هارب من المعارك مع داعش في ريف دير الزور
هارب من المعارك مع داعش في ريف دير الزور

عبد الحفيظ شرف/

كعادته، يفاجئ الرئيس الأميركي دونالد ترامب الجميع بخطواته وسياساته؛ فهو سياسي غير تقليدي جاء من بيئة العمل والأعمال وهي طبقة تعرف مصلحتها بشكل واضح وتعمل بشكل جدي وتعرف ما تريد وتفعل دون مواربة أو تردد وهذا ما لم تعتد عليه واشنطن ولا العالم من قبل.

فالرجل قام بخطوة ستعقد المشهد السوري وستزيد من تداخل وتشابك المصالح الدولية. ولكنها قد تكون في مصلحة الولايات المتحدة، كما يراها ترامب، فالانسحاب الأميركي المفاجئ لكثيرين، وهو في الحقيقة كان مرتقبا ومتوقعا، وسيؤجج صراعات النفوذ على الأرض السورية. وهذه قد تكون خطوة في غاية الذكاء والدهاء السياسي، إذ ستدخل الدول الحليفة للنظام السوري في أزمة بينية كبيرة، فروسيا وإيران ليستا على توافق تام في سوريا ولكل منهما أهدافه وسياساته الخاصة.

ستتعمق الأزمة السورية أكثر وأكثر، وستبدأ التحركات العملية على الأرض بعد اكتمال الانسحاب الأميركي. ستسعى تركيا جاهدة لملأ الفراغ في شرق الفرات، ولكنها إذا ما تدخلت عسكريا فستكون في مواجهة مباشرة مع حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، الذي تعتبره أنقرة امتدادا لحزب العمال الكردستاني. وتركيا لا تريد أن تكون في خط المواجهة الأول مع هذا الحزب.

يجبر الانسحاب الأميركي إيران على الانخراط بشكل أكبر في سوريا وهذا يعني مزيدا من الإنفاق والتدهو الاقتصادي

​​من هنا، أعتقد أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان سيسعى للتواجد قريبا من حدود بلاده ولن يرسل قواته عميقا في الداخل السوري، فهو قد يدخل بعض المدن الحدودية الهامة وستتمركز قواته على شريط الحدود الطويل شرقي الفرات.

لكنه سيسعى جاهدا لترسيخ صفقة سياسية تدخل على إثرها قوات تعتبرها أنقرة معتدلة كقوات البشمركة العراقية أو غيرها، وعندها ستعمل هذه القوات كحاجز صد بين تركيا وبين حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي وقوات حماية الشعب.

اقرأ للكاتب أيضا: '2019'.. سوريا إلى أين؟

ولكن إذا لم تنجح تركيا في إبرام مثل هكذا صفقة فسيدخل الجيش التركي في مواجهة، قد تكون طويلة الأمد مع هذا الحزب وستصب في هذا خدمة للنظام السوري لأنه سيريحه من عبء القوات الكردية المتواجدة في الشرق السوري وهذا ما يدركه أردوغان.

أما إيران، فتعيش وضعا اقتصاديا مزريا بسبب العقوبات الأميركية المفروضة عليها، وهي تريد تقليص نفقاتها العسكرية خارجيا سواء في اليمن أو في العراق وسوريا وهذا كان مخطط آيات الله في طهران؛ ولكن الانسحاب الأميركي أربك هذا التوجه مما سيضطر إيران إلى الانخراط بشكل أكبر في سوريا، وهذا يعني مزيدا من الإنفاق ومزيدا من التدهور الاقتصادي الإيراني، وهذا يعد أحد أهم أهداف ترامب من الانسحاب من الداخل السوري.

كما سينفذ الجيش الاسرائيلي مزيدا من العمليات الجوية التي تستهدف التواجد الإيراني في سوريا لأن إسرائيل لا تريد أن تسمح بمزيد من القواعد العسكرية الإيرانية في سوريا وستكون أغلب القواعد الجديدة المنشأة حديثا هدفا لضربات سلاح الجو الإسرائيلي.

