روحاني وصالحي يستمعان لشرح من أحد التقنيين في مفاعل بوشهر النووي (أرشيف)
روحاني وصالحي يستمعان لشرح من أحد التقنيين في مفاعل بوشهر النووي (أرشيف)

عومير كرمي/

مرّت ثلاث سنوات منذ بدء تنفيذ "خطة العمل الشاملة المشتركة"، إلا أن ثمار الاتفاق النووي لم تُلَبِّ توقعات إيران عالية المستوى. لذلك، اشتدت معضلة طهران: هل عليها تصعيد الوضع والرد بقسوة لردع الضغوط الأميركية، أو كبح نفسها لمنع ظهور تحالف غربي موحد ضدها؟ وهل يكون ذلك النهج الأخير مستداما في حين لم ينتج عنه إلا تعويضات اقتصادية محدودة من أوروبا حتى الآن؟

في وقت سابق من هذا الشهر، لمّح أمين "المجلس الأعلى للأمن القومي" الإيراني علي شمخاني إلى أن صبر إيران حول هذه الأمور بدأ ينفد، وإلى أن فرصة أوروبا قد "انتهت".

ومع ذلك، يبدو أن النظام قد تجنب التصعيد الحاد في سبيل إيجاد حل وسط ـ وهو ردع الغرب من دون فسخ الاتفاق. ففي 22 كانون الثاني/يناير، دافع مدير "منظمة الطاقة الذرية الإيرانية"، علي أكبر صالحي، عن قرار البقاء في الاتفاق، لكنه عدد أيضا خطوات نووية مختلفة يتخذها النظام لبعث "الرسالة الضرورية". وشدد على أن هذه الأنشطة ممكنة لأن "المحادثات النووية تركت الكثير من الخروقات في الاتفاق لتستغلها إيران"، تماما كما فعلت مع الاتفاقات والقواعد الدولية الأخرى.

المناورات الإيرانية النووية القادمة

إن "خطة العمل الشاملة المشتركة" هي وثيقة تتألف من 159 صفحة وتعرض شبكة معقدة من القيود مع العديد من الثغرات وأوجه الغموض الفنية. وبالنظر إلى سجل طهران في استغلال هذه الثغرات، يمكن أن تتوقع الحكومات الأجنبية أن يتخذ النظام الخطوات التالية نحو تعزيز نفوذه.

التشديد على حاجته إلى وقود المفاعلات المُثرى [المخصّب] بنسبة 20 في المئة. إن تخصيب اليورانيوم لكي يحتوي على 20 في المئة من النظير الانشطاري اليورانيوم ـ 235 يمثل معلما حاسما في الحصول على اليورانيوم عالي التخصيب اللازم لصنع أسلحة نووية. وتستخدم إيران أيضا اليورانيوم المخصّب بنسبة 20 في المئة لتغذية "مفاعل طهران للأبحاث" حيث تنتج النظائر الطبية ـ ما يشكل أحد مصادر الاعتزاز للبرنامج النووي المدني في البلاد.

تعزيز الالتزام بسياسة حافة الهاوية النووية في الأشهر المقبلة قد يشكل سيفا ذا حدَّيْن بالنسبة لطهران

​​وبموجب "خطة العمل الشاملة المشتركة"، يُحظر على إيران حاليا التخصيب إلى نسبة 20 في المئة وكان عليها تصدير مخزونها القائم من هذا اليورانيوم إلى روسيا. ومع ذلك، يسمح الاتفاق أيضا للنظام باستيراد كميات صغيرة منه تكون خاضعة لعمليات تفتيش دولية من أجل إنتاج أقراص [أو أوتاد] الوقود. وقد تأمل إيران في تبرير خرق مستقبلي لـ "خطة العمل الشاملة المشتركة" بإعلانها أن العقوبات الحالية تمنعها من الحصول على هذه المادة، مدعية أنها بحاجة إلى إنتاج اليورانيوم المخصّب بنسبة 20 في المئة بنفسها لتلبية احتياجاتها.

وفي الآونة الأخيرة، تعمّد صالحي استخدام لهجة غامضة للإعلان عن أن إيران "تعمل على" تصميم محدّث لوقود المفاعلات الخاص بها. كما أشار إلى أنه في حين لا يحتاج النظام إلى التخصيب لنسبة 20 في المئة في الوقت الحالي، فقد يختار تخزين اليورانيوم بهذا المستوى إذا لزم الأمر.

