رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري في مؤتمر صحافي بعد الإعلان عن الحكومة الجديدة
رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري في مؤتمر صحافي بعد الإعلان عن الحكومة الجديدة

منى فياض/

هناك مثل شعبي يقول: "ما في عالحكي جمرك"؛ بإمكانك أن تقول ما تشاء، متى تشاء، فلن يكلفك ذلك أي ثمن أو محاسبة.

هكذا صار وضع اللبناني مع قياداته السياسية. تتوالى التصريحات والتصريحات المضادة من نفس المسؤول ومن "خصمه". يتبادلان الأدوار والتهم، دون أن يرمش لهم جفن. تتوالى الوعود، التي لا يمكن وصفها إلا بالكاذبة، دون أن يخشى قائلها أي ردة فعل.

أصبح لبنان "كالحمّام المقطوعة مياهه"؛ مثل شعبي آخر. تعمّه الفوضى والصراخ والضجيج.

في ظل الانقسام الاجتماعي الحاد والصراع المذهبي المتفاقم والمرعي من الطبقة السياسية يعيش اللبناني في ظل الخوف والقلق على المصير

​​لكن "غيبة" الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله عن السمع مؤخرا وتكاثر الأقاويل حولها؛ كسرت الروتين. فلقد اعتاد الجمهور منذ فترة على ظهور متكرر عند كل شاردة وواردة. مع ذلك أكد لنا أنه معتاد على قلة الكلام وقلة الظهور! تبرير سهل لتغطية الارتباك أمام صدمة كشف الأنفاق وتعطيلها! مع ذلك لم يفاجأ "سيد المفاجآت" كما يسميه أتباعه، فقال إن اكتشافها أمر طبيعي! كأنها كانت لعبة غميضة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي نتانياهو، جاعلا من مجرد التأخر في كشفها من علامات الانتصار والقوة!

وجمهور حزب الله يصدق ويتهجم على من يتساءل: أحقا يشكل انفضاح أمر أنفاق كلفت الملايين من الدولارات وسنوات من الجهد والعمل الشاق والسري؛ انتصارا للحزب وإنجازا كاذبا لنتانياهو؟

اقرأ للكاتبة أيضا: الجسد اللبناني كمريض السرطان المستسلم

وما بين "الانتصار" على إسرائيل وسياق تأليف الحكومة؛ يتفسخ البلد في ظل الجهود الضائعة لإنقاذ البلد من الانهيار! يزداد الشارع اللبناني بؤسا وانقساما ويمعن في تبعيته لقادته العظام.

فعلى الجماهير أن تتبع قادتها وتتعصب لمواقفها ولو أدّى ذلك إلى الخراب المطلق. فللقادة عادة، وهم أقلية أدركت كيف تتملك وسائل القوة والإكراه، باع كبير في تسيير أمور الناس! لذا ليس علينا سوى انتظار الفرج.

السؤال الملحّ: ما الذي يجعل كل ذلك ممكنا؟

لا ضير من التذكير بما يُعرف بـ"سيكولوجيا القطيع"، أو قدرة الجماهير على التكيّف مع أحكام خاطئة. برهن على ذلك اختبارا ميلغرام وآش السيكولوجيان. الأول جعل متطوعين متنوعين يقومون بتعذيب شخص يراد منه أن يتعلم مفردات لغوية. يطلب من المتطوع أن بطلق شحنات كهربائية تتزايد باطراد (إلى أن تبلغ قوتها 450 فولت المميتة) في كل مرة يخطئ فيها المتعلم، بناء على أوامر من أحدهم. والهدف من الدراسة قياس استعداد المشاركين في إطاعة سلطة تأمر بتنفيذ ما يتناقض مع ضمائرهم.

ولقد نفذ 65 في المئة من المشاركين تجربة التعذيب تلك حتى النهاية. ولم يرفض تنفيذها أكثر من 24 في المئة. لذا نفهم لماذا أطاع الألمان هتلر! ولماذا خضع العراقيون لحكم صدام؟ ولماذا تخضع الجماهير العربية لأنظمتها والطوائف لزعمائها؛ ولماذا يجد زعماء لبنان من ينقاد لهم.

ذلك أن عدد الأشخاص الذين لديهم الاستعداد لمقاومة السلطة أقل بكثير ممن هم على استعداد لطاعتها العمياء.

