صياد أفغاني في نهر كابول
صياد أفغاني في نهر كابول

حسن منيمنة/

كان يطيب للرئيس السابق للولايات المتحدة، باراك أوباما، في سياق طعنه المتواصل بسياسات سلفه جورج دبليو بوش، أن يطلق على الحرب في العراق صفة "الحرب الاختيارية"، انطلاقا من قراءة تعتبر أن خوضها جاء بناء حسابات لم تكن تلزم واشنطن أن تتحرك، حيث أن نظام صدام حسين لم يكن يشكل تهديدا فوريا للولايات المتحدة.

وفي المقابل، من وجهة النظر التي اعتمدها أوباما، فإن الحرب في أفغانستان كانت حرب الضرورة، ذلك أنها جاءت ردا على اعتداءات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر وكانت تهدف إلى تدمير العصب الحيوي للإرهاب الدولي والذي يمثله وجود تنظيم القاعدة في تلك البلاد.

النتيجة كانت أطول حرب في تاريخ الولايات المتحدة، سبعة عشر عاما من القتال والكرّ والفرّ، من محاولات بناء دولة مستقرة في أفغانستان، ومن قرب اندثار لحركة طالبان، يتبعه انبعاث لها وسيطرة على المدن والأرياف. آلاف القتلى من جنود التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، جلّهم منها، ذكراهم تبقى في وجدان مجتمعاتهم، مقابل ما يقارب غياب الاعتبار في هذه المجتمعات التي تصف نفسها بالمتحضرة، لمئات الآلاف من الضحايا من الأفغان بنيران كافة أطراف القتال. خراب ودمار ووعود بإعادة البناء، يتبعها إعمار خجول يصاحبه الكثير من الفساد والإفساد، قبل أن تقضي الجولات والصولات على القليل الذي أنجز.

نافق كثير من السلفيين في تعاملهم مع طالبان والأفغان وكذب بن لادن إذ قال بعد اعتداءات الحادي عشر من أيلول إنه لا علاقة له بها

​​الرواية الرسمية هي أن أفغانستان مجتمع قد دفع ضريبة الدم ليضمن مستقبل أجياله، فلا عودة بعد اليوم إلى ظلم الأمس، إلى اضطهاد النساء ومنع الفتيات من المدارس، بل إن النظام السياسي القائم على الانتخابات والتداول السلمي للسلطة والحافظ لحقوق الأفراد والجماعات هو الأساس الذي لا تراجع عنه. وقد يكون الأمر كذلك بالنسبة لأوساط مشهودة في كابُل العاصمة وخارجها.

ولكن، لرواية طالبان أصداء كذلك في البلاد. أفغانستان مجتمع محافظ معتدى عليه في مواجهة رغبة دولية بدفعه إلى حيث لا يريد، مجتمع معارض لهذا الأمر الفوقي ولا بد أن ينجح أمام ضعف همّة الأطراف الخارجيين وفساد من يجاريهم في الداخل.

اقرأ للكاتب أيضا: قرائن 'المؤامرة' في الخطاب السياسي العربي (3): 'المحافظون الجدد'

المفاوضات التي يجريها السفير زلماي خليل زاده ووفد الولايات المتحدة مع حركة طالبان في قطر تسير باتجاه إنهاء الحرب، وإن فعلت تكون قد حققت إنجازا هائلا، ولكنها كذلك تلزم الولايات المتحدة بالإجابة على أسئلة صعبة.

في أحسن الأحوال، من شأن هذه المفاوضات أن تحافظ على النظام الانتخابي التداولي في أفغانستان، مع منح حركة طالبان مشروعية سياسية في مواجهة خصومها الداخليين المشتتين. فيكون من الراجح بالتالي أن تعود حركة طالبان إلى السلطة عبر صناديق الاقتراع. أما ما يجري بعد ذلك في تثبيت لحكمها، فليس من الصعب التكهن به.

هذا في أحسن الأحوال. غير أن حركة طالبان لا تبدي استعدادا للإقرار بالنظام السياسي في كابُل أو حتى للتشاور مع الحكم القائم فيها، بل لم تلتزم بالتوقف عن قتاله. حركة طالبان جاهزة وحسب للتوّ في إطار هذه المفاوضات أن تتعهد ألا تكون أفغانستان مقرا أو منطلقا للإرهاب الدولي. هذا هو مطلب واشنطن الأول، ومن أجله كانت الحرب.

