يعلن بوتين الانتصار على المستوى الإعلامي، ولكن على أرض الواقع لا تقدم له هذه "الغنيمة أي فائدة
يعلن بوتين الانتصار على المستوى الإعلامي، ولكن على أرض الواقع لا تقدم له هذه "الغنيمة أي فائدة

د. عماد بوظو/

في سياق تبرير قراره سحب القوات الأميركية من سوريا صرح الرئيس الأميركي دونالد ترامب في بداية العام الحالي: "لا أريد البقاء في سوريا إنها رمل وموت، ...لا نتحدث عن ثروات ضخمة الحديث يدور عن الرمل والموت".

انبرى بعض الصحافيين والناشطين السوريين لرفض هذا الوصف والدفاع عن بلدهم وتاريخها وأمجادها وفضلها على الحضارة البشرية والعالم؛ ولكن ترامب كان يتحدث عن سوريا بواقعها الراهن، الذي لا يرى فيه أي سبب لتواجد أميركي طويل الأمد، لأن ذلك لن يكون سوى خسارة كاملة على المستوى الاقتصادي.

بغض النظر عن أسباب وملابسات هذه التصريحات لكن فيها كثير من الصحة، فسوريا بلد مدمّر يعيش فيه بين 18 و20 مليون إنسان، بدون وجود موارد محلية تستطيع إطعامهم، ولذلك بدأت بالخروج للعلن الشكاوى حول حجم معاناة الشعب لأن مرحلة المعارك العسكرية وإخافة الشعب من سيطرة "المتشددين" قد انتهت وجاء وقت مواجهة الآثار الكارثية للدمار الذي خلّفته طائرات وصواريخ ومدفعية النظام نفسه.

إذا استمر الوضع على حاله الراهن، بلد فقير وشعب جائع ونظام محاصر دوليا، فهذا سيحمّل روسيا مسؤوليات وكلفة لا تريدها

​​بدأت شكاوى الحاضنة الطائفية للنظام بالخروج إلى العلن. حياة بؤس تعيشها زوجات وأطفال القتلى ومصابي الحرب من قوات النظام ويتعرضون لعمليات استغلال. أضيف إليها قبل بضع أسابيع رسائل من بعض الفنانين لبشار الأسد تشكو انقطاع وغلاء السلع الأساسية مثل حليب الأطفال وعبوات الغاز المنزلي ووقود التدفئة وطول مدة انقطاع الكهرباء، علما أن أصحاب الشكوى يعتبرون نسبيا من أصحاب الدخل المرتفع، بينما الأغلبية الساحقة من الشعب وصلت إلى درجة العجز عن تأمين أبسط مقومات الحياة، حيث أن 85 في المئة من الشعب السوري يعيش اليوم تحت خط الفقر (أقل من 2 دولار يوميا). وهذا انعكس تدنيا في الأوضاع الصحية وانخفاضا في المستوى التعليمي، كما وصلت نسبة البطالة إلى 70 في المئة، ولا توجد أي مؤشرات على تحسن هذه الأوضاع في المدى القريب، بل المتوقع أن الأزمة المعيشية ستزداد سوءا. فاستمرار الحكومة في استيراد المواد الأساسية ودفع رواتب الجنود والموظفين والمتقاعدين عبر طبع نقود دون أن يقابلها رصيد حقيقي من العملة الصعبة أو الذهب أو الثروات الداخلية لن يؤدي إلا إلى المزيد من تدهور قيمة العملة وتدني قدرتها الشرائية وزيادة معاناة أغلبية الشعب.

اقرأ للكاتب أيضا: كيفية مواجهة الانتشار الوبائي لمرض السكري

في ظل هذه الظروف، لم يبق سوى نافذة وحيدة من الممكن أن تحدث بعض التغيير وهي المساعدات الخارجية؛ لكن إيران، حليفة النظام الرئيسية تعاني وضعا اقتصاديا بالغ السوء.

