الممثلة اللبنانية نيكول سابا
الممثلة اللبنانية نيكول سابا

كوليت بهنا/

مع بدء العام الجاري، أقلعت عجلة الكاميرا لعدد من الإنتاجات الدرامية العربية التي ستعرض في الموسم الرمضاني بداية شهر أيار/مايو المقبل، وفي نظرة عامة لملخصات القصص الدرامية التي أعلن عنها قبل فترة وجيزة، تبدو ملامح بعض هذه القصص وكأنها ستكون متشابهة مع ما سبق وتم تقديمه في السنوات الماضية.

يرسخ، هذا التشابه، السياسة الانتاجية العامة المتخذة ـ بشكل غير معلن ـ منذ عشر سنوات تقريبا، والتي ارتأت إنتاج دراما بمواصفات خاصة تحقق معادلة الربح الأوفر والمشاهدة الأكبر، مع تجنب معارك الرقابة أو صداع الممنوعات السياسية.

وفقا لمواصفات هذه السياسة الدرامية، يتابع المشاهد منذ سنوات أعمالا يمكن تأطير معظمها بـ"سمة" الرفاهية، بل الرفاهية إلى حد الترف.

ففي كل عمل هناك نجمة ـ سوبر ستار ـ تتمتع بمعادلة ملكات الجمال وعارضات الأزياء بآن واحد، يرافقها نجم محلي أو عربي بالمستوى ذاته من الجمال وجاذبية الرجولة والعضلات المفتولة، دون الاكتراث إلى توفر الموهبة والأداء التمثيلي، انطلاقا من مبدأ "ومن سيهتم بالأداء أمام طغيان الجمال؟".

لأجل هذين النجمين الساحرين، اللذين يدفع لهما ملايين الدولارات التي يتم تعويضها عشرات الأضعاف عبر الإعلانات لاحقا، يتم استكتاب نص درامي خاص بهما، أو يقتبس عن فيلم أو مسلسل أو فكرة من الأدب العالمي؛ وفي كثير من الأوقات تنتهك الحقوق الأدبية العالمية ولا تتم الإشارة إلى مصدر الفكرة.

اقرأ للكاتبة أيضا: السخرية.. صديقة الشعوب المقهورة

المهم أن يجتمع النجمان عبر قصة حب خارقة حارقة، قادرة أن تلهب قلوب المشاهدين وخاصة الجيل الشاب، تتضمن الكثير من الحبكات والأكشن ودسائس الحسّاد الكارهين للحب والذين يتآمرون بدم بارد على كل العشاق، وصولا إلى النهاية السعيدة التي ينتصر فيها عشقهما ويتخلصان بيسر شديد من الهموم التي سرقت النوم من أعينهما ومن عيون المشاهدين لثلاثين يوما.

وبطبيعة الحال، لا علاقة لهذه الهموم أبدا بمعاناة العيش ولا بالغلاء ولا بأي قضية جادة أخرى، إذ إن أحد أساسيات النص الذي استكتب لأجلهما، تحقيق شرط الفرجة عالية الرفاهية أو دراما "سبع نجوم" وإظهار ثراء البطلين الفاحش بامتلاكهما الشركات الكبيرة وارتيادهما المطاعم الفاخرة وسكنهما في فلل أو بيوت جميلة ومنعمة في كل تفاصيلها، ابتداء من المطابخ المترفة وغرف النوم الخرافية والصالونات الواسعة التي تشعرك أنك في معرض لأفخر الديكورات، مع أهمية توفر أرائك ريش النعام في كل زوايا البيت والتي لا بد أن يمر مشهد ما وترمي البطلة نفسها براحة فوقها وهي تبكي حرقة من جفاء الحبيب.