لا بد من الوضوح في التوصيف: طالبان هي حركة رجعية في سعيها إلى دحر ما حققه المجتمع الأفغاني من تقدم خلال القرن الماضي، متشددة ومتزمتة في قراءتها الدينية، مفرطة في تطبيق الحدود، ضرب الأعناق والقطع والرجم والجلد، متجاهلة للأعذار، مغالية في التعزير، تكفيرية في هدرها دماء من خالفها، ترويعية في خوضها للحرب، استبدادية في حكمها. ولكن، لا يصح اتهامها بالإرهاب الدولي، إذ هي لم تشارك يوما بأي هجوم على أي كان خارج حدود ما تعتبره إمارتها، أي أفغانستان نفسها.

طالبان تورّطت، نتيجة الظروف أولا، ولكن أيضا نتيجة خداع كبار المجاهدين لها، في حرب أودت بحياة أجيال كاملة من أهل أفغانستان. وهؤلاء المجاهدين، ابتداء من أسامة بن لادن، مسؤولون بشكل مباشر عن هذه الجريمة.

المجاهدون العرب كانوا جزءا دون شك من المجهود الصادق الذي أخرج الاتحاد السوفياتي من أفغانستان. بالنسبة للملا عمر، أمير حركة طالبان، كان ذلك من الإحسان الذي يستوجب الوفاء. بل عند استعراض كامل المجريات، الرجل ضحّى بأهله ووطنه ونفسه وفاء لهذا المعروف، لمن لا يستحقه.

كذب أسامة بن لادن إذ قال بعد اعتداءات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001 إنه لا علاقة له بها. وتنصل بن لادن منها هو ما أشهره الملا عمر في رفض التهمة عن بن لادن والإصرار على حمايته.

دلّس كل من أسامة بن لادن وأيمن الظواهري حين أعلنا البيعة للملا عمر أميرا للمؤمنين، مازجين بين البيعة الخاصة والعامة، والصغرى والكبرى، فالملا عمر الأفغاني ليس قرشيا، ولكل منهما كلام في أن البيعة الكبرى لا تجوز لغير القرشي.

ونافق كثير من السلفيين في تعاملهم مع طالبان والأفغان، إذ هم إخوة الجهاد في العلن، فيما هم معيّرون على أنهم من "الأحناف الماتريدية" بل من القبوريين وأهل البدع والجهل في السر.

يوم تضافرت القرائن بعيد الاعتداءات على الولايات المتحدة، فيما واشنطن تعدّ العدة لحرب قاضية، تقدم الملا عمر باقتراح يتوافق مع دينه وعقيدته، ربما كان من شأنه تجنيب بلاده الويلات. قال عمر ليس له إن يسلّم مسلما للكفار، ولكنه مستعد أن يقدمّه للمقاضاة وفق الشريعة الإسلامية في أية محكمة إسلامية يجري التوافق عليها، في مكة المكرمة مثلا.

لم تلقَ دعوة الملا عمر الاهتمام في واشنطن ولا في غيرها من العواصم، بل جرى تجاهلها لخروجها السافر عن قواعد النظام الدولي. وعلى أي حال، لم يكن من المنطقي يومئذ التصديق أن الملا عمر، وهو من يحمي أسامة بن لادن، لم يكن ضالعا بالاعتداءات أو على الأقل مطلعا وموافقا عليها، ولا أنه بطبيعة الأحوال سوف يفي بوعده هذا. الأمر مناورة وحسب تهدف إلى تمييع ردة الفعل وتأخير الحركة لتحسين الاستعداد لتلقي الضربة، أو هكذا اعتبرت.

ولكن ماذا لو كان الملا عمر صادقا؟ ماذا لو أن هذا الرجل البسيط في نشأته وحياته والذي أوصلته الظروف إلى قيادة حركة رجعية متزمتة، وجعلت منه أميرا لبلاد مدمرة يعيث فيها المجاهدون من كل أصقاع الأرض الفساد، لم تكن له علاقة بالمغامرات الخرافية لبعض من هم في بيعته؟ ماذا لو أن عقيدته هي بالفعل ما منعه من تسليم أسامة بن لادن، وأن وفاءه للمسلم الذي وقف معه في ساعة شدّته هو ما ألزمه الصمت وجهاد الدفع بوجه عدوان كفار يطلبون دمه؟

الرجل مات، وسرّه مات معه. غير أن مسار حركة طالبان في حياته وبعد مماته يكشف بعض المستور. ما لا شك فيه هو أن هذه الحركة قد سعت إلى تأصيل انتماءها المحلي، فغاب عنها، حتى في نشاطها الإعلامي باللغة العربية، حضور من ليس أفغانيا.