كما أن إيران استثمرت الكثير في سوريا، وبحسب رئيس هيئة الأركان الإسرائيلية غادي إيزنكوت فإن إيران "أنفقت 16 مليار دولار لمساعدة النظام السوري ولبناء ميليشيات حليفة في سوريا ولكنها فشلت في تحقيق أهدافها". ولجأت إيران، في محاولة لتعويض جزء مما أنفقته، إلى شراء بعض الأصول الثابتة من أراض وعقارات، ثم حاولت الحصول على حقوق استثمار بعض المنشآت الإنتاجية المتبقية كما دفعت القطاع الخاص الإيراني للمغامرة في السوق السورية، وفي النهاية وصلت الأمور إلى أن إيران لم تعد قادرة على الإنفاق في سوريا؛ ولم يبق لدى النظام السوري ما يبيعه.

رغم أن الوضع الاقتصادي الروسي أفضل من الإيراني، لكن روسيا أوضحت منذ بداية تدخلها أنها لن تفعل شيئا بلا مقابل، ولذلك فقد امتلكت شركة "سيوز نفط غاز" الروسية حقوق التنقيب عن النفط والغاز في الساحل السوري، وفي عام 2018 استحوذت روسيا على حقوق التنقيب والاستثمار لحقول النفط والغاز داخل سوريا.

وفي ميناء طرطوس تم توقيع اتفاقية مع روسيا مدتها 49 عاما، تم فيها توسيع القاعدة البحرية الروسية وقدمت فيه الحكومة السورية الأراضي والمنشآت الضرورية لعمل القاعدة للجانب الروسي بلا مقابل. تكرر الأمر بالنسبة لقاعدة حميميم الروسية التي أقيمت في منطقة الساحل السوري. كما سيطرت شركة ستروي ترانس غاز على إنتاج الفوسفات السوري لخمسين عاما، لتكون حصة الحكومة السورية من عائدات الفوسفات أقل من 30 في المئة، ورغم كل المنح والتسهيلات التي قدمتها الحكومة السورية لم تستطع روسيا تعويض خسائرها وما تحملته من تكاليف في سبيل دعم النظام.

هناك سبب آخر لانهيار مستوى المعيشة في سوريا وهو الفساد، الذي وصل في أيام بشار الأسد قبل الثورة إلى مستويات قياسية، ولجأت مافيات الفساد خلال سنوات الثورة نتيجة انخفاض مواردها التقليدية إلى المتاجرة بالمواد التموينية وبالمعلومات عن المعتقلين والمفقودين وسرقة المساعدات الدولية لتنضم للمنافسة مع الروس والإيرانيين على نهب ما تبقى في البلد.

هكذا تحولت سوريا إلى شعب جائع ومجموعة من الذئاب تحيط به لا تكترث لمعاناته وتحاول الاستيلاء على كل ما يملكه؛ وفي مثل هذه الأجواء من المستبعد أن تقدّم أي دولة أو جهة خارجية مساعدات لسوريا مهما كانت شدة معاناة شعبها، لمعرفتهم أنها في النهاية ستصب في جيوب روسيا وإيران ومنظومة فساد الأسد ولن يصل منها شيء إلى من يستحقها.

رغم هذا الواقع المأساوي، يحاول الإعلام الروسي الترويج لانتصار النظام واستقرار أوضاعه وأن العالم بدأ في إعادة علاقاته وسفرائه إلى البلد. ويتحدث يوميا عن زيارات لوفود سياسية واقتصادية لمناقشة مشاريع وهمية، كما يسهب مع إعلام النظام في الحديث عن "كعكة" إعادة الإعمار ومن سيكون صاحب الحظ السعيد الذي سيشارك فيها، رغم أن إعادة الإعمار حسب التقديرات الدولية تكلف مبلغا هائلا، يتجاوز 400 مليار دولار، لا يملك منها النظام وحلفاؤه شيئا، وبالتالي يبحثون عمن يقوم بإعادة إعمار سوريا على حسابه الخاص ومن أمواله.

