شرطي تونسي خلال اشتباكات مع متظاهرين تونسيين معترضين على إقفال ليبيا للحدود مع تونس عام 2017
شرطي تونسي خلال اشتباكات مع متظاهرين تونسيين معترضين على إقفال ليبيا للحدود مع تونس عام 2017

ضياء عُطي/

يُعتبر خط ماجينو العسكري الفرنسي ـ الذي بُني في الثلاثينيات للتصدي للغزو الألماني المحتّم ـ مثالا كلاسيكيا على كيفية تسبب حس مزيف بالأمان بمخطط استراتيجي فاشل. أما الخط الأقل شهرة فهو خط مارث الذي بُني في الفترة نفسها في تونس للدفاع عن الوصاية الفرنسية ضد الهجمات الآتية من ليبيا ـ التي كانت آنذاك مستعمرة تابعة لإيطاليا الفاشية، وقد تمّ تجاوزه على نحو مماثل خلال المعركة.

والآن فإن عمليات نشر قوات الدول الأعضاء في حلف "الناتو" على طول خط دفاعي جديد في الصحراء التونسية بُني مرة جديدة لدرء خطر زعزعة الاستقرار المتأتي من ليبيا، تعيد إلى الأذهان هذين الفشلين المزدوجين.

في الوقت الراهن، تفصل الحدود التونسية ـ الليبية بين ديمقراطية تعاني من صعوبات ودولة منقسمة بين حكومتين متناحرتين، لا تسيطر أي منها فعليا على الأرض الليبية. وقد سمح الفراغ في السلطة في هذه الأخيرة لكثير من الميليشيات المحلية والأجنبية إلى جانب عصابات تهريب السلع المحظورة التي نمت وازدادت منذ أواخر الثمانينيات ـ وهي متورطة في تجارة المخدرات والاتجار بالبشر ودعم الأنشطة الإرهابية ـ بالعمل على طول الحدود التونسية ـ الليبية وبالإفلات من أي عقاب نسبيا.

وصل التعاون العسكري بين الولايات المتحدة ودول شمال أفريقيا إلى مفترق طرق

​​أما المشكلة الرئيسية التي على المحك فهي كيف يمكن للقوات التي تراقب الحدود منع تفاقم عدم الاستقرار الذي تتسبب به مجموعة من القوات الخبيثة العاملة على طول الحدود من دون تقويض حاجة السكان المحليين الذين يعيشون في المناطق الحدودية إلى التجارة وعمليات التبادل؟

لا يشكك أحد في أن الحدود تطرح تحديا أمنيا كبيرا لتونس. وعلى الرغم من ازدياد ميزانية الدفاع التونسية والمساعدات الأجنبية التي تتلقاها البلاد من شركائها الاستراتيجيين، لا تزال الجماعات الإرهابية على غرار تنظيم "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي" و"الدولة الإسلامية" قادرة على تحدي القوات المسلحة المحلية من خلال صراع قليل الحدة إنما دموي.

غير أن الخط الدفاعي المبني بدعم من الولايات المتحدة وألمانيا لا يتعامل مع التهديد الإرهابي الفعلي. ففي الواقع، نجح المهربون والجماعات الإرهابية في تجاوز هذه المواقع الدفاعية منذ أواخر 2011. وبشكل خاص، ركّزت الجماعات الإرهابية أنشطتها على نقطة التقاء تونس وليبيا والجزائر حيث تسيطر على مناطق جبلية شاسعة وتستفيد من تواطؤ السكان المحليين.

من ناحية، يعتمد التونسيون على الفوائد الاقتصادية التي تعود بها التجارة عبر الحدود، سواء كانت شرعية أو لا. ومن ناحية أخرى، ساهم الدعم الضمني الطويل الأمد للميليشيات في ليبيا منذ الثمانينيات في تعزيز سيطرة هذه الجماعات على المنطقة.

علاوة على ذلك، تعتبر الوسيلة المعتمدة حاليا لمراقبة الحدود التونسية ـ الليبية عاملا أساسيا في خيبة الأمل إزاء السياسة المطبقة بعد الثورة. فالحدود المغلقة تضفي طابع الشرعية على الروايات المتطرفة بما أن العديد من التونسيين وكذلك الليبيين يعتبرون هذه الحدود إرثا استعماريا أكثر منها حدودا داخلية، وبالأخص أولئك الذين يعيشون على طول الحدود المذكورة.

