مناورة عسكرية للجيش السعودي عام 2016
مناورة عسكرية للجيش السعودي عام 2016

سايمون هندرسون/

في أوائل شباط/فبراير، يعتزم ولي العهد السعودي محمد بن سلمان القيام بزيارة لباكستان، لأسباب قد تكون متعلقة بالأنشطة في مجال الانتشار النووي التي من المحتمل أن تكون مدعاة للقلق. والأساس المنطقي المعلن للرحلة هو المساعدة المالية من دول الخليج. فقبل ثلاثة أسابيع، زار ولي عهد الإمارات محمد بن زايد إسلام أباد ووعد بتقديم 3 مليارات دولار في شكل مساعدات، في حين أودعت المملكة العربية السعودية مليار دولار كدفعة أولى من تعهداتها النقدية بقيمة 3 مليارات دولار.

ومن المتوقع الآن أن تعلن المملكة عن اتفاق للاستثمار في مصفاة جديدة بقيمة عشرة مليارات دولار في ميناء "جوادر" البعيد في باكستان، الذي يجري تطويره بأموال صينية. ومن المرجح أن يُجنّب هذا السخاء باكستان من اللجوء إلى حزمة إنقاذ من "صندوق النقد الدولي"، والتي قد تشمل تغييرات مالية صعبة سياسيا للتخفيف من أزمة صرف العملات الأجنبية التي تعاني منها.

مخاوف متزايدة من قيام تعاون سعودي محتمل في مجال الصواريخ مع كل من باكستان والصين

​​لكن وراء كواليس هذه المناقشات الاقتصادية، هناك تطورات جديدة محتملة في التفاهمات السعودية ـ الباكستانية حول الأسلحة النووية والصواريخ. ويشاع أن النفط السعودي قد موّل التطوير الأولي لمحطة تخصيب اليورانيوم في باكستان في السبعينيات، ويُعتقد أن الرياض تعتبر إسلام آباد مصدرا سريعا محتملا للقنابل النووية إذا شعرت وجود ما يكفي من التهديد ـ ففي العام الماضي، على سبيل المثال، أخبر ولي العهد السعودي البرنامج الأميركي "60 دقيقة"، "إذا طورت إيران قنبلة نووية، فسوف نتبعها بدون شك في أقرب وقت ممكن". ويبدو أن باكستان تزود المملكة حاليا بتكنولوجيا الصواريخ التي تحمل قدرات نووية أيضا.

وهناك سابقة وفيرة لهذا التعاون. ففي عام 1999، بعد سنة من قيام باكستان باختبار أسلحة نووية للمرة الأولى، أرسلت الرياض وزير دفاعها إلى محطة "كاهوتا "لتخصيب اليورانيوم خارج إسلام أباد، مما دفع الولايات المتحدة إلى تقديم احتجاج دبلوماسي حاد. وأثناء وجوده في المرفق، أفادت بعض التقارير بأنه قد عُرِض عليه نموذج للقنبلة الذرية.

وستكون الرحلة المقررة الشهر المقبل هي الزيارة الثالثة التي يقوم بها ولي العهد إلى باكستان منذ عام 2015، عندما أصبح والده ملكا وتم تعيينه وزيرا للدفاع. وخلال زيارته في كانون الثاني/يناير 2016، وقّعت الدولتان اتفاقية غير محددة للتعاون العسكري. وعندما توقّف في باكستان مرة أخرى بينما كان في طريقه إلى الصين في شهر آب/أغسطس، أشاد "بعمق العلاقة الاستراتيجية بين الشعبين".

وتأتي الزيارة هذا العام وسط مخاوف متزايدة من قيام تعاون سعودي محتمل في مجال الصواريخ مع كل من باكستان والصين. وكانت بكين قد زودت المملكة للمرة الأولى بصواريخ قادرة على الوصول إلى طهران وتل أبيب في عام 1987؛ ووفقا لتحليل صور القمر الصناعي الذي نشرته صحيفة "التلغراف" في تموز/يوليو 2013، وجهت الصواريخ السعودية باتجاه المدينتين.

وقد فات الآن بشكل فعلي أوان هذه الأسلحة التي تعمل بالوقود السائل نظرا للتكنولوجيا التي كانت تعتمد عليها منذ أربعين عاما وبسبب إجراءات الإطلاق المضنية، لكن مع ذلك تم عرضها في عرض عسكري عام 2014 في لفتة فُسِّرت على أنها تحذير دبلوماسي لإيران والولايات المتحدة، اللتين كانتا منخرطتان في المفاوضات النووية في ذلك الوقت. كما تم رصد مركبات مرتبطة بصواريخ أكثر تقدما في ذلك العرض.

وفي 23 كانون الثاني/يناير، ذكرت صحيفة "واشنطن بوست" أن مرفقا جديدا في الصحراء السعودية كان في الواقع منشأة لبناء صواريخ باليستية أكثر قدرة تعمل بالوقود الصلب، وهي أول مصنع من نوعه في المملكة.

وقد حدد الخبر موقع المنشأة في "الوطاح"، وهو موقع صاروخي قائم جنوب غرب الرياض. كما تكهن الخبر [وجود] اتصالات صينية و/أو باكستانية، حيث أفادت الصحيفة: "في التسعينيات، بَنَت باكستان سرا مصنعا للصواريخ متوسطة المدى باستخدامها مخططات أساسية ومعدات زوّدتها الصين. وقد جذب المصنع في باكستان منذ فترة طويلة انتباه كبار المسؤولين السعوديين".

سباق التسلح النووي المرعب في الشرق الأوسط لم يعد مجرد إمكانية بعيدة لكي يتم ردعها، بل عملية قد بدأت بالفعل

​​وبالفعل، تشبه المنشأة السعودية الجديدة في حجمها وتخطيطها موقع باكستاني في "خانبور" شمال غرب إسلام أباد، وقد تم تشييده في أوائل التسعينيات لتجميع الصواريخ الصينية من طراز "M-11"، التي تشكل جزءا من الترسانة النووية الباكستانية.

قد يكون المسؤولون الأميركيون على علم بهذه الروابط منذ بعض الوقت، ولكن من المحتمل أن تؤدي عمليات الكشف العلنية المتزايدة إلى قلق كبير لأنها تشير إلى أن سباق التسلح النووي المرعب في الشرق الأوسط لم يعد مجرد إمكانية بعيدة لكي يتم ردعها، بل عملية قد بدأت بالفعل.

إن الجهود الدبلوماسية لوقف هذا الانتشار يجب أن تتم حاليا في وهج اهتمام وسائل الإعلام العالمية. ووفقا لصحيفة "واشنطن بوست"، قد لا يكون مصنع الصواريخ السعودي عمليا بعد، لكن النافذة الدبلوماسية لن تبقى مفتوحة لفترة أطول.

سايمون هندرسون هو زميل "بيكر" ومدير "برنامج برنستاين لشؤون الخليج وسياسة الطاقة" في معهد واشنطن.

المصدر: منتدى فكرة

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