تعزيز مشروع الدفع النووي البحري الإيراني. منذ عام 2012، اقترحت طهران بأنها قد تحتاج إلى إنتاج سفن وغواصات تعمل بالوقود النووي لأن العقوبات أرغمت أسطولها البحري على البحث عن مصادر بديلة للوقود. وقد تتضمن تصميمات النظام لمثل هذه المحركات مفاعلا مزوّد بيورانيوم عالي التخصيب (أربعة من الأساطيل الستة في العالم التي تمتلك مفاعلات لأغراض الدفع النووي تستخدم يورانيوم عالي التخصيب). وحاليا، تحظر "خطة العمل الشاملة المشتركة" على إيران إنتاج يورانيوم عالي التخصيب لأغراض الدفع النووي.

وفي العام الماضي، بدأت طهران بإعادة التأكيد على المشروع في أعقاب سياسات الضغط التي يتبعها الرئيس ترامب، بتقدمها خطوة إلى الأمام من خلال تنبيه "الوكالة الدولية للطاقة الذرية" بشأن قرارها "الذي تم اتخاذه فيما يتعلق بالتشييد لأغراض الدفع النووي البحري في المستقبل".

ويقينا، أنها أخبرت الوكالة أنه لن يتم إشراك أي مرفق في المشروع للسنوات الخمس القادمة؛ بالإضافة إلى ذلك، فإن أي جهود من هذا القبيل ستواجه عقبات اقتصادية وفنية هائلة. بيد، بإمكان طهران الاستمرار في استخدام المشروع لردع الغرب دون خرق الاتفاق ـ على سبيل المثال، عن طريق تغيير إعلانها لـ "الوكالة الدولية للطاقة الذرية" بين عشية وضحاها، والإعلان أنه سيتم إحراز تقدم ملموس في هذا المشروع في المستقبل القريب.

اتخاذ جميع الخطوات المسموحة لإعادة تشغيل البرنامج النووي وبسرعة. منذ تنفيذ "خطة العمل الشاملة المشتركة" للمرة الأولى، أشار المسؤولون الإيرانيون مرارا وتكرارا إلى إحدى توجيهات المرشد الأعلى علي خامنئي لإعداد برنامج نووي للنهوض سريعا إذا ما انسحبت إيران من الاتفاق. إلا أن صالحي حدد هذه الجهود في الملاحظات التي أدلى بها في 22 كانون الثاني/يناير، موضحا أن "منظمة الطاقة الذرية الإيرانية" قامت بالتحضيرات اللازمة لاستئناف التخصيب بقدرة أكبر، وأنها ستخزّن أكثر من ثلاثين طنا من الكعكة الصفراء في منشأة تحويل اليورانيوم في أصفهان. ثم تابعت إيران تعهدها الأخير في الثلاثين من كانون الثاني/يناير الحالي ـ وهي خطوة حاسمة نحو ضمان امتلاكها ما يكفي من المواد الخام إذا انهار الاتفاق.

ولكن في الوقت نفسه، من المحتمل أن تواجه طهران تحديات فنية كبيرة في إعادة تشغيل البرنامج، على غرار التحديات التي واجهتها قبل "خطة العمل الشاملة المشتركة".

كما طمأن صالحي وسائل الإعلام الإيرانية بأن طهران خدعت الغرب عبر استيراد أنابيب معدنية مشابهة لأنابيب مفاعل "أراك" التي تمت تعبئتها بالإسمنت بموجب الاتفاق النووي ـ وهو تنازل انتقده المتشددون كثيرا في ذلك الوقت.

ويبدو أن هذه المشتريات تمت قبل تنفيذ "خطة العمل الشاملة المشتركة"، لذلك فهي لا تشكل خروقات على الرغم من انتهاك روح الاتفاق. وفي الواقع، أشار صالحي إلى أن طهران قد أبلغت "الوكالة الدولية للطاقة الذرية" عن الأنابيب الجديدة (ولا تذكر وثائق الوكالة المتاحة للجمهور هذه المسألة).

لدى صالحي سجل حافل في تقديم ادعاءات تدعو إلى الشك، ومع ذلك، على "الوكالة الدولية للطاقة الذرية" وأجهزة الاستخبارات الأجنبية أن تدرس تصريحاته بعناية. كما لا بد من إثارتها في الاجتماع المقبل الخاص بـ"اللجنة المشتركة"، وهي الهيئة المسؤولة عن مناقشة قضايا تنفيذ "خطة العمل الشاملة المشتركة".