وفيما انشغل كل من تنظيمي القاعدة والدولة الإسلامية بتقاسم كوكب الأرض برمّته بين الخلافة المزعومة للأخيرة والإمارة الكبرى والتي نسبها تنظيم القاعدة للملا عمر، شاء أم أبى، فإن حركة طالبان نفسها أبقت على خارطة أفغانستان، وفق الحدود المعترف بها دوليا ضمن كافة منشوراتها، وامتنعت بتاتا عن الخوض بعبثيات التنظيمين التوسعية.

السؤال الصعب هو كيف تفي الولايات المتحدة بالتزاماتها الأخلاقية إزاء المجتمع الأفغاني، الذي حقق بهشاشة بعض الإنجازات والتقدم

​​خاضت الولايات المتحدة حربين في أفغانستان. الأولى بمواجهة الإرهاب الدولي، فاستأصلته من الحماية التي كان قد فرها له نظام طالبان، وقضت عليه بالكامل خلال فترة وجيزة، وإن تطلب طي الملف بالكامل الوصول إلى أسامة بن لادن نفسه، خارج أفغانستان، بعد قرابة عقد كامل. تلك كانت حرب "الضرورة"، حيث أن تنظيم القاعدة كان قد ارتكب بالفعل جريمة الحادي عشر من أيلول/سبتمبر، وكان يتوعد بالمزيد.

أما الحرب الثانية، والتي خاضتها الولايات المتحدة ولا تزال، فهي بمواجهة حركة طالبان. وهنا، مهما وسمت أفعال الحركة ونواياها بالشناعة، فإنها لا تشكل تهديدا للولايات المتحدة. لم تكن هذه يوما حربا اضطرارية، بل اختيارية للمساهمة بتشكيل مجتمع أفغاني جديد تجتث منها الممارسات القبيحة، وإن اقتضت السجاليات وصفها بخلاف ذلك. وبعد انقضاء ما يقترب من العقدين من القتل والقتال، فإن الحاجة ماسة إلى طرح علامات الاستفهام على جدوى هذه الحرب بدرء الشناعة عن المجتمع الأفغاني.

اقرأ للكاتب أيضا: مارتن لوثر كينغ ونضال الأفارقة الأميركيين: شهادة لمجتمع حي

السؤال الصعب هو كيف تفي الولايات المتحدة بالتزاماتها الأخلاقية إزاء هذا المجتمع الأفغاني، والذي حقق بهشاشة بعض الإنجازات والتقدم، وكيف تنسحب دون أن تتناقض مع قيمها ومبادئها بعدم تسليم الساحة لمن يريد إعادة تكبيل النساء وترهيب الجميع؟ ليس من إجابة سهلة على هذا السؤال، وفيما يشهد لزلماي خليل زاده حنكته وقدرته على اجتراح الحلول، فإنه هنا أمام التحدي الأخطر في مهامه.

أما السؤال الآخر والذي يحتاج إلى التأمل، فهو بالعودة ببعض الاعتبار إلى اقتراح الملا عمر، والذي لم يلقَ الاهتمام. فماذا لو قبلت الولايات المتحدة يومئذ بهذا الاقتراح، وماذا لو تمّ تسليم بن لادن لمحكمة شرعية للبتّ بمصيره؟ هل كلا الحربين في أفغانستان، ضد تنظيم القاعدة كما ضد حركة طالبان، كانت حربا اختيارية؟ مهما كان الجواب، ما لا شك فيه أنه بعد عقود طويلة من القتل والتدمير، تستحق أفغانستان أن تطوي صفحة الحروب، الاختيارية منها والاضطرارية.

