الرئيس السوداني عمر البشير في مهرجان لمؤيديه في الخرطوم
الرئيس السوداني عمر البشير في مهرجان لمؤيديه في الخرطوم

فارس خشّان/

لا يملك الطاغية عندما يفقر بلده ويجوع شعبه ويسود الأنين ويصخب الغضب، سوى الاحتماء بنظرية المؤامرة.

دائما، هو غير مسؤول عن النوائب، مع أنه لا يكف عن كيل المديح لقدراته المميزة، وهو يعدد توافه يصفها بالإنجازات.

ليس ثمة ما هو أفضل من رمي المسؤولية على الأعداء، لأنهم إذا كانوا هم مسبّبو الجوع، فإن شكواك من الجوع تصبح خيانة.

أنت جائع إذن أنت خائن، لأنك تساهم مع العدو في محاربة قائدك وحكومتك، وتعينه على تركيع وطنك واستسلام شعبك.

في بقع كونية كثيرة تشاهد هذا الصنف من الطغاة، كما هي الحال، على سبيل المثال، في سوريا والسودان وإيران وفنزويلا

​​في حمى الطاغية، عليك أن تُفهم أولادك أن الطعام حرام والدفء جريمة والنور رزيلة والوقود جهنّم، وأن رضى الحاكم مرجو وتأييده صلاح والخضوع له فضيلة والموت في سبيله جنّة.

وإذا لم تفعل ذلك، تكون خائنا وإرهابيا وتستحق الاعتقال والتعذيب والذل والإعدام.

بالنسبة للطاغية، ليس المهم أن تزول أنت أو تبقى، بل أن يبقى هو متربعا على عرشه، فهذا سر الانتصار وجوهر الكرامة وأساس الصمود وعنفوان التصدّي.

اقرأ للكاتب أيضا: كارلوس غصن: من القدوة إلى العِبرة

هو يريد أن يكون محاربا، ولكنه لا يمكن أن يحقق نصرا إلا إذا كان سفّاحا، فإن اعترضت فهذا التخاذل.

هو يريد أن يرتكب المجازر، وإذا حاول أحد أن يحاسبه، تكتمل المؤامرة.

هو يريد أن يحكم بما يعتبره الأنسب له، ولو جرّ عليك مصائب الدنيا.

هو يريد أن يحيط نفسه بالعصابات، وإذا تصدى له أحد، يكون الإرهاب.

هو يريد أن يكون سياسيا، ولكن يرفض أن يلتزم بالقواعد البديهية، وإن حاول أحد أن يضربه على يده، حدثك عن الكرامة.

هو يريد أن يكون اقتصاديا، ولكنه يخترع مسارا على حجم مصالحه، وعندما يرمى في الزاوية، كتلميذ يستغبي، تذكّر السيادة.

هو يريد، وأنت عليك أن ترتضي بالكوارث التي تجرها عليك إرادته وتحمد وتنحني وتشيد.

هو لا يخطئ ولذلك لا يصحح مساره.

الويلات التي تنتجها توجهاته، ليست أدلة فشل، بل نتيجة طبيعية لاستياء الكون من تميّزه.

في بقع كونية كثيرة تشاهد هذا الصنف من الطغاة، كما هي الحال، على سبيل المثال، في سوريا والسودان وإيران وفنزويلا.

هؤلاء يحبون دائما أن يشبهوا أنفسهم بكبار القادة التاريخيين المنتصرين. هم لا يستعينون بصورة هتلر، مع أنها الأقرب إليهم وإلى قلوبهم وإلى عقولهم وإلى فكرهم وإلى نهجهم، بل يميلون إلى ونستون تشرشل.

ولكن من أين سيكون لهم فيه نصيب؟

بطل الحرب العالمية الثانية، خسر الانتخابات التشريعية، ومنصب رئاسة الحكومة، في أول انتخابات تلت نهاية هذه الحرب الظافرة.

الشعب البريطاني افترض أن بطل الحرب ليس بالضرورة هو بطل إعادة إعمار ما دمّرته الحرب. هذا الشعب لا يريد، كلما احتاج أن يصرخ غضبا على تقاعس من هنا وعلى تدبير لا يناسبه من هناك، أن يرد عليه رئيس حكومته مذكّرا إياه ببطولاته في الحرب المنتهية.

الطغاة، يحبون الديمقراطية ولكنهم يكرهون الشعب.

الديموقراطية حلية يزينون بها عروشهم، ولكن الشعب ناكر للجميل ولا يهتم إلا بمصالحه.

الطغاة يحبون أن يقودوك إلى صناديق اقتراع، حيث يتحكمون بصوتك وبإرادتك وبوسائل التعبير، ولكنهم يكرهون ما يعتمل في داخلك.

الطغاة، لا يعرفون أن هناك من هو أقدر منهم على إدارة الكوارث المالية والاقتصادية والاجتماعية، لأنهم إن عرفوه اغتالوه.