تمجيد التطورات النووية الصغيرة. بالغ المسؤولون الإيرانيون في بعض الأحيان [في تضخيم] التحسينات النووية الطفيفة من أجل إقناع المتشددين والجمهور الأوسع بأن البرنامج يتقدم على الرغم من "خطة العمل الشاملة المشتركة".

في نيسان/أبريل 2018، كشف النظام النقاب عما لا يقل عن ثلاثة وثمانين مشروعا نوويا جديدا خلال "اليوم الوطني للتكنولوجيا النووية"، لكن معظمها كان غير ذي أهمية من منظور الانتشار النووي. وبينما تقترب إيران من الاحتفالات بالذكرى الأربعين للثورة الإسلامية في شباط/فبراير، يمكن للمرء أن يتوقع إعلانات مماثلة تهدف إلى حشد الجمهور حول علم "المقاومة" النووية، بما في ذلك الادعاءات عن التحسينات في أجهزة الطرد المركزي المتطورة، وافتتاح مناجم جديدة لليورانيوم، وخطط لبناء مفاعلات جديدة.

الخرق المتعمّد لـ"خطة العمل الشاملة المشتركة" من خلال تجميع فائض من المواد النووية "عن طريق الخطأ". في مقابلة جرت في تشرين الثاني/نوفمبر مع "مجموعة الأزمات الدولية"، صرح دبلوماسي إيراني رفيع المستوى لم يُذكر اسمه أنه "إذا رد النظام على الوتيرة البطيئة لتخفيف العقوبات من خلال الإفراط في إنتاج اليورانيوم المُثرى"، لكانت أوروبا أكثر فعالية في مساعدة طهران. ووفقا لهذا المنطق، قد تقرر طهران اعتماد نهجٍ قاس، بالضغط على أوروبا من خلال إنتاج فائض من المواد النووية في حين تدّعي أنها فعلت ذلك دون قصد. وعلى عكس السيناريوهات السابقة، سيشكّل ذلك خرقا واضحا لـ "خطة العمل الشاملة المشتركة".

يواجه النظام العديد من التحديات الاقتصادية والسياسية في الداخل، لذا قد يتبيّن أن اتباع النهج القاسي على المدى القريب قد يضر بأهدافه

​​فعلى سبيل المثال، يتعين على إيران الحفاظ على مخزون لا يتجاوز 300 كيلوغرام من اليورانيوم المخصَّب بنسبة 3.67 في المئة، ولكن إذا تجاوزت هذه الحدود عن عمد، يمكن أن تنسب مسؤولية المخالفة بشكل قابل للتصديق إلى الأخطاء التقنية الصغيرة الملازمة لعملية تخصيب اليورانيوم الحسّاسة والمعقّدة.

وبالمثل، فإن مخزونها من المياه الثقيلة المسموح به هو 130 طنا متريا، لكن على خلاف القيود المفروضة على اليورانيوم، لا يشكل هذا الحد سوى كمية تقديرية، وقد تجاوزها النظام بالفعل في الماضي. وإذا انتجت طهران مرة أخرى فائضا من الماء الثقيل لمفاعلاتها، فيمكن أن تقدم عددا من الأعذار التقنية لتبرير هذه الهفوة. ومن شأن هذه المخالفات أن تضع أوروبا أمام معضلة: فهل يجب أن تبقى صامتة حيال انتهاكات إيران الصارخة لـ "خطة العمل الشاملة المشتركة" وتحافظ على الاتفاق، أو أن تردّ بقسوة (كما قال بعض المسؤولين الأوروبيين) وتخاطر بالتسبب بتصعيد أوسع نطاقا؟

التداعيات السياسية

على مدى العقود القليلة الماضية، طوّرت طهران بمهارة برنامجها النووي، من خلال التمسك بتقدم تدريجي وتقليص الخطوط الحمراء المتغيرة للمجتمع الدولي. ومع ذلك، فإن هذه الاستراتيجية المتمثلة في استغلال الثغرات وبناء سرد للمقاومة حول أنشطتها النووية قد تسببت أيضا في صعوبات كبيرة للجمهورية الإسلامية ولشعبها.

