نساء هنديات يقرأن القرآن في حيدر آباد
نساء هنديات يقرأن القرآن في حيدر آباد

سناء العاجي/

النقاشات الدائرة حاليا في مجموعة من دول المنطقة حول مجموعة من القضايا، كقداسة "البخاري" و"مسلم" وإمكانية مراجعة عملهما أم لا؛ المساواة في الإرث بين الرجل والمرأة؛ حقوق المرأة عموما؛ الحريات الفردية (حرية المعتقد، الحريات الجنسية، إلخ)؛ علاقة الدين بالحياة اليومية... كل هذه نقاشات إيجابية وصحية، رغم كمّ العنف والتوتر الذي يحيط بها في الكثير من الأحيان.

لقرون طويلة، اعتبر معظم المسلمين أن "صحيح البخاري" و"صحيح مسلم" هما "أصحّا كتاب بعد القرآن". إن هذه المقارنة في حد ذاتها تشكل نوعا من الاعتداء على الدين وتزويره، فكيف يقارن مؤمن كلام الله بكلام نقله شخصان عاديان لا هما برسولين ولا نبيين ولا مقدسين؟ "البخاري" و"مسلم"، شئنا أم أبينا، هما بشر، شخصان قاما بمجهود بشري يحتمل الصحيح ويحتمل الخطأ؛ بينما القرآن كلام إلهي منزل. فكيف نقارن الاثنين، حتى لو وضعنا "الصحيحين" في مرتبة تالية بعد القرآن؟

عمر بن الخطاب، على سبيل الذكر لا الحصر، ألغى العمل بقطع يد السارق، وألغى نصيب المألفة قلوبهم

​​إلى غاية السنوات السابقة، كان مجرد انتقاد الكتابين يعتبر كفرا... وهذه بدورها مغالاة عظيمة. فهل مناقشة وانتقاد كتابين بشريين، مهما بلغ إيمان صاحبيهما ومهما بلغ حسن نيتيهما، يعدّ كفرا؟

اليوم، يناقش الكثير من الباحثين والمفكرين كتابي البخاري ومسلم، منتقدين المنهجية، والمحتوى وبناءه التاريخي وأحيانا تناقضه مع القرآن، إضافة إلى غياب النسخ الخطية الأصلية لصاحبيهما، وغيرها من النقاط المرتبطة بالكتابين.

اقرأ للكاتبة أيضا: المواطنة بنكهة مغربية

أي نعم، هذا الانتقاد يصحبه في الغالب عنف من طرف الجهة المعارضة (التي ما زالت تفكر بمنطق تكفير كل من يناقش "أصح كتابين بعد القرآن"). لكن هذا النقاش في حد ذاته صحي وإيجابي، حتى لو أخذ عقودا أخرى ليأتي أُكله.

نفس الشيء بالنسبة لنقاش المساواة في الإرث. نستطيع أن نتصور ببساطة أن أولى المجتمعات المسلمة التي ألغت تفاصيل مذكورة في القرآن (العبودية، ملك اليمين، الجهاد والفتوحات، "المؤلفة قلوبهم"، الحدود، إلخ) واجهت نفس العنف الذي نواجهه اليوم في نقاش المساواة في الإرث؛ رغم أن الذي حدث بكل بساطة أن تلك المجتمعات تماشت مع تطورات عصرها وواقعها آنذاك. هذا، مثلا، ما فعله معظم الخلفاء، سنوات قليلة بعد وفاة الرسول.

عمر بن الخطاب، على سبيل الذكر لا الحصر، ألغى العمل بقطع يد السارق، وألغى نصيب المألفة قلوبهم، إلى أن أعاد عمر بن عبد العزيز العمل به (علما أن سهم المؤلفة قلوبهم هو فريضة في القرآن؛ فهل نتخيل أن تلغى فريضة، تماشيا مع تطور الزمان آنذاك، سنوات قليلة بعد وفاة الرسول؟) وهذه مجرد نماذج من بين حالات أخرى كثيرة.

اليوم، الواقع الاقتصادي والاجتماعي يقول بأن تقسيم الإرث بصيغته الحالية مجحف في حق المرأة. النساء اليوم يساهمن فعليا في الاقتصاد الأسري، كما أنهن يؤدين نفس نسب الضرائب ونفس الأسعار في كل المحلات ووسائل النقل وغيرها. على سبيل المثال، في المغرب، خمس الأسر تعولها امرأة فقط؛ دون احتساب الأسر التي يعولها رجل وامرأة.

قدر المجتمعات، حين تأخذ منعرجات مهمة، أن تقضي فيها وقتا أطول من تحول الفرد أو المجموعة الصغيرة

​​لكن، مرة أخرى، وحتى لم يحدث التغيير خلال السنوات القليلة المقبلة، فمجرد بدأ النقاش في الموضوع، مهما كان هذا النقاش متشنجا، هو في حد ذاته أمر إيجابي لأنه يعني أن "الثوابت" القديمة بدأت تتزعزع... أن أسئلة جديدة بدأت تطرح، رغم إصرار البعض على تقديم نفس الأجوبة دائما، حتى لو كان الدهر قد أكل وشرب على تلك الأجوبة.

اقرأ للكاتبة أيضا: في المغرب والسعودية ومصر: الحب والحرية ممنوعان.. العنف مباح

وقس على ذلك في نقاشات حرية المعتقد، الحريات الجنسية، حقوق المرأة، وغيرها من الحقوق التي يرفض حراس المعبد وأتباعهم الإيمان بها.

شئنا أم أبينا، نحن نعيش اليوم في مجتمعات متحولة تناقش تحولاتها. هذا النقاش كثيرا ما يكون متشنجا... لكنه لا محالة سيفضي للتغيير. تغيير قد يأخذ سنوات وقد يأخذ عقودا حتى... لكنه آت لا محالة.

قدر المجتمعات، حين تأخذ منعرجات مهمة، أن تقضي فيها وقتا أطول من تحول الفرد أو المجموعة الصغيرة.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