سيشكل الكرد أزمة كبيرة بين روسيا وإيران؛ فإيران تشترك مع تركيا في هدف التخلص من الأكراد لأنها تعتبرهم تهديدا داخليا لها كذلك. ولكن روسيا ستعمل على إنقاذ الأكراد والحفاظ عليهم وستسعى جاهدة لحمايتهم، فهي قد تستخدمهم كقوة حليفة لها على الأرض من خلال دعمهم عسكريا وماليا، لأن روسيا لا تثق في النظام السوري بالمطلق، لا بد لها من حليف آخر في سوريا يعمل لصالح أجندتها.

قد تستخدم روسيا الأكراد في المستقبل كورقة ضغط كبرى ضد الأسد، الذي سيوضع مع تطور الأزمة السورية تحت اختبار صعب للغاية وهو الاختيار بين روسيا وإيران. تستعد روسيا لهذه اللحظة لأنها تعرف أن الأسد لا يستطيع تجاوز إيران فهي تمسك بخيوط النظام السوري.

كذلك، ستسعى عدد من الدول الأوربية لاحتضان القوات الكردية ومدها بالمال والعتاد لقطع الطريق على روسيا، التي ستحاول أن تستغل الظروف الراهنة للالتفاف وحصد المزيد من المكاسب السياسية.

سيكون الانسحاب الأميركي مضرا للنظام السوري ولإيران وبمصالح إسرائيل

​​أعتقد أن الانسحاب الأميركي من سوريا، سيكون مضرا جدا للنظام السوري الذي كان يحاول اللعب على أوتار المعادلات الدولية بين روسيا وأميركا وقد فقد هذه الورقة حاليا. وعليه، ستتحول المعادلة إلى روسية ـ إيرانية ـ تركية وهي خطوة قد تعقد المشهد كثيرا إذا ما زاد الصراع البيني الداخلي بين روسيا وإيران.

كما أعتقد أن الانسحاب الأميركي سيستنزف روسيا وإيران وتركيا في الشرق السوري وسيضعهم في مواجهة مباشرة مع الأكراد ومع داعش التي ما لبثت تتلقف الفرص هنا وهناك لتعود من جديد، ولكن لن يكون لها هذا فالجميع في العالم متفق على إنهاء هذا التنظيم الإرهابي الذي ارتكب أبشع الجرائم وهذه نقطة اتفاق تجمع كل الفرقاء الدوليين.

اقرأ للكاتب أيضا: 'ميلاد مجيد وعام سعيد' خطيئة أم حسن خلق؟

سيكون هذا الانسحاب بالمجمل، وكاستنتاج مختصر، مضرا للنظام السوري ولإيران وبمصالح إسرائيل، وسيشكل عنصر ضغط كبير على الاقتصاد الإيراني ولكنه يبدو مفيدا لتركيا وروسيا. فالأتراك يريدون حل الأزمة السورية على طريقتهم وحماية حدودهم وبلادهم وأمنهم القومي؛ والروس يريدون كسب القوات الكردية إلى صفهم والانفراد بالنفوذ في سوريا ويحاولون كسب ورقة جديدة لم يدفعوا فيها قرشا واحدا وهي القوات الكردية.

وعليه نعود إلى المعتاد في سوريا، وهو التشابك غير المفهوم للمصالح، فهذا البلد الصغير استطاع بأعجوبة أن يخلط كل التحالفات والمصالح على مستوى الإقليم والعالم.

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

جندي أوكراني مصاب يسير قرب موقع مخصص لإحباء ذكرى جنود كييف المقتولين في الغزو الروسي
جندي أوكراني مصاب يسير قرب موقع مخصص لإحباء ذكرى جنود كييف المقتولين في الغزو الروسي

يصادف يوم الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسمّاها عملية عسكرية خاصة، كان إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها، كييف، ومدنها الكبرى وإسقاط حكومتها وتنصيب أخرى موالية لموسكو ونزع سلاح الجيش الأوكراني واعتقال المئات، وربما الآلاف، من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم.

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل، أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير.

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو وهما فنلندا والسويد والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا.

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية.

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعياتها.

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية "إن المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أمانا" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي سوف تظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة.

ولذلك لم تكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب.

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك بوتين أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى.

في حين قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول إن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي، وفي الوقت ذاته فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي سوف تنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.