عملية البحث هذه صعبة. من غير السهل إيجاد شركات خاصة أو مستثمرين يقبلون بمثل هذا العرض؛ أما الدول الثرية، التي لديها الإمكانية لمساهمة حقيقية بعملية إعادة الإعمار، فجميعها لا تبدو متحمسة لذلك. فالولايات المتحدة وضمن سياسة الإدارة الحالية، التي تركز على مبدأ "أميركا أولا" ليست في وارد المشاركة بهذه المقامرة الخاسرة، والدول الأوروبية ليست في أفضل أحوالها الاقتصادية وتشترط لتقديم بعض الأموال وجود تسوية سياسية يمكن القبول بها، أما دول الخليج فاقتصاداتها في مرحلة حساسة نتيجة انخفاض أسعار البترول وضرورة نقل هذه الاقتصادات إلى مرحلة ما بعد النفط خلال العقدين المقبلين.

في محاولة للابتزاز، يعمل الروس على إثارة مخاوف دول الغرب والدول الإقليمية بأن عدم الاستقرار في سوريا سيؤثر على الأمن الإقليمي والدولي وسيكون بؤرة لنمو التطرف والإرهاب؛ ولكن هذه الأسباب لا تبدو كافية لإقناع الدول الغنية بالتدخل الفعّال في البلدان الفقيرة الموارد.

ففي أفغانستان، ورغم أن هجمات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر قد تم التخطيط لها هناك ورغم الرغبة الدولية باستقرار هذا البلد، لكن لم تتحدث أي جهة دولية عن رغبتها بالمساهمة بإعادة إعماره لأنه بلد فقير وموارده محدودة. لا يختلف الوضع في الصومال، التي ما زالت، منذ عام 1991، بؤرة إرهاب وقرصنة إقليمية ودولية، ومع ذلك لا يوجد أي طرف دولي لديه الرغبة في التدخل فيها سياسيا أو اقتصاديا أو عسكريا. لا يختلف واقع سوريا كثيرا.

في محاولة للابتزاز، يعمل الروس على إثارة المخاوف بأن عدم الاستقرار في سوريا سيؤثر على الأمن الإقليمي والدولي وسيكون بؤرة لنمو التطرف والإرهاب

​​إلى جانب المصاعب المالية والاقتصادية التي تواجهها روسيا في سوريا، هناك المأزق السياسي، فحتى يستطيع الرئيس بوتين دفع العالم للمشاركة بتحمل جزء من تكاليف إعادة الإعمار عليه أن يدفع النظام للموافقة على تسوية سياسية مقبولة دوليا، لكن النظام لا يبدو جاهزا أو مؤهلا للقيام بالخطوات المطلوبة لتحقيق ذلك، ويدعمه الإيرانيون في موقفه هذا لأن التسوية السياسية قد تقود إلى خروجهم من سوريا بعد كل ما دفعته طهران بشريا واقتصاديا.

اقرأ للكاتب أيضا: مواجهة عبر الموسيقى بين التشدد والاعتدال

وفي الوقت نفسه، تصرّ أطراف إقليمية ودولية على شرط خروج الإيرانيين في سوريا حتى تعيد علاقتها بالنظام، مثل السعودية والولايات المتحدة وإسرائيل، التي تقوم دوريا بالإغارة على مقرات الحرس الثوري الإيراني والميليشيات المرتبطة به، في حين يتمسّك النظام السوري ببقاء تلك الميليشيات حتى لا يصبح بالكامل تحت رحمة الروس.

الخيارات أمام روسيا ليست بهذه السهولة، لأنها تخشى إن هي عملت على إخراج الإيرانيين ودفع النظام لإجراء بعض الإصلاحات أن تضعف قبضته الأمنية مما قد يشكل خطرا على استقراره.

وإذا استمر الوضع على حاله الراهن، بلد فقير وشعب جائع ونظام محاصر دوليا، فهذا سيحمّل روسيا مسؤوليات وكلفة لا تريدها، لذلك يعلن بوتين انتصاره على المستوى الإعلامي، فقد وافق الجميع على إعطائه سوريا ملكا خاصا به لا ينازعه عليها أحد، ولكن على أرض الواقع لا تقدم له هذه "الغنيمة" أي فائدة، لأنها في حقيقتها ليست سوى عبء مالي واقتصادي وسياسي.

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