وعلى نحو مماثل، عزز الاستقطاب السياسي بين العلمانيين والإسلاميين بدوره الدعم الذي تتمتع به الجماعات المتطرفة في أوساط بعض الديمغرافيات. وقد روّجت المنظمات المتطرفة لحملة دعائية فعالة سلّطت الضوء على سياسة الحكومة المتصورة إزاء أعمال الشغب المندلعة لأسباب اجتماعية التي وضعت القوات المسلحة في موقف عدائي تجاه الشباب الساخط والمهمش اقتصاديا. كما فشلت الحكومة في إيجاد رواية مضادة فعالة في مواجهة هذه الحملة الدعائية المتطرفة.

تفصل الحدود التونسية ـ الليبية بين ديمقراطية تعاني من صعوبات ودولة منقسمة بين حكومتين متناحرتين

​​وبالفعل، سلّطت التحديات الاقتصادية الضوء على قيمة التهريب والتجارة غير الرسمية بالنسبة لكثير من التونسيين الذين يعيشون على الحدود الليبية وزادت السخط بعد تنامي عسكرة الحدود وإقفالها في صيف 2018.

وبما أن الحكومة التونسية لا تزال عاجزة عن تقديم رؤية للتنمية الاقتصادية أو سياسة متماسكة تعالج التهديد الإرهابي المحلي وعودة المقاتلين الأجانب التونسيين من منطقة المشرق، يناضل القادة السياسيون لإدارة حاجات السكان الاقتصادية والاجتماعية.

أما في الداخل الليبي، فتغلغل المهربون أيضا في نسيج المجتمع. وقد نظر النظام الليبي السابق إلى المهربين باعتبارهم داعمين ومقاتلين محتملين، على غرار "مجاهدي ميرغني" الذين هاجموا قرية قفصة التونسية عام 1980 بناء على وصية القذافي.

وقد وفر قادة الوحدات العسكرية الليبية المنشورة قرب الحدود التونسية الدعم السياسي واللوجستي للمهربين، ما سمح لهم باقتناء سيارات رباعية الدفع، وباستيراد النفط بطريقة غير شرعية وبتوفير منتجات منخفضة التكلفة ومدعومة من ليبيا لقاء الطعام والكحول والمخدرات من تونس. وتمكن المهربون حتى من تنسيق تدفق المهاجرين غير الشرعيين، وهو واقع استغله القذافي كأداة لممارسة الضغط السياسي في أوروبا.

وقد ساهم طرفا النزاع الليبي في تنشيط حركة طرق التهريب البديلة لتلبية حاجاتهما اللوجستية الملحة. وقد وصل دفق كبير من الوقود والمعدات وشاحنات البيك-أب من الجزائر إلى ليبيا عبر تونس. وأصبح واضحا أن عصابات السلع المحظورة ـ التي تتعاون مع الإرهابيين ـ لم تُدر التبادلات التجارية عبر الحدود فحسب بين شمال أفريقيا ـ بما فيها مصر ـ ومنطقة الساحل، بل أنها تسيطر أيضا بفعالية على الاقتصاديات المحلية.

وبدأت قرية العلمة الجزائرية بسوقها الذي شاءت السخرية أن يسمى "سوق دبي" تحل محل المدن الليبية على غرار زوارة أو مصراتة لتصبح مركزا لاستيراد السلع المهربة إلى تونس. ويعتبر الخبراء الجزائريون هذه الديناميكية جزءا غير رسمي من طريق الحرير الصيني الذي يساهم في "العولمة من الأسفل" ويؤثر على المجتمعات المحلية.

وتبقى الميليشيات الحدودية نقطة شائكة بشكل خاص في عملية السلام الليبية. فالمجتمع الليبي لا يزال متأثرا بالنظام القبلي الذي استخدمه القذافي لفرض ديكتاتوريته من خلال رؤية فوضوية للاشتراكية العربية وممارسات ريعية واعتمده لاحقا "المؤتمر الوطني العام".

وشعرت الأقلية الأمازيغية تماما كقبيلتي الطوارق والتبو بأنها مستبعدة من السلطة، التي استعادها المشير حفتر. ويثبت فشل خطط الوساطة الفرنسية الحديثة انعدام جدوى تنظيم انتخابات بدون شبكة متينة من مؤسسات الدولة القادرة على تطبيق نتائجها.