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

Anti-government protesters chant slogans as they march during a demonstration in the central Iraqi holy shrine city of Karbala…

في 20 شباط الماضي نشرت مجلة فورن بوليسي مقالا لجون حنا نائب مستشار الأمن القومي في عهد الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الابن، وكان عنوانه "العراق يحتاج لتغيير النظام مجددا". تزامن نشر هذا المقال مع فترة التظاهرات وحراك السيد محمّد توفيق علاوي لتشكيل حكومة جديدة بدلا عن حكومة عادل عبد المهدي، والتي فشل علاوي في نيل الثقة لتلك الحكومة من البرلمان.

ركز المقال على نقطة مهمة جدا، وهي أساس الأزمة التي يعاني منها النظام السياسي في العراق، والتي وصفها كاتب المقال بـ "انهيار شرعية الطبقة السياسية التي حكمت العراق بعد عام 2003".

استحضر هذا المقال، بعد مرور سبعة عشر عاما على تغيير النظام الدكتاتوري في العراق، لكنه يعود إلى نقطة البداية، فهو اليوم على مفترق طريق بين الإبقاء على واقع اللادولة وديمومة الفوضى والتفكير بحلول تواجه أزمة الشرعية المتصاعدة رغم وجود انتخابات وعناوين لمؤسسات سياسية.

ما يعانيه العراق اليوم هو البقاء ضمن دائرة الأزمات التي تنتجها متلازمة التغيير والاضمحلال السياسي والتي شخصها صامويل هنتنغتون في الأنظمة التي شهدت تحولا سياسيا، وقتئِذ يصل اليأس من النظام السياسي إلى حالة التمزق، ولا تتمتع المؤسسات السياسية فيه سوى بقدر قليل من السلطة، وبقدر أقل من السيادة، وبانعدام المرونة. 

يبدو أن اليأس الذي كان يُخيّم على مشاعر العراقيين بتغيير نظام صدام الديكتاتوري من الداخل، نفسه يعود مرّة أخرى 

ونتيجة هذه الأزمات يصل النظام إلى أزمة "الانحلال السياسي". ويشخص هنتنغتون المشكلة الرئيسة التي تواجه الأنظمة السياسية التي تعاني من مشكلة عدم الاستقرار على أنها الهبوط في النظام السياسي، والتقويض التدريجي لسلطة الحكومة وفاعليتها وشرعيتها، وهو نتاج إلى حد كبير للتغيّر الاجتماعي السريع لفئات جديدة في مجال السياسة، يقابله تطور بطيء في المؤسسات السياسية.

ويبدو أن عجلة النظام السياسي في العراق متوقفة عند عتبة هذه الأزمات، إذ تتفق الطبقة السياسية جميعها على أن العراق يعيش فعليا أزمات الانسداد السياسي، بيد أنها تبدو عاجزة تماما عن طرح حلول لتجاوز ذلك. 

فالقوى السياسية تريد الإبقاء على منظومة سياسية تدار بمنطق التخادم المصلحي الذي لا يمكنه إلا أن يعيد تدوير ثنائية الفشل والفساد. ومن جانب آخر، لا تفكر بحلول عَمَليّة قادرة على تجاوز حالة الانسداد، وبدلا من ذلك تُسخّر كل ماكيناتها الإعلامية للترويج لنظرية المؤامرة الخارجية التي تسعى للانقلاب على هذا النظام، وبالتأكيد هم يتحدثون هنا عن نظامهم الذي أسسوه، وليس النظام السياسي المُرتبط بإدارة مصالح المجتمع.

والمفارقة، أن هذه الطبقة السياسية تريد من الجمهور أن يرفض أيَّ محاولة لتغيير النظام، وتتجاهل تماما، أن العراقيين باتوا لا يستحضرون أيَّ أمل بالتغيير إلا بالتدخل الخارجي! إذ يبدو أن اليأس الذي كان يُخيّم على مشاعر العراقيين بتغيير نظام صدام الديكتاتوري من الداخل، نفسه يعود مرّة أخرى عند التفكير بتغيير الطبقة السياسية التي تتقاسم الحكم وتصادر الدولة. ومن ثم تكون جميع الاحتمالات للتغيير مُرحَّبٌ بها.