والأمر هنا يتعلق بمدى القدرة على تحمل المسؤولية الفردية أو عدمها. لقد برهنت هذه التجربة وغيرها أن المسؤولية الفردية تنتفي عندما يكون الشخص منفذا لأوامر شخص أو جهة أخرى؛ حينها يقل تأنيب الضمير. فهو غير مسؤول، لأنه ليس من قرر القيام بهذا العمل، بل قرر الآخرون عنه.

أما في تجربة آش فقدمت صورا فيها خطوط غير متساوية وكان على المفحوص أن يقارن مع صور أخرى ويقرر تشابه طول الخطوط فيما بينها. والهدف من هذه التجربة معرفة ما إذا كان الفرد يتكيف مع الجماعة ذات الأحكام الخاطئة. وفعلا عندما كانت تُجمِع المجموعة على الخطأ كانت غالبية المفحوصين يتبعونها.

أظهرت التجارب أن الرغبة في التكيّف تتعارض مع الرغبة في التغيير.

لماذا تتم الأمور بهذه الطريقة؟ ما الذي يفسر الانصياع للسلطة؟

إنها التنشئة الاجتماعية التي تدربنا على الطاعة؛ كما النقص في التعاطف مع الآخرين وعدم القدرة على إحلال أنفسنا مكانهم. ولأن المرجعية تمتلك سلطة تعتبر شرعية وذات مكانة: مرجع ديني، مرجع حكومي، منصب أكاديمي... أو أي سلطة رمزية.

فما سر التكيف الزائد دون أي تمييز؟

بعض العوامل الشخصية: رغبة الفرد بأن يكون محبوبا من قبل أعضاء الجماعة وغير منبوذ. الرغبة في أن يكون على صواب، والخجل الاجتماعي أو ألفة العمل والمحيط. لكن هناك أيضا حجم المجموعة والدعم الاجتماعي الذي توفره.

ويلاحظ أنه إذا كان هناك شخص واحد فقط يوافقك الرأي سيدفعك ذلك إلى الثبات على موقفك.

 ولقد ثبت أن الأشخاص الذين يفضلون أن يكونوا على صواب على أن يكونوا محبوبين في الجماعة، هم أقلية وأقل تكيفا مع ضغوط المجتمع.

الأشخاص الذين لديهم الاستعداد لمقاومة السلطة أقل بكثير ممن هم على استعداد لطاعتها العمياء

​​صحيح أن الانتماء إلى حضن حام وجالب للأمن هو من الحاجات الأساسية لدى الإنسان كالحاجة إلى الطعام أو التناسل. لكن هناك ظروف تجعل حاجة الانتماء هذه أكثر إلحاحا وتستعيد قوة أثرية بسبب الخوف الأولي الذي يجتاح الفرد في ظروف معينة؛ فيصبح كالطفل الخائف الذي يبحث عن الطمأنينة في حضن الأم.

وفي ظل الانقسام الاجتماعي الحاد والصراع المذهبي المتفاقم والمرعي من الطبقة السياسية، إضافة إلى التهديدات الإسرائيلية وتفكك أجهزة الدولة ومؤسساتها، ناهيك عن التهديد بالانهيار الاقتصادي؛ يعيش اللبناني في ظل الخوف والقلق على المصير.

اقرأ للكاتبة أيضا: في الاتحاد 'كوة'، ولا تزال!

تصبح الجماعة هي الملاذ الآمن للفرد والجهة التي تتحمل عنه المسؤولية وتقيه من الشرور. يسلّم الفرد قيادته في هذه الحالة إلى قائد موثوق يعفيه من المسؤولية. فيضعف إحساسه بمسؤوليته الفردية. ومع الوقت يعتاد التبعية المفرطة، لأي سلطة بديلة تأخذ على عاتقها مسؤولية القرار. وكلما ازداد الجهل تعمقت التبعية والخضوع، ما يجعل الفرد كالمدمن بحاجة إلى التوجيه الإجباري. فبعض الناس لا يتمتع بطبيعة تكفي لتخوله اتخاذ مواقف مستقلة أو ليفهم لماذا يرغم نفسه على القيام بما يقوم به!

يؤدي ذلك إلى جعل الجماهير غير قادرة على الحرية لأنها اعتادت الخضوع والطاعة السلبية للسلطة.

وإلى أن تتضافر ظروف التغيير، ليرحمنا الرحمن.

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