حلول محتملة

رغم وجود عدد من العوائق الكبيرة أمام منع الإرهاب والتهريب عبر الحدود التونسية ـ الليبية، ثمة الكثير من الخطوات التي يمكن اتخاذها لزيادة فرص النجاح. على سبيل المثال، يمكن رفع التدريب الذي قدمه لواء سان ماركو الإيطالي إلى عناصر الجيش الليبي إلى مستوى أكثر طموحا بهدف تشكيل نواة جيش ليبي جديد يقوم على إجراءات واضحة وشفافة لعملية التجنيد. وفي ظل استراتيجية عسكرية جديدة قائمة تحسين القدرات الحربية لجهة الاستخبارات والمعلومات، يمكن أخيرا أن تصبح القوات الليبية مدربة بما يكفي لمقاتلة الجماعات الإرهابية في معاقلها الحالية.

هذا وتُعتبر الجهود المحلية أساسية بدورها: فالحوار بين الممثلين المحليين المنتخبين على طراز الاجتماع بين رئيسي بلديتي زوارة وبنقردان قد يكون بديلا ناجحا عن الإخفاقات المتكررة للمفاوضات المركزية بين ليبيا وتونس.

كما يمكن تعزيز العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة مؤخرا على كيانات وأفراد ليبيين وتركزيها في إطار جهود منسقة لتشجيع "حكومة الوفاق الوطني‎" الليبية على الاعتماد على قوة الميليشيات. فتأسيس جيش وطني وقوات أمنية جديدة هو بمثابة حجر الزاوية لأي خطة استقرار وسيتيح لـ "حكومة الوفاق الوطني‎" احتكار تجنيد العناصر المسلحة، بدلا من الوضع الراهن حيث تدفع الحكومة الليبية رواتب الميليشيات المارقة التي تتحدى سلطتها. وتُظهر الاشتباكات التي حصلت في آب/أغسطس في طرابلس، إلى جانب خيار إيطاليا بالتنسيق مع الميليشيات المحلية في مسعى لمنع الهجرة، صعوبة السيطرة على هذه الميليشيات من دون سلطة جيش مركزي قوي.

عسكرة الحدود التونسية ـ الليبية هي خط ماجينو الجديد في الصحراء، أي شعور مزيف بالأمن يجب إعادة تقييمه

​​وقد وصل التعاون العسكري بين الولايات المتحدة ودول شمال أفريقيا إلى مفترق طرق؛ وأصبح على الأطراف الاختيار بين بناء تحالف فعال ضد "الدولة الإسلامية" أو مواصلة حدّ أنفسها في إطار التعاون على نطاق صغير، ما يسمح ببروز غموض سياسي خطير قد يهدد محاربة الجماعات الإرهابية.

ويقوم دعم الجهات الفاعلة الإقليمية، المترافق مع تشجيع الاستراتيجيات الدقيقة لأمن الحدود على ضمانة واحدة بعدم سيطرة الإرهابيين على مساحات شاسعة من شمال غرب أفريقيا. وسيؤدي إطلاق "مبادرة التدخل الأوروبية" كبديل لحلف "الناتو" وتجديد الخطاب المعادي للغرب إلى استمرار التردد في العمل مع "الناتو" ـ وهو أمر ثبُت أساسا من خلال رفض تونس لهبة "الناتو" المقدرة بقيمة 3.7 ملايين دولار والمصممة للتركيز على ضبط الحدود ومكافحة الإرهاب رغم أن الدولة أعربت سابقا عن اهتمامها بالتعاون.

وعلى "الناتو" أن يتذكر أن دول شمال أفريقيا ستبقى على الأرجح تفضل برامج التعاون العسكرية المحض. غير أن الطريقة الحالية المعتمدة والقائمة على عسكرة الحدود التونسية ـ الليبية هي خط ماجينو الجديد في الصحراء، أي شعور مزيف بالأمن يجب إعادة تقييمه من قبل جميع الأطراف المعنية.

ضياء عُطي صحافي تونسي وناشط سياسي مقيم في الولايات المتحدة الأميركية

المصدر: منتدى فكرة

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