لا يمكن إنهاء هذه الفجوة السياسية إلا بتغيير شكل نظام الحكم من البرلماني إلى شبه الرئاسي كما في النموذج الفرنسي

الطبقة السياسية الآن تفتقد تماما إلى شرعية المنجَز، وتمثيلها للمجتمعِ ينحسر يوما بعد آخر، حتى يصل إلى مستوى مجموعة من الناخبين يرتبطون بمصالح مع شخوص تلك الطبقة، ويتم تحشيدهم في مواسم الانتخابات. وبالنتيجة، تتآكل الشَّرعية السياسية والدستورية وتنعكس على الأداء السياسي ووظائف الدولة.

إذا، ما هو الحل؟

شخصيا، لا أرى في الانقلاب العسكري حلا للأزمة، بل هو تفكير ماضوي سخيف يريد العودة مرة ثانية إلى حكم العسكر بعد أن غادرته أكثر الدول تخلفا. كذلك الانقلاب الذي يتم بإرادة حزبية أو ميليشياوية وبدعم خارجي سيواجه الأزمة عينها التي تواجهها الانقلابات العسكرية بوجود نخب خاسرة تسعى لاستعادة موقعها في النظام السياسي، ونخب صاعدة تحاول أن تمركز بقاءها بالسلطة، والنتيجة عدم الاستقرار السياسي، ويكون السِلم الأهلي مهددا باللجوء إلى العنف.

هناك مسألتان يجب استحضارها عند مناقشة حلّ أزمة النظام السياسي وشرعية الطبقة السياسية؛ الأولى هي حركة الاحتجاجات التي ساهمت بإعادة الاعتبار للجمهور مرة أخرى، بعد أن كان مجرّد أرقام في حسابات الطبقة السياسية في فترة الانتخابات. والثانية، التفكير بالحلول يجب أن يبقى في حدود الممارسات الديمقراطية والسعي لترسيخها، وليس بالانقلاب عليها بدعوى وجود خلل في تطبيقها.

تبدأ أولى خطوات الحل بتغيير شكل نظام الحكم، فالجميع يعترف بأن النظام البرلماني في العراق لا يمكنه إنتاج طبقة سياسية تفكر خارج إطار العُرف السياسي القائم على أساس المحاصصة والتطبيق المشوَّه لنموذج الديمقراطية التوافقية. وبسبب السلوك السياسي للطبقة السياسية سوف تبقى مؤشرات انعدام الثقة بين المجتمع والنظام السياسي، ولا يمكن إنهاء هذه الفجوة السياسية إلا بتغيير شكل نظام الحكم من البرلماني إلى شبه الرئاسي كما في النموذج الفرنسي.

لا يوجد أمام الطبقة السياسية التي فشلت في توثيق علاقتها مع الجمهور، غير إعادة التفكير جديا بشكل نظام الحكم

أهم إشكاليات النظام البرلماني هي مصادر قرار البرلمان كمؤسسة تُعبّر عن إرادة ممثلي الشعب، من قبل الزعامات السياسية التي لا تزال تتمتع بنفوذها السياسي من خلال مظاهر الشرعية التقليدية كالزعامات الدينية أو الكاريزمات التي صنعها عنوان المنصب السياسي. وبذلك تتم مصادرة القرار السياسي للبرلمان وللنواب ممثلين الشعب، وتكون النتيجة تمركز السلطة بيد الزعامات وليس المؤسسات الشرعية.

يخطأ كثيرون عندما يعتقدون أن النظام شبه الرئاسي يعني غياب البرلمان، بل على العكس هو قد يمثّل حلا لإعادة الاعتبار في الفصل بين السلطات، بعد أن أثبتت تجربة الأعوام السبعة عشرة من انحراف النموذج العراقي عن تطبيقات النظم البرلمانية، فالجميع بالسلطة والجميع في المعارضة. 

ومن ثم، التوجه نحو تطبيق النظام شبه الرئاسي سيهم بإعادة التوازن المفقود بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، وكونهما يعيدان الاعتبار للإرادة الشعبية في التمثيل السياسي.

لا يوجد أمام الطبقة السياسية التي فشلت في توثيق علاقتها مع الجمهور، غير إعادة التفكير جديا بشكل نظام الحكم، فهو قد يشكل الفرصة الأخيرة لكسب الوقت، وقد يكون مدخلا لبناء ركائز تبنى عليها الثقة بين الشعب والنظام السياسي. وربما قد يكون مجرّد التفكير بأن التغيير سيتم على يد الطبقة السياسية الحاكمة هو أيضا نوع من الوهم.