مشجعون للمنتخب الفلسطيني خلال مباراته مع منتخب الأردن في كأس آسيا
مشجعون للمنتخب الفلسطيني خلال مباراته مع منتخب الأردن في كأس آسيا

داود كتّاب/

قد يكون من المناسب وحتى المطلوب تغيير حكومة الوفاق الوطني (حكومة التكنوقراط) برئاسة الدكتور رامي الحمد الله، التي تشكلت على أساس أنها حكومة انتقالية لإقناع حركة حماس بإنهاء الانفصال البغيض وإجراء انتخابات. طبعا لا يجب تحميل رئيس جامعة النجاح مسؤولية فشل المصالحة، لكن لا شك أن حكومته تتحمل مشكلة فرض قانون الضمان الاجتماعي قبل إقناع المواطن الفلسطيني به، خصوصا أن المواطن لا يزال غير مقتنع بوجود دولة وحكومة وهو يشاهد يوميا آثار الاحتلال والحصار.

تشكيل حكومة فصائل كما أقرتها اللجنة المركزية لحركة فتح، هي تسمية لطيفة لتعيين حكومة فتحاوية مع بعض المستقلين، إذ تقاطع معظم فصائل منظمة التحرير اجتماعات المجلسين المركزي والوطني واللجنة التنفيذية، ولم يستجد أي حدث يقنعها بالعودة للمشاركة، في ظل غياب خارطة طريق واضحة ومتفق عليها للمصالحة.

الوضع الفلسطيني، وخاصة الانقسام الداخلي، مأساوي وغير مبرر

​​صحيح أن المصالحة تتطلب طرفين، وصحيح أن حركة حماس غير متحمسة لأي آلية تشمل الانتخابات النيابية، إلا أن هناك لوما يطال القيادة الفلسطينية، التي ترفض أي مشاركة لها في القرار الفلسطيني، وترغب في الحصول على كل شيء أو لا شيء في موضوع تمكين الحكومة الفلسطينية في غزة.

اقرأ للكاتب أيضا: صعوبة التغيير وغياب الجرأة في إعادة النظر بالقوانين والأنظمة القديمة

يعكس قرار اللجنة بضرورة إجراء حوار فصائلي عمق الأزمة الحالية، لذلك من الضروري أن يكون هذا الحوار جادا وصادقا. والمطلوب من الجميع (أي فتح والفصائل) أن يتحمل مسؤوليته التاريخية، ويضع شروطا معقولة للعمل بشكل مشترك للبدء في الخروج من أزمة ثقة المواطن الفلسطيني العميقة في مؤسسات سلطته. ومن أبرز نتائج أزمة الثقة هذه الرفض الشعبي لمشروع هدفه الأساسي خدمة الطبقة العاملة؛ فالمواطن الفلسطيني فقد ثقته بديمومة حكومة فلسطينية غير منتخبة وغير قادرة على تقديم الحد الأدنى من الأمل.

يبقى موضوع غزة المحاصرة، وهي بحاجة إلى حلول مقنعة لمن يتم مسؤولية تأليف الحكومة الجديدة. فمن أبسط مسؤوليات أي شخص في موقع رئاسة الوزراء، كما هي مسؤولية الرئيس، الاهتمام بمصلحة وشأن كل مواطن فلسطيني، وهذا يشمل حوالي مليوني فلسطيني من سكان غزة.

فليس من المنطقي أو المقبول أن يتم احتجاز الشعب في غزة كرهائن لصراع سياسي داخلي لا علاقة للمواطن الغزي به. فالعقاب الجماعي الذي نتهم إسرائيل بتنفيذه، لا يمكن أن يصبح أداة تستخدمها السلطة الفلسطينية لفرض مبتغاها.

طبعا من المنطق أن قيادة رام الله غير ملزمة بدفع بدل فواتير وقود الكهرباء في الوقت التي تستوفي فيه حركة حماس الفواتير من الناس في غزة؛ كما من غير المنطقي أن تدفع رام الله رواتب موظفين معينين من حركة حماس؛ لكن من الصعب تفهم الامتناع عن تطبيق قرارات المجلسين، المركزي والوطني، لجهة دفع رواتب العاملين في غزة، بما فيهم من تم تعيينهم من قبل السلطة الوطنية.

قد تكون الفائدة الوحيدة من خطوة اللجنة المركزية لحركة فتح، وهي إطار منتخب من القاعدة الفتحاوية وليس فقط من قبل الرئيس عباس، أن رئيس الحكومة الجديد سيكون مسؤولا أمام هذا الإطار بصورة أكبر مما هي الآن، إذ أن مرجعية رئيس الوزراء رامي الحمد الله تقتصر على محمود عباس.

تتطلب المصالحة من قيادة فتح بعض التنازلات وقرارا بالتشارك في اتخاذ القرارات المصيرية

​​إن الوضع الفلسطيني، وخاصة الانقسام الداخلي، مأساوي وغير مبرر في ظل استمرار الاحتلال. ففي الوقت الذي تزداد فيه حملات التضامن مع الشعب الفلسطيني في كافة أنحاء العالم، من العيب أن يكون الشعب منقسما وغير موحّد. 

إن المصالحة تتطلب من قيادة فتح بعض التنازلات وقرارا بالتشارك في اتخاذ القرارات المصيرية؛ كما تتطلب من حركة حماس الاستعداد الصادق للتنازل عن امتيازاتها والاستعداد الحقيقي للاحتكام لما يفرزه صندوق الانتخابات كي يعود القرار الفلسطيني للشعب الفلسطيني.

اقرأ للكاتب أيضا: نداء عالمي: لا تنسوا غزة

يستخدم كل من في السلطة أساليب مختلفة للبقاء في مواقعهم ولأقصى فترة ممكنة، لكن من الضروري ألا يتم التسامح مع من هم متمسكون بكراسي السلطة بغض النظر عن توجههم السياسي.

إن قرار تعيين رئيس وزراء جديد وقرب إجراء انتخابات تشريعية جديدة فرصة مهمة لإعادة التفكير الجدي بأولويات الشعب الفلسطيني وضرورة تصحيح البوصلة لما هو في مصلحة الشعب وليس في مصلحة المسؤولين.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