وبناء على ذلك، فإن تعزيز الالتزام بسياسة حافة الهاوية النووية في الأشهر المقبلة قد يشكل سيفا ذا حدَّيْن بالنسبة لطهران. ففي حين كان المسؤولون الأوروبيون يتعرضون للابتزاز بسبب تقارير عن أنشطة إيران الإرهابية والتجسسية في القارة، فقد لا يتعاطفون بعد الآن مع موقف طهران أو يتسامحون مع ألاعيبها، حتى لو استمروا في التطلع إلى الحفاظ على الاتفاق.

وكان الرئيس ترامب يتطلع إلى إعادة توحيد التحالف الغربي ضد إيران، كما يواجه النظام العديد من التحديات الاقتصادية والسياسية في الداخل، لذا قد يتبيّن أن اتباع النهج القاسي على المدى القريب قد يضر بأهدافه.

عومير كرمي هو مدير الاستخبارات في شركة الأمن السيبراني الإسرائيلية "سيكسجيل" وزميل عسكري سابق في معهد واشنطن. وقد قاد سابقا جهودا تحليلية وبحثية في "جيش الدفاع الإسرائيلي" تتعلق بالتطورات في الشرق الأوسط.

المصدر: منتدى فكرة

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.
الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.

على مدى ربع قرن، كان لي شرف الكتابة في جريدة "الحياة"، يوم كانت واجهة الصحافة العربية المطبوعة العابرة للدول والقارات. سواء جاءت نهايتها لأفول الجريدة الورقية كوسيلة توزيع للمعلومة والفكر، أو لأخطاء على درب إدارتها، فإن "الحياة" قد أسلمت الروح، ومعها النمط الذي اعتاد عليه جيلها في قراءة الخبر والتحليل والرأي.

بدا يومها أن الزمن الذي كانت كانت فيه نشرات الأخبار، الإذاعية والمرئية، تمهيداً لقراءة المادة المكتوبة الموسعة في جريدة الصباح قد ولّى، وأصبح بالإمكان، عبر الشاشات والشبكات المعلوماتية، الاستفاضة بالحصول على المضمون الموسّع والمعمّق دون تأخير.

ومع المزيد من التطور في التقنيات، أضحى جليًا بأن طلب المضمون وتلقيه ينتقل ليس من الطباعة إلى الشاشة وحسب، بل، في انقلاب في أدوار الخادم والمخدوم، من الكلمة المكتوبة إلى أشكال جديدة للكلمة المسموعة والمرئية، تأتي بدورها في ارتباط وثيق بالصورة البيانية أو التعبيرية، وتتولى مهمة التعليق عليها.

فيما يقترب من الإجماع، القناعة اليوم هي أن المضمون المصور، ولا سيما بالصيغة النشطة التي تحاكي مخيلة الاستيعاب، هو السبيل الأكثر فعالية للتواصل مع المتلقي. والانتقال المتحقق إليه ليس الأول على مدى التاريخ الإنساني. سبق هذا الانتقال حالات عديدة، منها ما أسفر عن تحولات كمّية كبيرة في انتشار المضمون، مثل الانتقال من المخطوط إلى المطبوع، ثم أن التراكم الكمي استحال بدوره تحولات نوعية عميقة. ومنها، قبلها، ما هو أساس الحضارة، أي الانتقال من الشفهي إلى المكتوب.

الانتقال الأخير جاء قابلاً للتحقق نتيجة التطور الكبير في تقنيات المعلومات طبعاً، وأثره البالغ على الإنتاج والتوزيع والاستهلاك في المجال المعرفي كما في سائر المجالات. المقارنة هنا غالباً ما تكون مع الثورة الصناعية. ربما هي كذلك في أكثر من مجتمع وسياق، غير أن الواقع الجديد في المحيط العربي يقترب ببعض أوجهه من أن يكون أشبه بأحوال ما بعد الكارثة الطبيعية منه بنتائج الثورة الصناعية.

البنى التي انهارت لم تكن الصحافة المطبوعة وحدها. فالمتضرر الأول كان الكتاب. نعم، ثمة تعارض في تحقق الفائدة والضرر بين دور النشر ومعها المؤلفين من جهة، والقارئ من جهة أخرى، إذ توفرّت له بين ما يشبه الليلة وضحاها مكتبات بكاملها، بصيغة رقمية أعيد إدخالها، أي عرضة لكمّ كبير من الأخطاء في مرحلة أولى، ثم بصيغة مصوّرة تحاكي الكتاب المطبوع بإخلاص، وصولاً إلى إقدام المكتبات الجامعية بنفسها على وضع مقتنياتها على الشبكة، ليصبح القارئ قادراً على الاطمئنان إلى الكتاب في سنده ومتنه ومصدره.