في سلوكهم، قاعدة ثابتة، تعلموها بالإرث هنا وبالتاريخ هناك، تمنع بقاء البدائل على قيد الحياة، أو في الحرية.

الشعب الواقع تحت قبضة الطغاة، لا خيارات كثيرة أمامه. إما أن يموت ذليلا، أو يموت ثائرا. ولا فرق بين موال ومعارض. فالموالي الذي يصرخ جوعا مثله مثل المعارض الذي يصرخ حرية. ممثل العدو في الوطن، بالنسبة لهم، هو كل من يرفع صوته شاكيا.

إنها المؤامرة؟

في حمى الطاغية، عليك أن تُفهم أولادك أن الطعام حرام والدفء جريمة والنور رزيلة والوقود جهنّم

​​قد يكون هذا الاسم الآخر للسعي إلى محاكمة سفّاح، مثل بشار الأسد، ومحاصرته ومنعه من أن يكون جزءا من العالم.

الحكام العاقلون لا يُعطون المؤامرة فرصة، فإن عجزوا عن تفكيك خيوطها، انسحبوا ووجدوا بانسحابهم الحل لشعوبهم.

والشعب الحر، يُدخل المتآمر، حتى ولو أحبّه، في كتاب التاريخ، ويجد بديلا منه، رأفة بأولاده ومستقبلهم.

اقرأ للكاتب أيضا: يائسو لبنان

ولم يسجّل التاريخ وجود دولة واحدة أخذها طاغيتها إلى المواجهة مع العالم ليحافظ على مكاسبه، غير آبه بأنين الشعب، إلّا وحلت فيها الكارثة.

منذ وجدت السياسة، كان الهدف الأسمى توفير رفاهية الشعوب.

الطغاة قلبوا المفاهيم، السياسة معهم باتت تهدف إلى توفير رفاهيتهم هم و...تبا بالشعب.

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.
الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.

على مدى ربع قرن، كان لي شرف الكتابة في جريدة "الحياة"، يوم كانت واجهة الصحافة العربية المطبوعة العابرة للدول والقارات. سواء جاءت نهايتها لأفول الجريدة الورقية كوسيلة توزيع للمعلومة والفكر، أو لأخطاء على درب إدارتها، فإن "الحياة" قد أسلمت الروح، ومعها النمط الذي اعتاد عليه جيلها في قراءة الخبر والتحليل والرأي.

بدا يومها أن الزمن الذي كانت كانت فيه نشرات الأخبار، الإذاعية والمرئية، تمهيداً لقراءة المادة المكتوبة الموسعة في جريدة الصباح قد ولّى، وأصبح بالإمكان، عبر الشاشات والشبكات المعلوماتية، الاستفاضة بالحصول على المضمون الموسّع والمعمّق دون تأخير.

ومع المزيد من التطور في التقنيات، أضحى جليًا بأن طلب المضمون وتلقيه ينتقل ليس من الطباعة إلى الشاشة وحسب، بل، في انقلاب في أدوار الخادم والمخدوم، من الكلمة المكتوبة إلى أشكال جديدة للكلمة المسموعة والمرئية، تأتي بدورها في ارتباط وثيق بالصورة البيانية أو التعبيرية، وتتولى مهمة التعليق عليها.

فيما يقترب من الإجماع، القناعة اليوم هي أن المضمون المصور، ولا سيما بالصيغة النشطة التي تحاكي مخيلة الاستيعاب، هو السبيل الأكثر فعالية للتواصل مع المتلقي. والانتقال المتحقق إليه ليس الأول على مدى التاريخ الإنساني. سبق هذا الانتقال حالات عديدة، منها ما أسفر عن تحولات كمّية كبيرة في انتشار المضمون، مثل الانتقال من المخطوط إلى المطبوع، ثم أن التراكم الكمي استحال بدوره تحولات نوعية عميقة. ومنها، قبلها، ما هو أساس الحضارة، أي الانتقال من الشفهي إلى المكتوب.

الانتقال الأخير جاء قابلاً للتحقق نتيجة التطور الكبير في تقنيات المعلومات طبعاً، وأثره البالغ على الإنتاج والتوزيع والاستهلاك في المجال المعرفي كما في سائر المجالات. المقارنة هنا غالباً ما تكون مع الثورة الصناعية. ربما هي كذلك في أكثر من مجتمع وسياق، غير أن الواقع الجديد في المحيط العربي يقترب ببعض أوجهه من أن يكون أشبه بأحوال ما بعد الكارثة الطبيعية منه بنتائج الثورة الصناعية.