دون إغفال عنصر ملابس النجمين التي يتم اختيارها من أحدث دور الموضة والأزياء العالمية، ومراعاة أحدث صرعات الشعر والماكياج حتى لو كانت لا تتناسب مع الشخصية دراميا، والتركيز على الأسنان البيضاء وابتسامات هوليوود التي يوزعها جميع المشاركين في المسلسل حتى لو كانت الطباخة أو حارس الفيلا، ودون إغفال امتلاك النجمين لأكثر من سيارة فارهة يتم تبديلها بحسب المشهد، مع ضرورة توفر سيارة خاصة بسباق السيارات يستعملها أحد النجمين من أجل ملاحقة الحبيب في الشوارع العريضة، ومع الحرص أن يحمل النجمان جهازا خليويا حديثا وفاخرا للغاية يقومان برميه على السرير تأففا، أو كسره على الأرض بعد مكالمة غاضبة مع الحبيب أفقدتهما رشدهما.

برر أحد المنتجين العرب ذات مرة سبب حرصه لإظهار كل هذه الرفاهية في أعماله، بأن المشاهد العربي يعيش في ظل ظروف صعبة بشكل عام، وحين تعرض عليه هذه الرفاهية الفاقعة في الدراما، فإنك تساعده على نسيان همومه، وتخدره لساعات ليحلق مع عالم الأحلام التي يراها على الشاشة، وربما تحرضه هذه الدراما فيسعى لتحقيق هذه الرفاهية لنفسه؛ إضافة إلى تقديم صورة سياحية للعالم بأننا نمتلك بدورنا الثراء والذوق والجمال، والخروج من النظرة الدونية النمطية الغربية للعرب، وما تتحفنا به منظمات حقوق الإنسان وغيرها من تقارير كيدية ومغرضة حول تعاسة الفرد العربي.

أي أن سعي الفرد العربي من أجل تحسين ظروف معيشته والقضاء على الفقر والفساد وقضايا التنمية وتراجع التعليم والثقافة والفنون وقضايا المرأة والحريات وغيرها من القضايا الجادة، إضافة إلى أهم قضايا السنوات العشر المنصرمة والتي تتمثل بثورات الربيع العربي والحروب واللاجئين والهجرة والموت المجاني والمجاعات، كلها قضايا تندرج تحت مسمى "الهمّ والغمّ" بحسب العقلية الإنتاجية، والابتعاد عنها أسلم للجميع وبخاصة للمشاهد الذي قد تصاب نفسيته بالوهن لدى متابعتها وتضيف له كآبة فوق كآبته. 

لذلك، ربما علينا أن لا نأمل بمشاهدة إنتاجات درامية صادقة تشبه تلك الأعمال التنويرية التي ساهمت في زمن مضى في تنمية وعي المشاهد مثل (ليالي الحلمية وآرابيسك والدراما التي اقتبست عن روايات نجيب محفوظ وخان الحرير وبكرا أحلى.. وغيرها) ولامست قاع المدينة ونبضها الحقيقي، ودخلت بيوت البسطاء وتغلغلت تحت اللحاف العفن (للغلابة والمعترين) واستمعت إلى تأوهاتهم ونطقت بهمومهم وأحلامهم، ونقلت روائح طبيخهم الذي يرشح منه الحب والزيت مع الثوم والكزبرة.

اقرأ للكاتبة أيضا: ما شأننا و'بريكست'؟

دراما الرفاهية، دراما الأثرياء، لا تكترث إن كانت تشوه الواقع أو تنقل صورة مزيفة عنه، ولن تكترث بالتأكيد إلى أنها قد ترفع منسوب الضغينة لدى الجيل الشاب وتحرضه على السرقة وباقي أعمال الجريمة من أجل التماهي مع حياة مماثلة يعيشها نجوم دراما الأحلام.

لايكره أحد مظاهر التنعم والرفاهية ويتمناها لنفسه وللآخرين في الحياة أو في الدراما، لكن من الواضح أن الدراما لم تعد تحب الفقراء.

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.
الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.