لكن في مقابل سعادة القارئ، تعرقلت نظم الموازنة بين الانتاج الفكري والتعويضات المالية للمؤلف والناشر. ومع غياب إمكانية الحصر والضبط وضمان حقوق النشر، خسر الكتاب صدارته كالوسيلة الأولى لصياغة الفكر. بالأمس كان جديد الكتب موضع اهتمام "خاصّة" فكرية وحدها لها إطار التداول. مع الواقع الجديد، مواد التداول وأطره أصبحت لا تحصى، وما كان للخاصة الفكرية لم يعد حصراً عليها. لمن هو منها أن يعترض في مفاضلة مستمرة بين الرفيع والوضيع، الراقي والمتردي، وهو قد فعل ولا يزال، ولكن اعتراضه ضائع في ضوضاء حقيقة غلبة "العامة" وتفضيلاتها وخياراتها، وإن استحالت ساحات متباعدة وفرق متناحرة، على "خاصّة" لم تعد كذلك، بل أمست واحدة من عدة. وفي هذه الفوضى، لم يجد الفكر العربي معادلة الاستقرار بعد، وإن كانت تشكيلات عدّة تتنافس للمنصب.

ربما أن "من زاوية أخرى" كانت محاولة صمود من جانب الكلمة المكتوبة. في هيئتها المقاوِمة هذه، الكلمة المكتوبة ليست مطبوعة على ورق، بل مقروءة على الشاشة، ويصاحبها ويعززها التفاعل، في موقع النشر نفسه ثم عبر منصات التواصل الاجتماعي، ولمقالات مختارة من خلال إبرازها ومناقشتها إذاعياً، أي بتحويلها إلى مادة مسموعة، ومن بعد كل هذا من خلال التقاطها وإعادة نشرها في مواقع أخرى.

ولكن، هل كان الأمر وحسب صمود يائس في وجه المحتَّم؟ الجواب يبدو بالإيجاب إذا كان الحكم على هذه المحاولة مبنياً على المعايير الكمية السائدة في التواصل الاجتماعي. أعداد المشاهدات منخفضة، لا ترتفع إلا في بعض المواضيع ذات الطبيعة الآنية أو السجالية. تعليقات يغلب عليها الحكم المتسرع أو الرأي المعلّب، وصولاً إلى الشتائم والابتذال. بل يكتفي العديد من "المعلّقين" بالاطلاع على الاقتباس الهادف إلى دعوتهم إلى قراءة المقال، دون قراءته، قبل التكرّم بالآراء القطعية الصارمة. ما فائدة هذا المجهود إذا كان لا يتعدى في نتيجته تكرار ما يحدث في طرف نائٍ من أطراف عالم التواصل الاجتماعي؟

غير أن هذه المعايير قد لا تكون هي الصالحة لاعتبار التجربة. بعض ما استوعبته هذه التجربة يندرج بالفعل في إطار السجال ومجاراة الأخبار، وبعضها الآخر ربما يحظى بطابع أقل ارتباطاً بالآني. ولكن المجموع، على اختلاف مكوناته، شكّل نقطة مرجعية لعدد غير قليل من المسؤولين عن صياغة القرار والرأي في مواقع متقدمة. قد يصعب إثبات هذا الزعم بالأرقام، ولكنه كان حقيقة ملموسة لي شخصياً ولغيري من الزملاء، بما ساهم بتحمل الضجيج في التعليقات.

غروب "من زاوية أخرى" هو بالتالي خسارة، وإن اقتضه حسابات المؤسسة، وإشعار إضافي بما تواجهه الكلمة المكتوبة الرصينة من تحديات. كل الشكر والاحترام للإداريين والمحررين المتعاقبين على المسؤولية عن صفحة "من زاوية أخرى" على مدى أعوامها، وكل المودة والتقدير لكافة الزملاء، إذ حافظوا على أهمية الرأي الملتزم باحترام كلام الآخر وعقل القارئ، في واقع فكري معاصر يطفح بالأهوائيات والعصبيات والاستعلائيات، ولا سيما منهم من قرأ مادة نقدية وجهتُها إليه وأجاب بما أثرى النقاش، وأخيراً لا آخراً بالتأكيد، فائق الامتنان والإجلال لكل قارئ قرأ، سواء اتفق مع الرأي المطروح أو اختلف معه.

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.