البنى التي انهارت لم تكن الصحافة المطبوعة وحدها. فالمتضرر الأول كان الكتاب. نعم، ثمة تعارض في تحقق الفائدة والضرر بين دور النشر ومعها المؤلفين من جهة، والقارئ من جهة أخرى، إذ توفرّت له بين ما يشبه الليلة وضحاها مكتبات بكاملها، بصيغة رقمية أعيد إدخالها، أي عرضة لكمّ كبير من الأخطاء في مرحلة أولى، ثم بصيغة مصوّرة تحاكي الكتاب المطبوع بإخلاص، وصولاً إلى إقدام المكتبات الجامعية بنفسها على وضع مقتنياتها على الشبكة، ليصبح القارئ قادراً على الاطمئنان إلى الكتاب في سنده ومتنه ومصدره.

لكن في مقابل سعادة القارئ، تعرقلت نظم الموازنة بين الانتاج الفكري والتعويضات المالية للمؤلف والناشر. ومع غياب إمكانية الحصر والضبط وضمان حقوق النشر، خسر الكتاب صدارته كالوسيلة الأولى لصياغة الفكر. بالأمس كان جديد الكتب موضع اهتمام "خاصّة" فكرية وحدها لها إطار التداول. مع الواقع الجديد، مواد التداول وأطره أصبحت لا تحصى، وما كان للخاصة الفكرية لم يعد حصراً عليها. لمن هو منها أن يعترض في مفاضلة مستمرة بين الرفيع والوضيع، الراقي والمتردي، وهو قد فعل ولا يزال، ولكن اعتراضه ضائع في ضوضاء حقيقة غلبة "العامة" وتفضيلاتها وخياراتها، وإن استحالت ساحات متباعدة وفرق متناحرة، على "خاصّة" لم تعد كذلك، بل أمست واحدة من عدة. وفي هذه الفوضى، لم يجد الفكر العربي معادلة الاستقرار بعد، وإن كانت تشكيلات عدّة تتنافس للمنصب.

ربما أن "من زاوية أخرى" كانت محاولة صمود من جانب الكلمة المكتوبة. في هيئتها المقاوِمة هذه، الكلمة المكتوبة ليست مطبوعة على ورق، بل مقروءة على الشاشة، ويصاحبها ويعززها التفاعل، في موقع النشر نفسه ثم عبر منصات التواصل الاجتماعي، ولمقالات مختارة من خلال إبرازها ومناقشتها إذاعياً، أي بتحويلها إلى مادة مسموعة، ومن بعد كل هذا من خلال التقاطها وإعادة نشرها في مواقع أخرى.

ولكن، هل كان الأمر وحسب صمود يائس في وجه المحتَّم؟ الجواب يبدو بالإيجاب إذا كان الحكم على هذه المحاولة مبنياً على المعايير الكمية السائدة في التواصل الاجتماعي. أعداد المشاهدات منخفضة، لا ترتفع إلا في بعض المواضيع ذات الطبيعة الآنية أو السجالية. تعليقات يغلب عليها الحكم المتسرع أو الرأي المعلّب، وصولاً إلى الشتائم والابتذال. بل يكتفي العديد من "المعلّقين" بالاطلاع على الاقتباس الهادف إلى دعوتهم إلى قراءة المقال، دون قراءته، قبل التكرّم بالآراء القطعية الصارمة. ما فائدة هذا المجهود إذا كان لا يتعدى في نتيجته تكرار ما يحدث في طرف نائٍ من أطراف عالم التواصل الاجتماعي؟

غير أن هذه المعايير قد لا تكون هي الصالحة لاعتبار التجربة. بعض ما استوعبته هذه التجربة يندرج بالفعل في إطار السجال ومجاراة الأخبار، وبعضها الآخر ربما يحظى بطابع أقل ارتباطاً بالآني. ولكن المجموع، على اختلاف مكوناته، شكّل نقطة مرجعية لعدد غير قليل من المسؤولين عن صياغة القرار والرأي في مواقع متقدمة. قد يصعب إثبات هذا الزعم بالأرقام، ولكنه كان حقيقة ملموسة لي شخصياً ولغيري من الزملاء، بما ساهم بتحمل الضجيج في التعليقات.

غروب "من زاوية أخرى" هو بالتالي خسارة، وإن اقتضه حسابات المؤسسة، وإشعار إضافي بما تواجهه الكلمة المكتوبة الرصينة من تحديات. كل الشكر والاحترام للإداريين والمحررين المتعاقبين على المسؤولية عن صفحة "من زاوية أخرى" على مدى أعوامها، وكل المودة والتقدير لكافة الزملاء، إذ حافظوا على أهمية الرأي الملتزم باحترام كلام الآخر وعقل القارئ، في واقع فكري معاصر يطفح بالأهوائيات والعصبيات والاستعلائيات، ولا سيما منهم من قرأ مادة نقدية وجهتُها إليه وأجاب بما أثرى النقاش، وأخيراً لا آخراً بالتأكيد، فائق الامتنان والإجلال لكل قارئ قرأ، سواء اتفق مع الرأي المطروح أو اختلف معه.

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.