على مدى ربع قرن، كان لي شرف الكتابة في جريدة "الحياة"، يوم كانت واجهة الصحافة العربية المطبوعة العابرة للدول والقارات. سواء جاءت نهايتها لأفول الجريدة الورقية كوسيلة توزيع للمعلومة والفكر، أو لأخطاء على درب إدارتها، فإن "الحياة" قد أسلمت الروح، ومعها النمط الذي اعتاد عليه جيلها في قراءة الخبر والتحليل والرأي.

بدا يومها أن الزمن الذي كانت كانت فيه نشرات الأخبار، الإذاعية والمرئية، تمهيداً لقراءة المادة المكتوبة الموسعة في جريدة الصباح قد ولّى، وأصبح بالإمكان، عبر الشاشات والشبكات المعلوماتية، الاستفاضة بالحصول على المضمون الموسّع والمعمّق دون تأخير.

ومع المزيد من التطور في التقنيات، أضحى جليًا بأن طلب المضمون وتلقيه ينتقل ليس من الطباعة إلى الشاشة وحسب، بل، في انقلاب في أدوار الخادم والمخدوم، من الكلمة المكتوبة إلى أشكال جديدة للكلمة المسموعة والمرئية، تأتي بدورها في ارتباط وثيق بالصورة البيانية أو التعبيرية، وتتولى مهمة التعليق عليها.

فيما يقترب من الإجماع، القناعة اليوم هي أن المضمون المصور، ولا سيما بالصيغة النشطة التي تحاكي مخيلة الاستيعاب، هو السبيل الأكثر فعالية للتواصل مع المتلقي. والانتقال المتحقق إليه ليس الأول على مدى التاريخ الإنساني. سبق هذا الانتقال حالات عديدة، منها ما أسفر عن تحولات كمّية كبيرة في انتشار المضمون، مثل الانتقال من المخطوط إلى المطبوع، ثم أن التراكم الكمي استحال بدوره تحولات نوعية عميقة. ومنها، قبلها، ما هو أساس الحضارة، أي الانتقال من الشفهي إلى المكتوب.

الانتقال الأخير جاء قابلاً للتحقق نتيجة التطور الكبير في تقنيات المعلومات طبعاً، وأثره البالغ على الإنتاج والتوزيع والاستهلاك في المجال المعرفي كما في سائر المجالات. المقارنة هنا غالباً ما تكون مع الثورة الصناعية. ربما هي كذلك في أكثر من مجتمع وسياق، غير أن الواقع الجديد في المحيط العربي يقترب ببعض أوجهه من أن يكون أشبه بأحوال ما بعد الكارثة الطبيعية منه بنتائج الثورة الصناعية.

البنى التي انهارت لم تكن الصحافة المطبوعة وحدها. فالمتضرر الأول كان الكتاب. نعم، ثمة تعارض في تحقق الفائدة والضرر بين دور النشر ومعها المؤلفين من جهة، والقارئ من جهة أخرى، إذ توفرّت له بين ما يشبه الليلة وضحاها مكتبات بكاملها، بصيغة رقمية أعيد إدخالها، أي عرضة لكمّ كبير من الأخطاء في مرحلة أولى، ثم بصيغة مصوّرة تحاكي الكتاب المطبوع بإخلاص، وصولاً إلى إقدام المكتبات الجامعية بنفسها على وضع مقتنياتها على الشبكة، ليصبح القارئ قادراً على الاطمئنان إلى الكتاب في سنده ومتنه ومصدره.

لكن في مقابل سعادة القارئ، تعرقلت نظم الموازنة بين الانتاج الفكري والتعويضات المالية للمؤلف والناشر. ومع غياب إمكانية الحصر والضبط وضمان حقوق النشر، خسر الكتاب صدارته كالوسيلة الأولى لصياغة الفكر. بالأمس كان جديد الكتب موضع اهتمام "خاصّة" فكرية وحدها لها إطار التداول. مع الواقع الجديد، مواد التداول وأطره أصبحت لا تحصى، وما كان للخاصة الفكرية لم يعد حصراً عليها. لمن هو منها أن يعترض في مفاضلة مستمرة بين الرفيع والوضيع، الراقي والمتردي، وهو قد فعل ولا يزال، ولكن اعتراضه ضائع في ضوضاء حقيقة غلبة "العامة" وتفضيلاتها وخياراتها، وإن استحالت ساحات متباعدة وفرق متناحرة، على "خاصّة" لم تعد كذلك، بل أمست واحدة من عدة. وفي هذه الفوضى، لم يجد الفكر العربي معادلة الاستقرار بعد، وإن كانت تشكيلات عدّة تتنافس للمنصب.

ربما أن "من زاوية أخرى" كانت محاولة صمود من جانب الكلمة المكتوبة. في هيئتها المقاوِمة هذه، الكلمة المكتوبة ليست مطبوعة على ورق، بل مقروءة على الشاشة، ويصاحبها ويعززها التفاعل، في موقع النشر نفسه ثم عبر منصات التواصل الاجتماعي، ولمقالات مختارة من خلال إبرازها ومناقشتها إذاعياً، أي بتحويلها إلى مادة مسموعة، ومن بعد كل هذا من خلال التقاطها وإعادة نشرها في مواقع أخرى.

ولكن، هل كان الأمر وحسب صمود يائس في وجه المحتَّم؟ الجواب يبدو بالإيجاب إذا كان الحكم على هذه المحاولة مبنياً على المعايير الكمية السائدة في التواصل الاجتماعي. أعداد المشاهدات منخفضة، لا ترتفع إلا في بعض المواضيع ذات الطبيعة الآنية أو السجالية. تعليقات يغلب عليها الحكم المتسرع أو الرأي المعلّب، وصولاً إلى الشتائم والابتذال. بل يكتفي العديد من "المعلّقين" بالاطلاع على الاقتباس الهادف إلى دعوتهم إلى قراءة المقال، دون قراءته، قبل التكرّم بالآراء القطعية الصارمة. ما فائدة هذا المجهود إذا كان لا يتعدى في نتيجته تكرار ما يحدث في طرف نائٍ من أطراف عالم التواصل الاجتماعي؟

غير أن هذه المعايير قد لا تكون هي الصالحة لاعتبار التجربة. بعض ما استوعبته هذه التجربة يندرج بالفعل في إطار السجال ومجاراة الأخبار، وبعضها الآخر ربما يحظى بطابع أقل ارتباطاً بالآني. ولكن المجموع، على اختلاف مكوناته، شكّل نقطة مرجعية لعدد غير قليل من المسؤولين عن صياغة القرار والرأي في مواقع متقدمة. قد يصعب إثبات هذا الزعم بالأرقام، ولكنه كان حقيقة ملموسة لي شخصياً ولغيري من الزملاء، بما ساهم بتحمل الضجيج في التعليقات.

غروب "من زاوية أخرى" هو بالتالي خسارة، وإن اقتضه حسابات المؤسسة، وإشعار إضافي بما تواجهه الكلمة المكتوبة الرصينة من تحديات. كل الشكر والاحترام للإداريين والمحررين المتعاقبين على المسؤولية عن صفحة "من زاوية أخرى" على مدى أعوامها، وكل المودة والتقدير لكافة الزملاء، إذ حافظوا على أهمية الرأي الملتزم باحترام كلام الآخر وعقل القارئ، في واقع فكري معاصر يطفح بالأهوائيات والعصبيات والاستعلائيات، ولا سيما منهم من قرأ مادة نقدية وجهتُها إليه وأجاب بما أثرى النقاش، وأخيراً لا آخراً بالتأكيد، فائق الامتنان والإجلال لكل قارئ قرأ، سواء اتفق مع الرأي المطروح أو اختلف معه.

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.